الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض تقوم على برنامج متكامل لإدارة البيئة وحمايتها بالمدينة

أصبحت المشكلات البيئية تحظى باهتمام بارز من قبل الدول والمؤسسات والهيئات الإقليمية والدولية على السواء، وذلك مع تنامي الوعي بالمشكلات البيئية وماتمثله من مخاطر تتهدد مستقبل المجتمع البشري.

تقول التقارير الدولية – في معرض تصويرها لواقع المشكلات البيئية وحجممخاطرهاالراهنة والمستقبلية – أن الممارسات الخاطئة في التعامل مع الموارد الطبيعية، وما ينجم عنها من تأثيرات ضارة على البيئة، أدت إلى تلوث الماء والهواء والتربة. في كثير من بقاع العالم، حتى بات خطر الاضمحلال والانقراض يتهدد أحياء الأرض التي تعد أنواعها بالملايين بسبب ماحل بالبيئات التي ألفت العيش فيها. وقد تكون الخسائر التي تنجم عن ذلك مقنعة، لكنها خسائر فادحة. فمثلاً يتحول كل عام ستة ملايين هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة إلى صحاري. عديمة النفع بإفساد تربتها. كما يدمر سنوياً حوالي عشرة ملايين هكتار من الغابات وتحول مساحتها إلى أراض ذات تربة فقيرة لاتصلح كثيراً للزراعة. كما تهدد غازات منبعثة من المصانع بتقليل الأوزون في الستار الذي يحمي الأرض من وقع الأشعة فوق البنفسجية مما ينذر بإحداث خلل في السلاسل الغذائية في البيئة البحرية وأضرار صحية وبيئية أخرى بالغة الخطورة، ناهيك عما تحدثه الصناعة والزراعة من تأثيرات بيئية ضارة منها مايصل إلى غذاء الإنسان والمياه الجوفية من مواد كثيرة بعضها سام.

ولمواجهة هذا الخطر الداهم توصل المختصون، من خبراء ومسؤولين، إلى ضرورة عدم الفصل بين قضايا البيئية والمسائل المتعلقة بالتنمية، فالكثير من مشروعات التنمية يخلف وراءه آثاراً تمس الموارد الطبيعية كما أن تدهور الأحوال البيئية الذي يصاحب ذلك يحبط الكثير من طموحات برامج التنمية.

من هنا، كان لابد من التركيز على أن تكون حياة الأجيال الحاضرة والمقبلة متناغمة مع الأرض ومع النعم التي سخرها الله عليها للإنسان.

ارتفاع نسبة سكان التجمعات الحضرية يهدد بزيادة الآثار البيئية السلبية

وقد شهد القرن الميلادي الحالي ارتفاعاً ملحوظاً في نسبة سكان التجمعات الحضرية، حيث ارتفعت نسبة سكان التجمعات الحضرية إلى حوالي 45 %من سكان العالم مقارنة بـ32.6% منهم منذ حوالي ثلاثين عاماً و13.6% قبل مائة عام. وقد أدى هذا النمو السكاني والعمراني المطرد للتجمعات الحضرية إلى اكتظاظ السكان في مناطق محدودة،الأمر الذي يهدد بزيادة الآثار البيئية السلبية مالم يواكب هذا النمو تطوير تنظيمات وضوابط بيئية ملائمة. فالزيادة المطردة في عدد السيارات واختناقات المرور، وتقلص المساحات الخضراء داخل التجمعات الحضرية، إلى جانب التوسع الصناعي في مناطق مجاورة لهذه التجمعات أو داخل نطاقها السكني، يساهم في ظهور مشاكل بيئية عديدة ناجمة عن تلوث الهواء والمياه وتزايد النفايات الصلبة والخطرة، كما أن الازدحام والضوضاء وعدم توفر الإسكان المناسب، في أغلب المدن، يزيد من حدة الضغوط النفسية والأجتماعية التي يعاني منها سكان التجمعات الحضرية. وهكذا برزت الحاجة إلى وضع تنظيمات وضوابط بيئية كجزء من أسس التخطيط الحضري السليم توجب مراعاته الموازنة بين التنمية وصحة البيئة.

برنامج متكامل لإدارة البيئة وحمايتها في مدينة الرياض

ومدينة الرياض، حاضرة المملكة، يسكنها حالياً نحو 2.5 مليون نسمة، وينظر أن يصل عدد سكانها، إذا استمر النمو السكاني فيها بالمعدلات الحالية، إلى حوالي ستة ملايين نسمة عام 1427هـ. وسيواكب ذلك، بطبيعة الحال، توسيع المدينة ونمو خدماتها وتنوع الأنشطة فيها، إلى جانب زيادة حجم الحركة المرورية وعدد محطات الطاقة والوقود وزيادة النفايات والمخلفات المختلفة.

هذه التحديات تتصدى لها الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض، عبر برنامجها لإدارة البيئة وحمايتها، وكذلك بإيلاء الاعتبارات البيئية اهتماماً كبيراً في تخطيط وتصميم المشاريع والبرامج التطويرية التي تقوم عليها.

الاعتبارات البيئية في المشاريع والبرامج التطويرية :

حرصت الهيئة العليا، في المشاريع التطويرية العديدة التي قامت بها (مثل المجمع السكني لموظفي وزارة الخارجية بالرياض،وحي السفارات،وإعادة تطوير منطقة قصر الحكم،وطريق الملك فهد،وغير ذلك من المشاريع) على مراعاة الاعتبارات البيئية،حيث انعكس ذلك في جميع مشاريع الهيئة في الاهتمام بالتكامل والانسجام بين البيئة الطبيعية والبيئة المشيدة وعد الإخلال بالتوازن بينهما عن طريق التحكم في الكثافة السكانية، ومراعاة الظروف المناخية وخصائص الأرض وتضاريسها ومكوناتها الجيولوجية في مواقع المشاريع، وتوجيه استخدامات الأراضي بما يتناسب مع الظواهر الطبيعية كحركة الرياح وزوايا سقوط أشعة الشمس، والاهتمام بالتهوية الجيدة وحماية المناطق السكنية من الضوضاء والغبار والأتربة والرياح، وتوفير الساحات المفتوحة وتنسيق المواقع وزراعتها بالنباتات الملائمة للظروف المحلية، والحرص على تخطيط وتصميم الطرق والشوارع وممرات المشاة بجيث تنسجم مع الظروف البيئية في المنطقة إلى جانب توفير المرافق والخدمات العامة بما في ذلك مايرتبط منها بالصحة العامة، والعمل على إعادة استعمال المياه الملوثة بعد تنقيتها في ري المسطحات الخضراء والحدائق، وكذلك الاعتناء بسبل ووسائل جمع المخلفات والنفايات والتخلص منها.

المجمع السكني لموظفي وزارة الخارجية بالرياض يبرز سمات ثقافية وبيئية متميزة في الهياكل العمرانية

فالمجمع السكني لموظفي وزارة الخارجية جاء تخطيطه وتصميمه متجاوباً مع الظروف المناخية والطبيعية والتضاريس التي أمكن تطويعها وإيجاد شكل جمالي متناسق يوفر الأمان والراحة. فتصميم هذا المجمع الذي يتألف من أكثر من ستمائة وحدة سكنية متفاوتة الأحجام، يبرز سمات ثقافية وبيئية متميزة في الهياكل العمرانية، إلى جانب تأمين الخصوصية للمساكن وحمايتها من الظروف المناخية وإعطاء سكانها شعوراً بالراحة والأستقرار.فقد ارتكز التصميم العمراني للمجمع على خمس قواعد تتمثل في إدخال العناصر الموجودة بالموقع ضمن التصميم والتعامل مع طبوغرافية الأرض فيه،وإخلاء المنطقة المركزية بالمجمع من حركة السيارات، وجعل المناطق السكنية محددة وواضحة على مستوى الفئات وداخل كل فئة، ووضع الخدمات العامة في مركز الجاذبية السكانية، إلى جانب اعماد شبكة منفصلة للمشاة وتحديد حركة السيارات داخل المجمع.

وعلى مستوى التصميم المعماري والهندسي للوحدات السكنية في هذا المجمع، روعي أن تتوفر الإضاءة الطبيعية طوال النهار في هذه الوحدات، وعبر قناطر خاصة تسمح بنفاذ الضوء دون أن تنفذ الحرارة واستخدام زجاج مزدوج للنوافذ لعزل الضوضاء الخارجية والتخفيف من نفاذ أشعة الشمس. كما استخدمت مواد عازلة للضوضاء والحرارة في بناء الجدران الخارجية.

كذلك وفرت في هذا المجمع مساحات خضراء موصولة وحديقة عامة زرعت بنباتات ملائمة للظروف المناخية السائدة.

خصصت 30% من مساحة حي السفارات للحدائق

وفي حي السفارات الذي يتسع لحوالي 22 ألف نسمة، خصص نحو 30% من مساحته للحدائق، إضافة إلى تخصيص مساحات لتنسيق المواقع داخل جميع مباني العامة والخاصة بالحي. ففي الأجزاء المطلة على وادي حنيفة خصص شريط من الأرض عرضه خمسون متراً يمتد بمحاذاة الوادي للحدائق الصحراوية التي زرعت فيها نباتات ملائمة للبيئة الجافة. وذلك للحيلولة دون البناء على حافة وادي حنيفة والمحافظة على مظهره الطبيعي، إلى جانب توفير مناطق ترويحية وتلطيف الجو وصد الرياح وحماية الناطق السكنية من الأتربة والغبار. كما أقيم حاجز ترابي على طول أجزاء الحي المحاذية للطريق السريعة لحماية المناطق السكنية من الضوضاء والآثار الأخرى الناجمة عن الحركة على هذه الطرق، ولتحسين الظروف البيئية داخل المناطق السكنية.

أقيم في مراكز هذه المناطق وفي حواف مناطق التنسيق الصحراوي سلسلة من الحدائق المزودة بأشجار وشجيرات ونباتات وزهور متنوعة.ولتقليل حركة السيارات داخل الحي وتشجيع حركة المشاة أقيمت ممرات للمشاة، منسقة ومظللة، تربط المناطق السكنية بالمنطقة المركز ومواقع بعض المناطق الرئيسية. كما غرست صفوف من أشجار النخيل على جانبي الطرق الرئيسية، وفي الجزيرة الوسطية فيها.

وبالإضافة إلى ماتقدم روعي في تخطيط وتصميم حي السفارات ومنشآته الحيوية اتجاه الرياح عبر وادي حنيفة.

أما طريق الملك فهد الذي يخترق مدينة الرياض من الشمال إلى الجنوب فقد صمم على هيئة نفق مفتوح منخفض عن مستوى سطح الأرض بنحو ثمانية أمتار، وذلك لحماية المناطق السكنية المحاذية للطريق من الضوضاء والآثار الأخرى الناجمة عن هذا الطريق السريع.

ويتوسط الطريق جزيرة عريضة زرعت فيها نباتات وأشجار. كما زرعت صفوف من الأشجار على جانبي الطريق لإيجاد حدود فاصلة له ولتلطيف الجو وحماية المناطق السكنية المحاذية للطوابق، وذلك بالإضافة إلى إنشاء حديقة واسعة فوق النفق المغطى الذي يعلو تقاطع الطريق مع كل من شارع الأمام تركي بن عبد الله وشارع الأمام محمد بن سعود.

سلسلة متصلة من الميادين والساحات المفتوحة في منطقة قصر الحكم

وفي منطقة قصر الحكم أخلي مركز هذه المنطقة من حركة السيارات لتحسين الظروف البيئية. وقد تم وضع هيكل عام للبنية العمرانية للمنطقة تتدرج فيها ارتفاعات المباني من ثلاثة أدوار حول المركز إلى ستة أدوار في الأطراف، وذلك بهدف فتح المنطقة المركزية للتهوية والإضاءة الطبيعية.كما انشئت سلسلة متصلة من الميادين والساحات العامة المفتوحة لتشكل عنصر الربط الرئيس في المنطقة، إلى جانب ممرات للمشاة مشجرة.

برنامج إدارة البيئة وحمايتها :

تعمل الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض من خلال هذا البرنامج المرتبط بالقضايا البيئية البحتة، على المحافظة على المعالم والموارد الطبيعية البارزة في المدينة وماحولها، وتنمية هذه المعالم والموارد وعلاج الأضرار اللاحقة بها، وتفادي تدهورها، وتطويرها وتهيئتها لاستخدامات تناسب وضع كل منها، وذلك بالإضافة للتصدي للمشاكل التي تواجه بيئة المدينة الحضرية وعلاجها.

أجزاء محمية تماماً في منتزه الثمامة البري

ففي إطار هذا البرنامج تقوم الهيئة العليا بتطوير منتزه الثمامة على أرض مساحتها نحو160 كيلو متراً مربعاً في منطقة الثمامة شمال شرق مدينة الرياض. ويضم هذا المنتزه،ــإلى جانب500موقع للتخييم والتنزه

ــ أجزاء محمية يقتصر إرتيادها على المشاة وذلك لاحتوائها على تكوينات جيولوجية نادرة وغطاء نباتي وبيئة حيوانية حساسة.

استراتيجية شاملة لتطوير وادي حنيفة

كما تقوم الهيئة بتطوير وادي حنيفة الذي يمثل أحد المعالم الطبيعية البارزة في المدينة، حيث يزخر بكثير من المقومات الزراعية والتراثية والترويحية، ويعاني بالرغم من ذلك، من ضغوط شديدة ناجمة عن الأنشطة البشرية غير الملائمة لبيئتها الحساسة. وقد جرى تنظيف الوادي من النفايات ومخلفات البناء التي جرى حظر إلقائها فيه.كما تعمد الهيئة، بالتنسيق مع الأجهزة المعنية الأخرى، إلى وقف الأنشطة غير الملائمة لبئة الوادي ونقلها إلى مواقع أخرى مناسبة بعيداً عن المناطق الحضرية. ويجري وضع خطط تطويرية شاملة لحماية بيئة الوادي وتوجيه التنمية المستقبلية واستعمالات الأراضي وإدارة مصادرة المياه فيه، والرفع من مستوى مقوماته الزراعية والتراثية وتهيئته لأغراض ترويحية. وسيتم في سياق تطوير هذا الوادي إنشاء مجرى مائي لتنظيم سريان المياه المتدفقة فيه من مصادر مختلفة، ذلك أن عدم وجود مجرى مائي مقام بطريقة هندسية سليمة أدى إلى تكون برك ومستنقعات آسنة تشوه المظهر العام للوادي وتشكل خطراً على البيئة والصحة العامة، حيث تغمر تلك المستنقعات شبكات المرافق العامة المارة بالوادي خصوصاً شبكات المياه المغذية للمناطق السكنية الواقعة غرب الوادي، وقد روعي في تصميم المجرى المائي المزمع إنشاؤه أن يكون منسجماً مع البيئة الطبيعية للوادي واستمرار التوازن البيئي في المنطقة.

وسيطلق في هذا المشروع تجربة رائدة لاستخدام النظم الطبيعية لتنقية المياه الملوثة، وذلك بتمرير المياه في منطقة مزروعة بنباتات البوص والبردي لتعمل على امتصاص النتروجين والفسفور الذائبة في المياه على صورة مركبات كيميائية.

تنفيذ البرنامج العلاجي لمشكلة ارتفاع منسوب المياه الأرضية قطع شوطاً كبيراً

وتتصدى الهيئة العليا لمشكلة ارتفاع منسوب المياه الأرضية في مدينة الرياض. وقد أكملت الدراسات الهادفة إلى تشخيص هذه المشكلة وتحديد مصادرها والعوامل المساعدة على تفاقمها والأضرار الناجمة عنها. وقد تم تنفيذ شبكات لتصريف المياه الأرضية في عدة مناطق في المدينة، ولا يزال العمل جارياً لاستكمال هذه الشبكات في بقية المناطق المتضررة من المدينة

كما يجري تنفيذ عدة إجراءات للتحكم في المصادر المسببة لارتفاع منسوب المياه الأرضية، وللوقاية من الآثار المحتملة نتيجة لارتفاع منسوب هذه المياه.

دراسات بيئية متنوعة

وتجري الهيئة العليا بالتعاون مع مصلحة الأرصاد وحماية البيئة، دراسة عن تلوث الهواء في مدينة الرياض، لتحديد أنواع التلوث وكميات الملوثات ومصادرها،وحصر مختلف الأنشطة الصناعية بالمدينة والملوثات المنبعثة منها، وذلك بغية تكوين قاعدة للمعلومات تساعد على تفادي مشكلة تلوث الهواء.

كما تجري الهيئة دراسة عن تلوث المياه في مدينة الرياض بالمشتقات النفطية، وذلك عن طريق أخذ عينات من المياه وتحليلها وتحديد حجم تلوثها، إلى جانب رصد المصادر المحتملة لتلوث المياه للتحكم فيها وعلاجها.

كذلك تقوم الهيئة، بالتعاون مع وزارة الشؤون البلدية والقروية، بإجراء دراسة عن النفايات الصلبة لتقويم طرق التخلص منها على مستوى المملكة، تمهيداً لإعداد قواعد إرشادية لاختيار مدافن وطرق للتخلص من هذه النفايات.

كما يجري بالتنسيق مع أمانة مدينة الرياض وضع احتياطات بيئية لمدافن النفايات في المدينة.