الأزهار والنباتات البرية بمنطقة الرياض وما حولها في الشعر العربي القديم

وهب الله المملكة العربية السعودية ثروة نادرة من النباتات والأشجار والأزاهير البرية التي تكيفت، عبر الزمن، مع الظروف المناخية والبيئية الطبيعية للمنطقة. وفي الوديان وعبر كثبان الرمال في المنطقة المجاورة لمدينة الرياض، تنتشر وتزدهر أنواع عديدة من هذه النباتات والأزاهير البرية العطرة التي تتفتح في أشهر الربيع، وبخاصة في الرياض القريبة من المدينة، مثل: روضة “خريم” وروضة “التنهات” وروضة “نورة”، وكذلك أماكن التنزه البرية مثل “عرْقبِنْبان” و”شعيب الطوقي” و”شعيب الجافي” وغيرها.

وأبرز هذه النباتات والأزاهير التي تنتشر في مدينة الرياض وما حولها: الخُزامَي التي تكثر شرقي مدينة الرياض وتتميز برائحة عطرية نفاذة، والأقحوان، والعرار الذي ارتبط اسمه بنجد، والنَّفَل الذي يكثر في روضة “خريم”، والحوذان، والبان،والرند، والشيح، والقيصوم، والغضا، والجثجاث، والعبل (الأرطى)، والسدر، والطلح (شجرة الصمغ العربي)، والسنط، والعشرق (سنامكي)، والثمام، والرمث، والأثل، والأراك وغيرها.

وقد عطرت هذه الأزاهير بأشذائها ديوان الشعر العربي القديم حيث تردد ذكرها في القصائد التي قيلت في التغني بربوع “نجد” وطبيعتها الخلابة التي وصفها الرحالة العربي ابن جبير في القرن السادس الهجري بقوله: ((.. ثم صعدنا إلى أرض نجد، ومشينا في بسيط من الأرض ينحسر الطرف دون أدناه، وتنسمنا نسيم نجد وهواءها المضروب به المثل، فانتعشت النفوس والأجسام ببرد نسيمه وصحة هوائه، وما أرى في المعمورة أرضاً أفسح بسيطا، ولا أطيب نسيما، ولا أصح هواء ولا أمد استواء ولا أصفى جواً، ولا أنقى تربة، ولا أنعش للنفوس والأبدان، ولا أحسن اعتدالاً في كل الأزمان من أرض نجد.

الخزامي

تردد ذكر هذه النبتة العطرية في قصائد مشاهير الشعراء القدامى في نجد وغيرها من ديار العرب، ولعل من أول هؤلاء الشعراء الصمة بن عبدالله القشيري الذي عاش في ((ملهم)) على مقربة من مدينة الرياض وتوفي عام 95 للهجرة. يقول الصمة:

إذا ما أتتنا الريح من نحو أرضكمأتتنا برياكم فطال هبوبــــــــها

أتينا بطيب المسك خالط عنبراً وريح الخزامي باكرتها جنوبها

وورد في ((معجم البلدان)) لياقوت الحموي، أبيات لشاعر قديم يقول فيها:

أتبكي على نجد وريّا ولن ترىبعينك ريّا ما حييت ولا نجدا

ولا واجداً ريح الخزامى تسوقهارياح الصبا تعلو أكادك أو وهدا

وجاء في قصيدة لجميل بثينة عن روضة ناضرة من تلك الرياض التي تنتشر في المنطقة التي تقوم عليها مدينة الرياض اليوم:

روضة ذات حنْوةٍ وخزامى جاء فيها الربيع من سبله

ويحن الطرماح بن حكيم (المتوفي سنة 125هـ) إلى ((ريح الخزامى)) فيقول:

أصاح ألا هل من سبيل إلى نجدو ريح الخزامى غضة من ثرى الجعد

وهل لليالينا بذي الرمث رجعة فتشفي جوى الاحشاءمن لاعج الوجد

ويقول عبدالسلام بن رغبان (المعروف بديك الجن الحمصي) الذي توفي سنة 135هـ:

أنظر إلى شمس القصور وبدرها وإلى خزاماها وبهجة زهرها

لم تبل عينك أبيضاً في أسود جمع الجمال كشعرها في وجهها

أما الشاعر النجدي يحيي بن طالب الحنفي، الذي عاش في القرن الهجري في ((قرقرى)) قرب بلدة ((البَّرة)) ورحل عنها إلى خراسان، بعد أن أصابه دين مبهظ، فهو عندما يحن على وطنه لا يذكر إلا أثلاته وشميم الخزامي في رياضه:

ألا يا أثلات القاع من بطن توضح حنيني على أطلالكن طويل

ألا هل إلى شم الخزامى ونظرة إلى “قرقرى” قبل الممات سبيل

ويتردد ذكر الخزامى في قصائد أعلام الشعر في عهد الدولة العباسية من أمثال ابن الرومي الذي يقول:

كأن نسيما ارج الخزامى ولاها بعد وسمي ولي

ومهيارالديلميفي قوله:

وشممت فيك أنفاس الصبا يتناجين بأنفاس الخزامى

والشريف المرتضى الذي يقول:

وما روضة بات الخزامى يحفها ونور الأقاحي وسطها يتفتح

وكذلك أبو العلاء المعري في قوله:

وتسوم رائحة الخزامى أينقيف تقودها ذللا بغير خزائم.

العرار

وهو عشبة صغيرة ذات زهرة صفراء وقد اقترن ذكرها في الشعر العربي القديم باسم ((نجد)) حتى غدت لا تتردد على الألسن غلا مقرونة بها. ومن أشهر القصائد التي جرت أكثر أبياتها مجرى الأمثال في هذا الموضوع، قصيدة للصمة بن عبدالله القشيري يقول فيها:

أقول لصاحبي والعيس تهوى بنا بين المنيفة فالضمار

تمتع من شميم عرار نجدٍ فما بعد العشية من عرار

ألاياحبذا نفحات نجدٍوريّا روضه غب القطار

وقد تردد ذكر (العرار) على ألسنة الشعراء العرب في مختلف العصور كلما ذكروا نجد وأمجادها، وأكثر من تغنى بالعرار ونفحه الأبيوردي المعروف بالمتنبي الثاني، وهو من أكبر شعراء القرن الخامس الهجري وقد ترك ديواناً كاملاً من الشعر أسماه (النجديات).

يقول في قصيدة طويلة يحن بها على نجد:

أحن وللأنضاء بالغور حنة إذا ذكرت أوطانها بربى نجد

وتصبوا على رند الحمى وعراره ومن أين تدري وما العرار من الرند؟

ويقول في قصيدة نجدية أخرى:

فأنك إن أعرقت والقلب منجد ندمت ولم تشمم عراراً ولا رندا

وجاء في قصيدة لابن الجوزي (من القرن السابع الهجري):

هل العيش إلا ضجعة فوق رملةٍ بنشر الخزامى والعرار تفوح؟

ويقول عبد الغفار الأخرس (من شعراء القرن الثالث عشر الهجري):

أشوقك العرار لأرض نجدٍ ولا شيحاً شممت ولا عرارا؟

النَّفَل والحَوْذان


النفل عشبة صغيرة تفترش الأرض ذات أزهار صفراء صغيرة طيبة الرائحة، تكثر في الرياض المنتشرة حول مدينة الرياض.

والحوذان عشبة تظهر في الأشهر الباردة، وهي ذات أزهار صفراء مستديرة طيبة الرائحة. ذكر الشاعر النجدي الصمة بن عبدالله القشيري النفل في قصيدة يقول فيها:

دعاني من نجد فإنسنينه لعبن بنا شيباً وشيبننا مردا

ونجد إذا جادت به رهم الحيارأيت به المكفانو النفل الجعدا

وورد ذكر النفل والحوذان في نجديات الأبيوردي، ومنها قوله:

أيا حادي الأظعان غرد فقد بدالنا حضن واستقبلتنا صبا نجد

وبشرنا وعد من المزن صادقبواصمن الحوذان والنفل الجعد

وفي قوله:

تلبث قليلاً يرم طرفي بنظرةإلى ربوات تنبت النفل الجعدا

ويقول:

فهل سبيل إلى نجد وساكنه يهتز من ألف المصرين للظعن

وتستريح المطايا من توقصها إذا فلت لمم الحوذانب الشفن

وفي قصيدة أخرى:

إذا حدرت فيها النعامى لثامهاثنى عطفه الحوذان والتفب الرند

وكذلك يرد ذكر الحوذان في ديوان ذي الرمة (غيلان بن عقبة العدوي) صاحب الدهناء، ومنه في قوله:

وما الوسمي أوله بنجد تهلل في مساربه انهلالا

كان منور الحوذان يضح ييشب على مساربهالذبالا.

أَلْبانوالرَّند

ألبان شجرة ذات أماليد غضة ممشوقة، والرند نبات زكي الرائحة، وقد تردد ذكرهما كثيراً في أشعار العرب، عبر العصور، ومن ذلك ما ورد في قصيدة الشاعر النجدي يزيد بن الطثرية المشهورة التي يقول فيها:

ألا ياصبا نجد متى هجت من نجد لقد زادني مسراك وجداً على وجد

أن هتفت ورقاء في رونق الضحى على فنن غض النبات من الرند بكيت … الخ.

كذلك ورد ذكر الرند عند الشاعر عبدالصمد بن المعذل بن غيلان (من شعراء القرن الثالث الهجري) حيث يقول:

ترى لامع الأنوار فيه كأنهإذا اعترضته العين وشي مدثر

تسابق فيه الأقحوان وحنوة وساماهما رند نضير وعبهر

وورد ذكر البان الرندفي ((نجديات)) الأبيوردي:

يا راكبان تعالا واقضيا وطري وخبراني عن نجد بأخبار

هل روضت قاعة الوعساء أم مطرت خميلة الطلح ذات البان والغار؟

وكذلك ورد البان في قول الشريف المرتضى:

يا أرض نجد سقاك اللهم نبعقاً من الغمام غزير الماء ملآنا

أرض ترى وحضها الآرام مطفلةً وفي منابتها القيصوم والبانا

وفي قول ابن الخياط التغلبي (القرن السادس الهجري):

دعاها نسيم البان والرندب الحمى وهيهات منها منبت البان والرند

وفي قول مهيارالديلمي:

فإذا هبت صبا أرضكم حملت ترب الغضا باناً ورندا

ويرد ذكر البان في مطلع القصيدة المشهورة للشريف الرضي التي يقول فيها:

ياظبية البان ترعى في خمائله ليهنك اليوم انا لقلب مرعاك.

الشيح والثمام والقيصوم


شجيرات صغيرة عطرية الروائح تظهر في ضفاف الأودية، وكانت تكثر في وادي حنيفة وروافده، وهي منذ القديم تدور على ألسنة الشعراء كلما ذكروا نجداً وحنوا على رياضها وأرباضها.

يذكر الشاعر عبدالصمد بن المعذل عدداً من النباتات الفطرية في منطقة الرياض ومنها الشيح والقيصوم والبان والعرار في قصيدة واحدة منها:

يمج ثراها فيه عفراء جعدةكأن نداها ماء ورد وعنبر

بدا الشيح والقيصوم عند فروعهو شثوطباق وبان وعرعر

وجاء في قصيدة للشاعر الشريف الرضي:

شممت بنجد شيحةحاجرية فأمطرتها دمعي وأفرشتها خدي

ويقول في قصيدة ثانية:

أو ما شممت بذي الأبارق نفحة خلصت إلى كبد الفتى المشتاق

فجنى نسيم الشيح من وجد لهحرق الحشا وتحلب الآماق

ويكثر الشاعر أبو الحسن التهامي (أواخر القرن الرابع الهجري) من التغني بأزاهير نجد ونباتاتها:

فإنيكشخصي بالثغور فمهجت يبن جد سقاه المزن صوب غمامه

فهل ترين عيناي بيض خدور همجاورة بالدو بيض نعامه

فأشتم من حوذانه وعراره وقيصومه أو شيحه وبشامه؟

أما الطغرائي (صاحب لامية العجم) فهو شديد الوله والإعجاب بنجد ونفحات شيحها:

إلا حبذا شدو الركائب ضحوة وللظل من أخفا فهن مقيل

ومن شيح نجد نفحة سحرية تساهم فيها شمال وقبول

ويرد ذكر ((الثمام)) أكثر ما يرد، في أشعار الأولين. يقول جميل بثينة:

وصريعاً من الثمام ترى عارمات المدب في أسله

ويقول مهيارالديلمي:

قل لجيران الغضا آهاً على طيب عيشٍ بالغضا لو كان داما

حملوا ريح الصبا نشرك مقبل أن تحمل شيحاً وثماما

ويقول عبدالغفار الأخرس:

سألتك عن منازلنا بنجدوها تيكا لأجارعو البطاح

وهل نبت الثمام أو الخزامى فعطر فيه أنفاس الرياح؟

وفي قصيدة أخرى له يقول:

فلا رند تشم ولا ثمام وأين الرند منها والثمام.

نباتات أخرى

وهناك نباتات فطرية أخرى تعيش في منطقة الرياض وما حولها ورد ذكرها في ديوان الشعر العربي القديم مثل: الغضا، والأراك، والرمث، والأثل. وهي نباتات معروفة لأهل نجد منذ القديم.

يقول الشاعر النجدي مالك بن الريب (القرن الأول الهجري) ذاكراً ((الغضا)):

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بجنب الغضا أزجي القلاص النواجيا

فليت الغضا لم يقطع الركب عرضه وليت الغضا ماشى الركاب لياليا

وتقول الشاعرة النجدية تماضر بنت مسعود بن عقية (ابن أخ الشاعر المشهور ذي الرمة) ذاكرة ((الرمث)):

ألا حبذا ما بين حزوى وشارعٍ وأنقاء حزوى من حزون ومن سهل

لعمري لأصوات المكاكي بالضحى وصوت صباً في حائط الرمث بالدحل

ويقول الشاعر النجدي يحيي ابن طالب الحنفي (من حنيفة) ذاكراً ((الأثل)):

ويا أثلات القاع قلبي موكل بكن وجدوى غير كن قليل

ويقول الشاعر النجدي الشهير جرير بن عطية الخطفي ذاكراً الأثل والأراك:

أيا حبذا جرعات قووحيث يقابل الأثل الأراكا

فليتك قد قضيت بذات عرقومن نجد وساكنه مُناكا.

المراجع:

  • معجم البلدان ـ لياقوت الحموي.
  • النجديات ـ للأبيوردي.
  • صبا نجد ـ لمحمد بن عبدالله الحمدان.
  • من أعلام الشعر اليمامي ـ لعمران بن محمد العمران.
  • معجم اليمامة ـ لعبدالله بن خميس.