ملامح من الحياة الاجتماعية في مدينة الرياض قبل نصف قرن – ألوان من الألعاب الشعبية التي كانت سائدة في الرياض

يقول بعض المؤرخين (إن بلاد نجد متحف العربية) ذلك أن هذه البلاد ظلت طوال عصر التاريخ في منأى عن الأطماع الاستعمارية العالمية، فسلمت من المخاطر الأجنبية التي أبتلى بها غيرها، واحتفظت بأصالتها نقية خالصة، فلم تدخل إليها عادات وتقاليد غريبة، ولم تتسلل إلى لسانها ألفاظ أجنبية.

ولهذا بقيت بلاد نجد مستودع العرب الذي يصون أنسابهم ويحفظ عاداتهم وتقاليدهم الأصلية، ومكارم أخلاقهم وسجاياهم. إضافة إلى حفظ الكثير من اللغة العربية الفصحى وأصولها، مما جعل علماء الحديث النبوي الشريف والمهتمين بدراسة الأنساب والآداب العربية القديمة وبخاصة الشعر القديم يفدون إليها للأخذ منها، والتلقي عن علمائها.

ومدينة الرياض، قلب نجد وحاضرتها، تختصر في كيانها ومجتمعها ملامح الشخصية التاريخية التراثية العربية لبلاد نجد، في عاداتها وتقاليدها، ونظام حياتها. وقد ظلمت مدينة الرياض، إلى ما قبل بداية النمو الهائل المتسارع الذي شهدته المدينة وحركة التحديث التي شملتها، محتفظة بالكثير من جذورها وملامحها التراثية التي تعكس بوضوح أصالتها وعراقتها وبخاصة في تراثها العمراني وعادتها وتقاليدها الاجتماعية والكثير من تفضيلات حياتها اليومية. ومع أن رياح العصر بما تحمله من مكتسبات ومنتجات التكنولوجيا الحديثة إلى المجتمعات البشرية تعصف أحياناً بالكثير من نظم الحياة المعيشية الموروثة والممارسات الحياتية اليومية في المسكن والَمأكل والملبس، وفي المأثور من تقاليد الأفراح والمناسبات والعادات، إلا أن مدينة الرياض تحرص على أن تأخذ بالجديد النافع من مكتسبات الحضارة المعاصرة وتستفيد من منجزاتها دون التخلي عن الثوابت الإسلامية والسجايا العربية التي تتسم بها شخصيتها الأصلية كحاضرة عربية إسلامية عريقة.

ألوان من الألعاب الشعبية التي كانت سائدة في الرياض

شاعت في مدينة الرياض، قبل خمسين عاماً، ألوان من الألعاب الشعبية التي كان يمارسها الكبار أو الصغار، وبعضها يمارس أثناء النهار وبعضها الآخر يمارس أثناء الليل. ومن هذه الألعاب :

  • النّسَع:

لعبة تعتمد على دقة التصويب، حيث توضع بعض العلب الفارغة فوق بعضها بعضاً داخل دائرة، ثم يقوم أحد الأشخاص من مسافة تحدد سلفاً بضرب هذا الهدف بحجر في يده يقال له “التيرة”من أجل إخراج العلب الفارغة “القواطي”من الدائرة، فإذا استطاع اللاعب إخراج ولو علبة واحدة استمر في اللعب حتى يفشل أو يكسب الجولة بإخراج جميع ما في الدائرة، فإذا فشل في إخراج جميع العلب الفارغة استلم اللعب من هو بعده، وهكذا دواليك.

  • الكْعَابةَ (الكباش):

وتعرف هذه اللعبة منذ العصر الجاهلي بلعبة الكباش وهي شبيهة إلى حد كبير بـ ” النسع “إلا أنها تعتمد على كعاب الأغنام بدلاً من العلب الفارغة، واللعبة بهذه الكعاب تستهدف جمع أكبر قدر منها، حيث يجتمع عدد من الأطفال ويضعون الكعابة مصفوفة ومحاطة بخط دائري حولها ومعهم كعب واحد أكبر منها أو مصبوب داخله رصاص يزيد في ثقله، ويضربون بهذا الكعب المسمى ” صولة “وما خرج من الخط أخذ، وهكذا يتناوب الجميع واحداً بعد الآخر، ولهذه اللعبة شعبية كبيرة.

  • جكَّالخشبة (أو : هاك المحور):

هذه لعبة خاصة بالبنين دون البنات، وقوامها قطعة من الخشب ” عصا “بطول المتر تقريباً ويمارسها مجموعة من اللاعبين يشكلون شبه حلقة دائرية، تبدأ اللعبة بأن تكون العصا مع اللاعب الذي سيبدأ اللعب حيث يناولها اللاعب الذي على يمينه قائلاً

“جكَّالخشبة “فيرد عليه وهو يمسك بها : من هي خشبته ؟ ..فيرد اللاعب الذي على يمينه بعد أخذه العصا قائلاً : خشبة على الحبشي، وبسرعة أيضاً تبدأ الدورة من على يمينه مبتدئاً بمثل ما بدأ به اللعب الأول قائلاً لمن على يمينه “جكَّالخشبة “مع السرعة في اللفظ والمناولة وترديد الكلمات السالفة الذكر، ومن يخطئ نطق الكلمة التي من نصيبه فإن زملاءه ينهالون عليه بالضرب بأيديهم لأنه مع السرعة في ترديد هذه الكلمات لا بد له من الخطأ كأن يقول ” خمشة عليالخمشي”أو ” جلكّ الخمشة “.

  • ألعاب الفصم (نوى التمر):

كان الصغار يلعبون بالفصم بطرق مختلفة من أهمها :

  • البذة:

عبارة عن ست حفر كل ثلاث منها متقابلة ويتم اختيار (9) حصيات لكل لاعب ويملأ كل واحد منها هذه الحفر بالتبادل بينهما فإذا فرغت واحدة من تلك الحفر الست كان من حق اللاعب الأخير أن يضع حصوة واحدة في الحفرة الفارغة ويستولى على ما يقابلها. ولها أيضاً طرق مختلفة.

  • الطقّه:

تلعب كما تلعب الكعابة بحيث يختار الصغير له واحدة من الفصم ” النوى ” تمتاز عن غيرها بكبر حجمها كي تخرج له النوى الصغيرة بسهولة.

وإن حدث وسقطت النواة الكبيرة هذه في الحفرة فإن عليه أن يشتريها من زميله بأكثر من نواة حسب طلب زميله أو يتركها ليكسبها خصمه، والنواة الكبيرة هذه يسمانها ” الصول ” وهي مهمة لدى اللاعبين لتمتعها بمزايا كثيرة من أهمها كبر الحجم، وطالما أن الصغير يكسب بإخراج النوى من الحفرة فإنه يستمر في اللعب إلى أن يخطئ في إخراج النوى، لذا فإن على زميله أخذ اللعب عنه.

  • نقش ولاّغوج:

لعبة شعبية من ألعاب التسلية كانت سائدة في الماضي وتدخل العملات المعدنية في صلب موضوعها وهي خاصةبالصبيانويلعبها اثنان فقط يؤديانها وهم جالسان حيث يأخذ الصبي الذي عليه بداية اللعب قطعة النقود ويضعها على إبهامه ثم يقذها بحركة فنية إلى أعلى، ثم يتلقفها بمهارة، ثم يغطيها بباطن يده ويسأل خصمه : نقش ولاّغوجفيرد عليه خصمه بإحدى التسميتين فإن أصاب فله الفوز عليه وله الحق بأخذ الدور منه، وإن أخطأ يبقى الدور مع الأول.

  • عظيم سرىيالاح:

ينقسم الأولاد إلى فريقين ويصطفون صفاً واحداً ثم يرمى العظم ويتسابق الشباب للعثور عليه، ومن عثر عليه يتحتم عليه أن يصيح بأعلى صوته قائلاً ” عظيم سرىيالاح” ثم ينطلق عائدا إلى حيث بدأ، ويكون الفريق الذي يعثر على العظم هو الفريق المهاجم والآخر هو الفريق المدافع ويحاول الفريق المدافع الإمساك بالشخص الذي معه العظم حتى لا يصل إلى ” المحب “وهو نقطة البداية، وإذا أحس اللاعب الذي معه العظم بأنه سيمسك به رمى العظم إلى شخص آخر من مجموعته حتى يتمكنوا من الوصول إلى نقطة البداية قبل الإمساك بهم وإلا فقدوا الجولة، وإذا استطاع الفريق الثاني الإمساك باللاعب الذي معه العظم أو الحصول على العظم فإن الجولة تتحول إليهم ويكونون هم الفريق المهاجم …..و هكذا.

  • سرى يا ساري ” شاع “:

وهي لعبة تمارس من الجنسين إلا أنها شائعة بين الذكور أكثر من الإناث، وتبدأ باصطفاف الشباب صفين متباعدين نوعاً ما أو صفاً ودائرة. وتحدد نقطة معلومة لدى الجميع كمحب ” نقطة البداية “أو نهاية للمطاف. ويكون الفريق الذي سيبدأ اللعب أو الذي سيسري موالياً للمحب يفصل بينه وبين الفريق الثاني حوالي خمسة أمتار. وتبدأ اللعبة بأن يختار الفريق البادئ أسرعهم جرياً ليقوم بلمس أحد أفراد الفريق الثاني قائلاً :

سرى، ثم ينطلق مع زملائه الذين يكونون قد انطلقوا إلى المحب أملاً في الوصول إليه قبل أن يمسك بهم، ويحاول الفريق الثاني اللحاق بهم قبل أن يصلوا، وإذا وصل الفريق البادئ إلى المحب دون أن يعتقل منهم أحد يكونون قد كسبوا الجولة، أما إذا استطاع الفريق المنافس اعتقال أي منهم فيكونون قد خسروا الجولة، ويبدأ الفريق المنافس اللعب وهكذا تستمر اللعبة.

ألعاب البنات :

كانت البنات تمارس ألعابهن منفردات عن الذكور ومن أهم الألعاب اللاتي كنّ يمارسنها أثناء النهار هي :

  • التّحجية(الحجاية)

تقوم إحدى البنات بجمع بعض التراب المبلول بشيء من الماء ومن ثم تبدأ تقص على صديقاتها إحدى القصص ” الحكايات “وتقوم بتمثيل الشخصيات ورسمها على التراب المبلول وكأن القصة تدور على مسرح، وبعد الانتهاء من القصة الأولى تقوم إحدى البنات الأخريات بقص حكاية أخرى.

  • المزاحم :

تصطف البنات في صفين ويبدأن بترديد بعض الأشعار الغنائية بأسلوب جذاب ولحن جميل حتى أذان العشاء الذي عادة ما يتأخر حوالي ساعتين أو أكثر من بعد غروب الشمس، ومن الأغاني اللاتي كن يرددنها في الليالي المقمرة :

يا زين ذا القمر ولعبن فيهايا ليت جدي حاضر يشريها

  • الغميمة:

تقوم البنات بربط عيني إحداهن ويطلب منها أن تمسك بأي من البنات اللاتي يبدأن بالمشاغبة والهروب من البنت التي ربطت عيناها، وتستمر في هذه الحالة حتى تمسك بإحداهن أو تتطوع أي من البنات لها بأخذ دورها، وتأخذ اللعبة شكلاً أخر وهو أن تغم إحدى البنات لفترة من الزمن تكون كافية لاختفاء البنات، وعندما يتم اختفاؤهن يطلب منها أن تبحث عنهن حتى تمسك بأي منهن، وبهذا يكون انتهى دورها وبدأ دور الأخرى التي أمسكت بها.

  • يا بونا جانا الذئب يا عيالي لا تخافون :

لعبة جماعية لها عدد معين، حيث تقف البنات في صف واحد الواحدة خلف الأخرى، أكبرهن أو أطولهن في المقدمة وأصغرهن أو أقصرهن في النهاية وتمثل البنت التي في المقدمة أمّا لهؤلاء البنات وهي تريد أن تحميهن من الذئب الذي يريد أن يخطف واحدة منهن، ويأتي الذئب الذي تمثله إحدى البنات من قبل الأم ويبدأ فيمخادعتها، والبنات يرددن بصوت واحد ” يا بونا جانا الذئب “وترد عليهم الأم ” يا عيالي لا تخافون “ثم تقول البنت التي تمثل دور الذئب” أنا أبوكموباكلكم”وترد عليه أمهم بقولها ” وأنا أمكموباحميكم”ويبدأ الذئببالإنقضاضعلى طرف الصف حتى يمسك بالأخيرة، وكلما أمسك ببنت خرجت من الصف حتى ينتهين، وغالباً يستغرق ذلك وقتاً طويلاً وخاصة عندما يبقى عدد قليل من البنات حيث تكون الحركة سريعة والدفاع شديداً من قبل الأم لتحافظ على بقية أبنائها.

  • الصقلة:

تتألف من خمس حصيات صغيرة مستديرة، وتوضع في الكف ثم ترمى على الأرض ثم تقوم اللاعبة التي رمتها باختيار إحدى الحصيات وخاصة التي تكون في مكان غير مناسب أو مضايقة لحصوة أخرى لأنها عند لقطها للحصى يتحتم عليها أن تلقطها واحدة تلو الأخرى دون أن تحرك أي حصاة أخرى، أما إذا حصل أن تحركت إحدى الحصيات فتكون اللاعبة قد فقدت دورها في اللعبة. وتتم اللعبة برفع الحصاة التي اختارتها إلي أعلى وتلفظ إحدى الحصوات اللاتي على الأرض في هذه الأثناء، وتستمر في رميها إلى أعلى حتى تلتقط جميع الحصيات من الأرض دون أن تلمس الحصاة المجاورة لها.

ثم تبدأ في التقاط اثنتين ثم ثلاث، وواحدة ثم أربع، ثم الخال وهي أن تضعاصبعينهما السبابة والإبهام بشكل منفرج على الأرض ثم تطلب من زميلتها في اللعب تحديد إحدى الحصيات لتكون خالاً له، وبعد تحديد الخال تبدأ البنت من إدخال الحصيات من الفتحة التي بين أصابعها على شرط أن لا يحرك الخال ويكون هذا الخال هو أخر ما يرسل من خلال الفتحة برمية واحدة.