الرياض كما يصفها رحالة انجليزي قبل 127عاماً

الرياض مدينة عريقة راسخة الجذور في قلب التاريخ، وإن لم تعرف بهذا الاسم منذ ثلاثة قرون. وقد أطلق اسم الرياض لأول مرة، في القرن الثاني عشر الهجري، معبراً عن واقع المنطقة التي كانت آنذاكغنية بالبساتين وواحات النخيل.

ولقد تعاقبت على هذه المدينة مواسم ازدهار ورياح انحسار، فخضعت عبر الأجيال والقرون، لما يخضع له غيرها من سائر المدن، من سنة الزمان وتقلب الحدثان. وظلت الرياض تتراوح بين المد والجزر حتى كان ميلادها الجديد على يد الملك عبدا لعزيز، رحمه الله، بعد أن استعادها عام 1319هـ وانطلق منها في آفاق الجزيرة العربية مجاهداً من أجل توحيدها ولم شتاتها في الكيان الكبير الذي عرف منذ السابع عشر من جمادى الأولى سنة 1351هـ باسم المملكة العربية السعودية.

كانت الرياض، منذ القرن السادس عشر وحتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي، في شبه عزلة عن العالم الخارجي، وكان كثير من الرحالة يتطلعون إلى زيارة عاصمة نجد أو قلب نجد أو (قلب القلوب) كما يسميها الرحالة الإنكليزي وليامبلجريفالذي كان أول رحالة أوروبي يزور الرياض، عام 1862م، ثم تعاقب على زيارتها من بعده، الرحالة الكولونيل لويس بيلي (المقيم البريطاني في الخليج) عام 1865م، وسنت جون فيلبي (عبد الله فيلبي فيما بعد) وهناك بعض الرحالة الآخرين الذين زاروا بلاد نجد ولم يقيض لهم الوصول إلى الرياض مثل حفيدة الشاعر الإنكليزي الشهير اللوردبايرون..الليدي آنبلنت، وفيوليت دكسن (زهرة دكسن فيما بعد) وغيرهما.. لكن رحلةبلجريفتظل هي الأهم، لأنه رسم صورة كاملة لمدينة الرياض وحكومتها وسكانها وكل المظاهر الحياتية فيها، من علمية وسياسية واقتصادية وعمرانية وتخطيطية وغيرها). وكان وليامبلجريفقد زار الرياض في عهد الأمام فيصل بن تركي، رحمه الله، وسجل وقائع رحلته ومشاهداته وانطباعاته في كتاب بعنوان (حكاية رحلة في وسط شرقي الجزيرة العربية خلال عامي (1862 -1863م) نشره في لندن عام 1865م.

دخلبلجريفمدينة (الرياض) قادماً من (بريدة)، ولدى القائه أول نظرة على الرياض من قمم المرتفعات الشمالية الغربية المطلة عليها للقادم عن (طريق الدرعية)، فوجئ بروعة المشهد وجماله الخلاب، وقد

سجل ذلك في كتابه فقال يصف الرياض:

يمتد أمامنا واد مقفر واسع. ونحن نطل عليه من قمة مرتفع صخري ينساب تدريجيا باتجاهه. هناك تقع العاصمة كبيرة مربعة متوجه بأبراج عالية ومحاطة بأسوار قوية للدفاع واعداد ضخمة من السطوح لصفوف طويلة من المنازل. وبصفة عامة إن ما سبق وشاهدته في البلدان التي زرتها، وهي كثيرة، لا يقارن بجمال مشاهدته هنا وما تحمله من معان تاريخية تغني العين والعقل معاً).

ومن أهم ما تمخضت عنه رحلةبلجريف، تلك الخارطة التي وضعها لمدينة الرياض، وهي أول خريطة للمدينة، وقد اشتملت على مخطط المدينة داخل السور مبيناً أحياءها الرئيسية وقصر الامام والجامع الكبير والممر المسقوف الواصل بينهما والساحة الكبرى، والسوق التي تقع قرب قصر الامام.

ويتحدثبلجريفعن سور الرياض الذي يحيطها من جهاتها الأربع، ويتراوح ارتفاعه، من مكان إلى آخر، ما بين عشرين إلى ثلاثين قدماً في الارتفاع، ويقول أن هذا السور يمتاز بمتانته ويحظى بعناية متواصلة من حيث ترميمه، ويحمي السور خندق وحواجز تمتد على امتداد السور، وتوجد مزارع النخيل من خلف السور والخندق والحواجز. ويذكربلجريفأن لمدينة الرياض، في ذلك الوقت، (12) بوابة خمس منها تقضي إلى جهة الشرق وفيها بوابة الرياض الرئيسية المؤدية إلى طريق الاحساء، وثلاث بوابات على الجهة الشمالية، وثلاث على الجهة الغربية واثنتان على الجهة الجنوبية. ويصف هذا الرحالة أحياء مدينة الرياض وصفاً دقيقاً يعطي فكرة كاملة عن تخطيطها قبل مائة وسبعة وعشرين عاماً.

يقولبلجريفواصفاً أحياء مدينة الرياض في ذلك الوقت :

تنقسم الرياض إلى أربعة أحياء :

الحي الأول: ويقع في الجهة الشمالية الشرقية، حيث قصور الأسرة المالكة وبيوت كبار موظفي الدولة ومنازل الطبقات الغنية من أصحاب الأملاك والرجال التابعين للحكومة. والمنازل في هذا الحي بصفة عامة، عالية، والشوارع مستقيمة وغير ضيقة جداً، ولكن الأدوار الأرضية للمنازل منخفضة.

الحي الثاني: ويقع في الجهة الشمالية الغربية, وهو حي كبير يتكون من منازل كثيفة مبنية بأشكال غير منتظمة تختلف في الأحجام وتتفاوت بين الحسن والرديء، وسكانه من مختلف طبقات المجتمع والغرباء، وتركيبة سكان هذا الحي من أخلاط شتى ومن مناطق مختلفة جعلت له خصوصيته.

الحي الثالث: ويقع في الجنوب الغربي من المدينة، وهو الحي الذي يسكنه معظم أسرة آل الشيخ محمد بن عبد الوهاب والأسر المحافظة والمتدينة، شوارعه واسعة، وهواؤه نقي، ويوجد به مساجد كثيرة للغسل والوضوء، وهو حي واسع وكثير السكان ومزدهر.

الحي الرابع: ويقع في الجنوب الشرقي، ويطلق عليهخزيقkhazik(ولعله حي القرى) وهو حي كبير وأكثر كثافة سكانية من الأحياء الأخرى، وسكانه معظمهم من الفلاحين والوافدين على المدينة من القرى المجاورة، والمستوى الصحي في هذا الحي مترد جداً، حيث منازله واطئة وسيئة البناء والهواء به غير صحي.

لم يكن هناك فواصل أو حواجز واضحة بين أحياء المدينة ماعدا تلك الممثلة في الشوارع العريضة، فلا بوابات ولا حيطان تفصل الأحياء عن بعضها البعض. وكل حي من هذه الأحياء يكون وحدة بلدية بذاتها ينقسم إلى أحياء، وكل حي يحمل اسماً خاصا به.

منازل الحي الثاني والرابع شبه خالية من الحدائق، بينما نجد قليلاً من الحدائق في منازل الحي الأول، وأكثر من ذلك في الحي الثالث ولكن القاعدة العامة -كما يقول الرحالة- في مدن نجد، أن القسم الأكبر من الحدائق والبساتين يقع خارج أسوار المدن.

وهذا ما لاحظه الرحالة منطبقا على مدينة الرياض. ومركز نقطة التقاء هذه الأحياء الأربعة الكبرى في مدينة الرياض هو السوق، حيث يحده من جهة قصر الامام ومن الجهة الأخرى المسجد الجامع”

هذه هي صورة مدينة الرياض التخطيطية والسكانية قبل 127 عاما، كما رسمها الرحالة الإنكليزيبلجريففي كتابه، وبإمكان القارئ أن يقارن بينها وبين صورة الرياض اليوم ليدرك مدى ما أحرزته المدينة من نمو وتطور، على جميع المستويات، خلال هذه الحقبة القصيرة من عمر الزمن.