قصر الحكم.. أصالة العمارة وعراقة التاريخ

يعود تأسيس قصر الحكم إلى بداية الدولة السعودية الثانية عندما انتقل الإمام تركي بن عبدالله، رحمه الله، إلى الرياض لتكون عاصمة لبلاده بدلا من الدرعية، فقد سكن الإمام تركي قصر الحكم طوال فترة حكمه إلى أن توفي عام 1249هـ، وسكنه بعده الإمام فيصل بن تركي، رحمه الله، حتى وفاته عام 1282هـ. وقد زاد الإمام فيصل في بناء قصر الحكم عمّا كان عليه في أثناء حكم والده الإمام تركي، كما ربط القصر بممر علوي يتصل بالجامع الكبير.

وبعد وفاة الإمام فيصل، تولى أبناؤه الحكم وقد اتخذ كل منهم قصر الحكم مقرا له، إلى أن تعرض القصر للهدم في أواخر الدولة السعودية الثانية.

ميلاد جديد للقصر

غير أن الميلاد الفعلي لقصر الحكم، كان في عام 1319هـ، عندما استرد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن، رحمه الله، مدينة الرياض وأطلق منها مسيرة تأسيس المملكة العربية السعودية، وأمر بإعادة بناء قصر الحكم في مكانه السابق.

وبعد اكتمال بنائه في عام 1330هـ اتخذ الملك عبدالعزيز من القصر مقرا له حتى عام 1357هـ، حيث انتقل إلى قصر المربع ثم بنى حوله قصورا أخرى لعائلته، كما بنى قصرا كبيرا أمام قصر الحكم من الناحية الشمالية خصص للضيوف. وأمر ببناء ثلاثة جسور مسقوفة بالأخشاب ترتبط بقصر الحكم، وتربطه بكل من جامع الإمام تركي بن عبدالله، وقصر الضيوف، وبيوت العائلة.

4 أجنحة في القصر

يتكون قصر الحكم من طابقين وأربعة أجنحة، وكل جناح يتكون من غرف واسعة، وسلالم وقاعات وباحات، ويعد الجناح الشمالي أهم الأجنحة وأوسعها، ففي الدور الأرضي توجد مخازن للأطعمة، وصالة طعام كبيرة، فيما يحتوي الدور الأول على مجلسي الملك الخاص والعام، إضافة إلى 16 شعبة تتولى أعمال الديوان الملكي.

ويضم الجناحين الجنوبي والشرقي من القصر، مكاتب ومستلزمات الشؤون الملكية الخاصة، وإدارة الجيش ومساكن الحراس وخدم القصر، وفوقها قاعة يصلي فيها الملك وحاشيته.

وللقصر أربعة أبراج، وبوابتان كبيرتان، تقع الأولى شرق القصر والثانية شمال القصر، ويبلغ ارتفاعهما ثلاثة أمتار، وعرضهما أربعة أمتار، كما يضم القصر مدرسة الأبناء ومكتبة.

برنامج تطوير منطقة قصر الحكم

مثّلت منطقة قصر الحكم، العنصر الأبرز في معالم مدينة الرياض القديمة، بساحاتها الشهيرة، وبواباتها الأثرية، وأسواقها الرائجة، وأحيائها المتلاصقة، ومعالمها التاريخية، وفي مقدمتها قصر الحكم، وحصنالمصمك.

ونتيجة للطفرة العمرانية التي شهدتها الرياض وظهور أحيائها الجديدة وانتقال الثقلين التجاري والسكاني إلى أجزاء أخرى من المدينة، عانت منطقة قصر الحكم أواخر القرن الهجري الماضي، من الأعراض التي تعانيها المناطق التاريخية في معظم المدن الحديثة، ومنها هجرة السكان وضعف البرامج الاجتماعية والاقتصادية وتراجع اهتمام السكان بالمنطقة.

القلب النابض لمدينة الرياض

وبتوجيه وقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، أيده الله، حينما كان أميراً لمنطقة الرياض ورئيسا للهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض، وضعت الهيئة العليا برنامجاً لتطوير منطقة قصر الحكم، يهدف إلى إعادة المنطقة إلى ما يجب أن تكون عليه كقلب نابض لمدينة الرياض، وإعادة القيمة الذاتية والمعنوية للمنطقة على مستوى المدينة، وعلى مستوى المملكة وعلى المستوى العالمي، كمنطقة استقطاب سياحي وثقافي.

مرحلية في التطوير

ولكون المرحلية في التوسع أحد أهداف المشروع، فقد جرى تطوير المنطقة على عدة مراحل، شملت الأولى، ترميم حصنالمصمكوتحويله إلى متحف، وإنشاء مقر إمارة منطقة الرياض، ومقري أمانة منطقة الرياض، وشرطة منطقة الرياض، وتطوير الطرق والمرافق الخدمية في المنطقة، وتكثيف التشجير وتنسيق المواقع.

أما المرحلة الثانية، فشملت إعادة بناء جامع الأمير تركي بن عبد الله (الجامع الكبير)، وقصر الحكم، والساحات والميادين المحيطة بهما، ومركزالمعيقليةضمن مشاركة القطاع الخاص في تطوير المنطقة، والتي شكلت معظم مشاريع المرحلة الثالثة من المشروع، وتضمنت مركزي التعمير وبن سليمان التجاريين.

مكونات قصر الحكم

ويضم قصر الحكم بعد التطوير، مكتباً للملك، وصالة كبرى للاستقبال، ومجالس ملحقة بها، وصالة رئيسية للطعام، وقاعات وعناصر أخرى.

كما يضم قصر الحكم، مكتب سمو أمير منطقة الرياض، ومجلسا يستقبل فيه المواطنين، وقاعات للاجتماعات، وصالة طعام، إضافة إلى مكتب سمو نائب أمير منطقة الرياض، وقاعة للاجتماعات وصالة طعام.

ساحات وبوابات تاريخية

وتشكل ساحات منطقة قصر الحكم بمدينة الرياض، أحد أبرز عناصر برنامج تطوير المنطقة، وتضم كل من: “ميدان العدل” و”ساحة الإمام محمد بن سعود” و”ساحة الصفاة”، وأصبحت مقصداً للسكان لأغراض تتنوع بين التنزه والتسوق وارتياد المواقع التاريخية.

كما اشتمل برنامج تطوير المنطقة، على إعادة بناء وترميم بوابات الرياض التاريخية، وأشهرها: بوابةالثميري، وبوابة دخنة، وبرج الديرة، وأجزاء من سور المدينة القديم.

إعادة رسم الهوية العمرانية للمنطقة

وتأكيد للهوية العمرانية والتخطيطية لمدينة الرياض، حرص البرنامج على استخلاص قيم العمارة التراثية المحلية في المباني والمنشآت والمرافق الخدمية في المنطقة، وعمل على إعادة تأهيل المباني التراثية والمعالم الأثرية وفق تصاميم أكدت على الهوية العمرانية للمنطقة، ومزجت بين العصرية والعراقة، وأعادت رسم وتشكيل العمارة المحلية العريقة في المنطقة.

فبالرغم من التباين والاختلاف في وظائف مباني المنطقة، إلا أنها صممّت وفق لغة مشتركة وارتفاعات متماثلة، وكسيّت جميعها بالحجر الأصفر المعروف بـ (حجر الرياض)، لتشكل واحداً من التجارب الناجحة في المزج بين روح العمارة التقليدية والحديثة في تجانس وتناغم تام.

أنشطة تجارية مزدهرة

وقد اشتمل برنامج تطوير المنطقة تجاريا على سبعة مجمعات تجارية ضخمة تقدم مستويات مختلفة من خدمة سكان المدينة وزائريها، كما ساهم توفير البنى التحتية والمرافق الخدمية في حث القطاع الخاص على الاستثمار في المنطقة وتطويرها وفق المنهجية التي وضعتها “هيئة تطوير الرياض” فأقيم كل من: مركزالمعيقليةالتجاري، مركز التعمير ، مركز بن سليمان التجاري، وجميعها من المشاريع التنموية الكبرى على مستوى المدينة.

وقد ساهمت هذه المشاريع في استعادة المنطقة لألقها، وإعادة النسيج الاجتماعي لسكان الرياض إلى منطقة قصر الحكم بعد أن تحولت المنطقة بمرور الوقت إلى منطقة تجارية بحتة تنعدم فيها المظاهر الاجتماعية والإنسانية بعد أوقات الدوام.

أبعاد استراتيجية للتطوير

وتأكيداً للبعد الاستراتيجي والتخطيطي الذي تتبناه الهيئة العليا نحو إحياء منطقة قصر الحكم بشكل خاص، ومنطقة وسط مدينة الرياض بشكل عام، قامت الهيئة بتنفيذ عددا من المشاريع الحيوية وفق تصاميم تتوافق مع عناصر المنطقة، ومن أبرزها: إنشاء مركز الملك عبد العزيز التاريخي، وتطوير مقر المحكمة العامة، ومقر المحكمة الجزائية، وتنفيذ الجزء الأوسط من طريق الملك فهد الذي يخترق المدينة من جنوبها إلى شمالها مروراً في وسطها ومنطقتها المركزية، كما أنشأت متنزه سلام، وتعمل حالياً على تطوير كل من حي الدحو التاريخي المجاور، وتطوير منطقة الظهيرة الواقعة بين منطقة قصر الحكم ومركز الملك عبد العزيز التاريخي.

برامج وفعاليات تنشيطية

وضمن سعيها لتفعيل دور المنشآت والمرافق التي تقع في هذه المنطقة، أطلقت الهيئة العليا العديد من البرامج والفعاليات التنشيطية، التي تقام بشكل دوري في ساحات قصر الحكم، ومن أبرزها: احتفالات عيد الفطر المبارك، التي تعدّ الاحتفال الرسمي لمدينة الرياض.

وفي هذا السياق، نظمت الهيئة العليا فعالية “جولة في قصر الحكم” تحت رعاية صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن بندر بن عبدالعزيز، أمير منطقة الرياض رئيس الهيئة العليا، للاحتفاء بمناسبة اليوم الوطني الخامس والثمانين للمملكة العربية السعودية، وسط حضور وإقبال كبيرين من سكان مدينة الرياض وزوارها.

وخلال الجولة، شاهد الزوار الأفلام الوثائقية التي أنتجتها الهيئة بهذه المناسبة، عن كل من: تاريخ قصر الحكم، وتاريخ البيعة في المملكة، وتاريخ أمراء منطقة الرياض، كما استمتعوا بزيارة معرض الصور التاريخية النادرة للملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن، رحمه الله، والتقطوا الصور التذكارية أمام مكتب خادم الحرمين الشريفين ومكتب سمو أمير منطقة الرياض، وقاعة البيعة والصالات الكبرى التي يحتويها القصر وشهدت العديد من المناسبات الوطنية.

جوائز عالمية

وقد حققت بعض مكونات منطقة قصر الحكم، جوائز عالمية، فقد فاز جامع الإمام تركي بن عبدالله، بجائزة أغا خان العالمية للعمارة، في دورتها السادسة المنعقدة في مدينة سولو بإندونيسيا عام 1415هـ (1995م)، فيما اختارت “جمعية المعماريين الدنماركية”، ساحات قصر الحكم بوسط مدينة الرياض، كأحد أفضل الساحات في العالم، وذلك ضمن كتاب أصدرته الجمعية عام 1422هـ (2002م) تحت عنوان (الساحات الجديدة للمدن)، وجاء اختيار ساحات منطقة قصر الحكم في الكتاب، لتحقيقها أعلى درجة من الدمج بين الوظائف الدينية والثقافية والتجارية والإدارية في المنطقة، وتأكيد تصميمها العمراني على أصالة المنطقة وعراقتها التاريخية واحتفاظها بالطابع المحلي.