نافذة على الماضي: أصالة القيم العربية الإسلامية تنعكس في الطابع العمراني والمعماري لمنطقة قصر الحكم

العمران تخطيط والعمارة فن، والاثنان معاً يعبران عن فكر الإنسان وروحه. وأكثر ما يتبدى ذلك ويتجلى في النظم العمرانية والطرز المعمارية التي أبدعتها الحضارات الإنسانية المتعاقبة، وما تزال آثارها ومعالمها باقية في عديد من المدن والحواضر التاريخية الكبرى في شتى أرجاء المعمورة حتى اليوم، ماثلة للعيان، تعكس علاقة الإنسان العميقة ببيئته والتأثير المتبادل بينهما والذي يتمثل في النسيج العمراني لهذه المدن.

ومدينة الرياض –باعتبارها من المدائن ذات الخصوصية المتميزة في مجالات كثيرة- تندرج في سياق المدن والحواضر العالمية المعبرة عن التناغم المتوازن بين الإنسان وبيئته، بكل ما تمثله هذه البيئة من خصوصية التقاليد والسجايا والموروثات الصافية إضافة إلى عوامل المناخ وتحديات الحياة. ولقد جاءت مدينة الرياض القديمة بعمارتها التقليدية، ابنة أصيلة لبيئتها وتاريخها وترجماناً أميناً لنظام حياة الناس فيها.

كانت مدينة الرياض محاطة بسور حصين من الطين والطوب المجفف ارتفاعه 25 قدماً تعترضه حصون وأبراج حراسة دائرية في غالبيتها تميل قليلاً عند القمة، وهناك القليل منها مربع أو مستطيل الشكل ويوجد في السور عدة بوابات محصنة في مختلف جوانب السور وجهاته، حيث يوجد في الشرق بوابة “الثميري” وفي الشمال بوابة “آل سويلم” وفي الجنوب بوابة “دخنة”، وفي الجهة الغربية بوابة “المذبح”، وبوابة “الشميسي” وكانت قبل ذلك تشمل بوابة “المريقب” الواقعة في الجنوب الغربي من المدينة القديمة، بالإضافة إلى بعض البوابات الأخرى الصغيرة التي كانت مخصصة لدخول وخروج الراجلين فقط، كبوابة “عرعير” و”القري” و”الظهيرة” و”مصدة”. أما الطرقات فكانت توصل من تلك البوابات إلى وسط المدينة وتتدرج في العرض حسب الغرض منها.

وكأية مدينة عربية إسلامية عريقة، كان مركز المدينة يتكون من الجامع الكبير الذي يمثل قلب المجمع الحضري، وقصر الحكم إضافة إلى الأسواق التجارية. وكانت أحياء مدينة الرياض القديمة معدودة ومعروفة للجميع، تربطها ببعضها بعضاً طرق وممرات ذات أبعاد مختلفة تتناسب مع الاستخدام الخاص بها وتعتمد على وسيلة النقل التي تمر من خلالها. وكان الحي يتكون من عدة مساكن تلتف حول مسجد يتوسط المجموعة السكنية ويعمل كنقطة مركزية لها، ويمكن مشاهدة مئذنته من بعد داخل الحي، وتكون الساحة الخاصة بالحي بجوار المسجد حيث ملتقى طرق وممرات ضيقة وقصيرة تكون في الغالب مغطاة أو شبه مغطاة، وكثيراً ما تنتهي بنهايات مسدودة من شأنها تأمين الخصوصية وتوفير الهدوء والأمان، وتحف بهذه الطرق جدران عالية تقلل من تعرض المباني للشمس. وفي بعض الأحيان كانت الطرق والممرات مغطاة بواسطة المباني، وهذا النوع من الطرق يعرف بـ “المجابيب”

وكذلك كانت البيوت القديمة متلاصقة ولكل منها واجهة واحدة في الغالب. وتلتف حول فناء داخلي يعد بمثابة مصدر للظل والضوء وملطف للطقس، بينما كانت تضم المباني الكبيرة أروقة في جانب أو أكثر من جوانب الفناء، وهي كانت عنصراً شبه مقفل بين الفناء المفتوح للهواء والأماكن الداخلية للمسكن. وتمثل هذه الأروقة نقطة انتقال فيما بين الفراغ المقفول في الغرف والفراغ المفتوح في الفناء حيث يؤمن الحمايةلحوائطالغرف من أشعة الشمس المباشرة.

وكان للفناء الداخلي دور مهم في المسكن التقليدي، فهو عبارة عن فراغ مفتوح يعرف بـ( بطنالحوى) ومساحته تتناسب طردياً مع مساحة قطعة الأرض، وغالباً ما يحاط من جميع الجهات بأروقة تعرف باسم “لمصابيح” كانت تستخدم للجلوس وكممرات للربط بين فراغات المسكن حول الفناء.

وفي حالة وجود أكثر من دور للمسكن فإن توزيع الفراغات في الأدوار العلوية يتبع توزيعها في الدور الأرضي، وكانت نوافذ الدور الأرضي تفتح على الأروقة المحيطة بالبناء.

أماالحوائطالخارجية للمساكن التقليدية فهي تعكس بساطة التصميم ومدى ملائمته للبيئة من حوله. وكمثال على ذلك يلاحظ أنتناثر الشبابيك في ترتيب غير مقصود يتناسب مع وظيفة تلك العناصر التي غالباً ما تكون صغيرة ومرتفعة عن منسوب الشخص المار في الطريق، بهدف تأمين الخصوصية، بينما يلاحظ أن نوافذ الأدوار العلوية قليلة العدد وكبيرة الحجم. أما الأبواب والشبابيك فهي مرتدة إلى الداخل للحد من تسرب الحرارة والحيلولة دون تسرب المطر مباشرة إلى داخل المسكن. وكانت الشبابيك عادة ذات أشكال مستطيلة ( رأسياً) وأبعادها تتراوح بين 40-90 سم عرض و40-130 سم ارتفاع، بينما كانت الأبواب بعرض يتراوح من 100 إلى 150سم وبارتفاع من 160 إلى 220سم.

وهناك الفتاحات المثلثة الشكل الصغيرة الحجم بجانب السقف من الأسفل، والغرض منها التهوية والإضاءة غير المباشرة، وكان طول قاعدة المثلث يتراوح بين 40-45سم ويصل ارتفاعها أحياناً إلى 35سم، ويتم التشكيل بها على مجموعات.

وقد تفنن أرباب المعمار قديماً في العناصر الزخرفية سواء الخارجية أم الداخلية منها، ففي الزخارف الخارجية نجد أنه تم الاعتماد على التوزيع الخارجي للفتاحات سواء الكبيرة منها أم الصغيرة، ونلاحظ مدى جمالها في حالة عمل تكوين معين من تلك الفتحات المثلثة والمستطيلة ذات الرأس المدبب، ومن خلال نوعية المثلثات البارزة المحيطة بالمسكن، والتجويف الذي يعلوها، والشرفات التي بأعلى المباني، واستخدام الألوان في الأبواب والشبابيك.

تلك كانت ملامح التخطيط والعمارة في مدينة الرياض قبل زهاء ثلاثة أرباع القرن من الزمن، وما تزال معالمها باقية في منطقة قصر الحكم التي تمثل قلب مدينة الرياض اليوم. إنها ملامح نقرأ فيها الوجه التقليدي المألوف للمدينة العربية الإسلامية التي تضفي قيمها وتقاليدها الأصيلة على طابعها العمراني وطرازها المعماري.