الرياض .. مدينة ذات جذور راسخة في قلب التاريخ

الرياض مدينة ليست حديثة العهد، فهي ذات جذور راسخة في قلب التاريخ. ورغم إن نواة مدينة الرياض الحالية تشكلت في القرن الثاني عشر الهجري من مجموعة من القرى (معكالومُقْرن والعَوْد وغيرها) وما حولها من الأرض الواسعة التي كانت في القديم حدائق وبساتين غناء، إلا أن المنطقة التي تقوم عليها المدينة اليوم شهدت وجوداً بشرياً منذ حوالي ربع مليون سنة. كما أن هناك أدلة معروضة في المتحف الوطني للآثار بمدينة الرياض على أن هذه المنطقة كانت مأهولة بالسكان منذ حوالي ثلاثين ألف سنة.

أما أقدم المراجع التاريخية المدونة عن تاريخ المنطقة التي أقيمت عليها مدينة الرياض فهي ترجع إلى عام 715 قبل الميلاد حيث تُشير إلى وجود مدينة في ذلك التاريخ تدعى “حَجر” كانت عاصمة لإقليم “اليمامة” الذي كان يضم العارض والحوطة والحريق وسدير والمحمل والخرج والأفلاج وغيرها. ويروي المؤرخون أن مدينة “الحجر” كانت تقع بين وادي الوِتْر(المعروف اليوم باسم البطحاء) ووادي العِرْض (المعروف باسم وادي حنيفة) إلا أنها تنتشر على جوانب (البطحاء) شرقاً وغرباً وتمتد بامتداد الوادي وترتفع عن مجرى السيول فيما بين جبل الخُرْبة (أبو مخروق) حتى تقرب من بلدةمنفوحة.

وقد عُرف اسم “حَجر” مقروناً باسم قبيلة “طَسْم” التي شيدت فيها عدداًمن الحصون الشهرية مثل “بَتيل حَجْر” و”معتق”و”الشَّموس”و”الثُّرْمُلِيَّة”، وبقيت آثارُها حتى أول القرن الرابع الهجري. ثم اقترن اسم هذه المدينة، بعد ذلك، بقبيلة “جَديس”. وطسم وجديس من العرب البائدة.

وقبل ظهور الإسلام بقرنين من الزمان، حل بنو حنيفة بأرض اليمامة، وفي عهدهم أصبحت “حجر” مركز اليمامة ومقر ولاتها، واتخذها العرب سوقاً من أسواقهم يفدون إليها للتجارة والمنافرة والمفاخرة، ويقيمون فيها من اليوم العاشر من محرم إلى نهاية الشهر من كل عام.

وقد تعرضت مدينة “حجر” لغزوات كثيرة لم تنل منها بسبب منعتها وإحاطتها بالحصون القوية. وكان من بين غزاتها الشاعر الشهير عمرو بن كلثوم التغلبي (من شعراء المعلقات) ولكنه هُزم ووقع في الأسر وحبس في أحد قصور “حجر” ثم أطلقه بنو حنيفة وأكرموه.

وبقيت “حجر” قاعدة لإقليم اليمامة الذي كان يرادف منطقة نجد في الوقت الحاضر خلال عهد الخلفاء الراشدين والعهد الأموي واستمرت كذلك حتى القرن الثالث الهجري في عهد العباسيين ويُجمع المؤرخون الذين عاشوا في العصر العباسي على أن مدينة “حجر” كانت في أيامهم قاعدة لجميع الأقاليم التي تضم نجد والمنطقة الشرقية حالياً وأنها كانت محوراً لها من الناحية الاقتصادية والإدارية، وبقيت مدينة حجر محطة رئيسية من محطات القوافل التي تخترق وسط الجزيرة العربية حيث كانت تتوسط أربعة أقاليم عامرة وغنية ومختلفة في إنتاجها وفي سلعها هي البصرة والكوفة في الشمال الشرقي والبحرين في الشرق، واليمن ونجران في الجنوب الغربي والحجاز في الغرب. وذكر الهَمْدَاني في كتابه “صفة جزيرة العرب” عشر قرى حول مدينة حجر على طول مجرى الوادي. لكن شمسها، بعد ذلك، بدأت بالأفول وأخذت تفقد بريقها شيئاً فشيئاً.

وفي النصف الأول من القرن الخامس الهجري زار الرحالة الفارسي ناصرخسرواليمامة (أواخر جمادى الثانية عام 443هـ) ووصفها بقوله” وفي اليمامة حصن كبير قديم، والمدينة والسوق – حيث يوجد صنّاع من كل نوع – يقعان خارج الحصن، وفيها مسجد جميل. وفي اليمامة مياه جارية في القنوات، وفيها نخيل، وقيل أنه حيث يكثر التمر يباع الألف مَنٍّ منه بدينار”.

أما الرحالة العربي الشهير ابن بطوط فقد زار مدينة “حجر” في القرن الثامن الهجري وكتب عنها يقول “ثم سافرنا إلى مدينة اليمامة وتسمى (حجر) وهي مدينة حسنة خصبة ذات أنها وأشجار، يسكنها طوائف من العرب أكثرهم من بني حنيفة، وهي بلدهم قديماً”.

وفي القرن العاشر الهجري تفتت مدينة “حجر” وتناثرت إلى قرى صغيرة منها:مقرن (منطقة قصر الحكم وما حوله)ومعكالوالعود والبِنِيَّة (المربع حالياً) والصلُّيْعَاء وجَبْرَة والخَرَاب (موقع شارع عسير)، وكانت كلها من أحياء مدينة “حجر”.

ويقول الأستاذ حمد الجاسر أن اسم “الرياض” بدأ يطلق على هذه المدينة في القرن الحادي عشر الهجري، مستنداً في ذلك إلى إشارة وردت في تاريخ ابن بشر حيث يقول:” في سنة تسع وأربعين وألف توفي قاضي الرياض”. أما اسم “حجر” فقد انحسر حتى بات يطلق على جزء صغير من موضع المدينة القديم، ثم تقلص حتى صار يطلق على بئر كانت تقع على الضفة الغربية من وادي (البطحاء) في داخل مدينة الرياض، بين شارعي الملك سعود (شارع البطحاء حالياً) والملك فيصل.

وقد شمل الاسم الجديد للمدينة (الرياض) جميع ما تبقي من أشلاء مدينة حجر وما حولها من أراضٍ وما يتخللها من بساتين. وقد اشتُقّ اسم الرياض من طبيعة ومميزات الموقع. ومن مظاهر وحدة قرى الرياض بناء سور طيني حولها جميعاً في نحو عام 1162هـ. وكانت البساتين داخل السور تفصل بعضها عن بعض. وكان قد بُنى قبل السور (في عام 1159هـ) قصرٌ أصبح فيما بعد مقراً للإمارة حتى نهاية القرن التاسع عشر تقريباً.

وفي عام 1185هـ دخلت الرياض تابعة للدولة السعودية الأولى التي قامت على أساس دعوة التوحيد التي حمل أمانتها المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب بمساندة ومعاضدة الإمام محمد بن سعود وظلت المدينة كذلك حتى عام 1233هـ وهو عام نهاية الدولة السعودية الأولى.

بعد انتهاء الدولة السعودية الأولى بعام واحد، قام الرحالة البريطاني جورج فورسترسادلير(عام 1234هـ) بزيارة الجزيرة العربية وتوقفت خلال رحلته في أوائل شهر أغسطس (آب) في كل من الرياضومنفوحةوالدرعية وغيرها. وقد دوَّن في كتابه ” رحلة عبر الجزيرة العربية” مشاهداته فيها حيث يقول: ” … كان لديَّ من الفراغ في هذه الفترة ما يسمح لي بزيارة (منفوحة) التي تحوي ما يقارب ألفي أسرة، وفيها بعض البيوت الجيدة مبنية بالطين والحجارة، وبعضها يتألف من طابقين نحو الأعلى وسطوح منبسطة، أحيط هذا المكان بسور وخندق، أما قرية “الرياض” فواقعة إلى الجنوب. على بعد ميل تقريباً يفصلها عنمنفوحةدمار الأسوار والبيوت، وكل قرية محاطة بمساحات واسعة مزروعة نخيلاً تحصل على الماء من آبار عميقة، وفي فصل الشتاء تشكل السيول المندفعة من الجبال الجرداء جدولاً يغمر الوادي”.

وقال: “إنه توجد زراعة قطن في الحدائق المجاورة لكلاً من القريتين – الرياضومنفوحة– بينما كانت فلاحة القمح والشعير في الفترة التي سبقت، قائمة علىقدم وساق، بالإضافة إلى الذرة الهندية “.

وقد أصبحت مدينة الرياض قاعدة للدولة السعودية الثانية منتصف عام 1239هـ (1824م) وهو العام الذي دخلها الإمام تركي بن عبد الله واتخذها قاعدة لملكه فبني القصر والجامع وأعاد بناء الأسوار، وقد قام بأعمال عمرانية هندسية كثيرة مما جعل فيلبي يقول: “إن آثار تركي تمثل أعظم الأعمال الهندسية في عاصمته “.

وفي عام 1278هـ، في عهد الإمام فيصل بن تركي، زار الرحالة الفرنسي ويليامبلجريفالرياض التي سماها “قلب القلوب في نجد “.

دخلبلجريفمدينة (الرياض) قادماً من (بريدة)، ولدى إلقائه أول نظرة على الرياض من قمم المرتفعات الشمالية الغربية المطلة عليها للقادم عن طريق (الدرعية)، فجيء بروعة المشهد وجماله الخلاَّب، وقد سجل ذلك في كتابه فقال يصف الرياض: “يمتد أمامنا واد مقفر واسع، ونحن نطل عليه من قمة مرتفع صخري ينساب تدريجياً باتجاهه، هناك تقع العاصمة كبيرة مربعة متوجه بأبراج عالية ومحاطة بأسوار قوية للدفاع، وأعداد ضخمة من السطوح لصفوف طويلة من المنازل، وبصفة عامة أن ما سبق وشاهدته هنا وما تحمله من معان تاريخية تغني العين والعقل معاً “.

ومن أهم ما تمخضت عنه رحلةبلجريف، تلك الخريطة التي وضعها لمدينة الرياض، وهي أول خريطة للمدينة، وقد اشتملت على مخطط المدينة داخل السور مبيناً أحياءها الرئيسية، والمنطقة المركزية فيها والتي تشمل قصر الإمام والجامع الكبير والممر المسقوف الواصل بينهما والساحة الكبرى، والسوق التي تقع قرب قصر الإمام.

ويتحدثبلجريفعن سور الرياض الذي كان يُحيطها من جهاتها الأربع، ويتراوح ارتفاعه، من مكان إلى آخر، ما بين عشرين إلى ثلاثين قدماً في الارتفاع، ويقول إن هذا السور يمتاز بمتانته ويحظى بعناية متواصلة من حيث ترميمه ويحمي السور خندق وحواجز تمتد على امتداد السور، وتوجد مزارع النخيل من خلف السور والخندق والحواجز.

ويذكربلجريفأن لمدينة الرياض، في ذلك الوقت، (13) ثلاث عشرة بوابة خمس منها تُفضي إلى جهة الشرق وفيها بوابة الرياض الرئيسية المؤدية إلى طريق الإحساء، وثلاث بوابات على الجهة الشمالية، وثلاث على الجهة الغربية واثنان على الجهة الجنوبية.

ويصف هذا الرحالة أحياء مدينة الرياض في عام 1278هـ وصفاً دقيقاً يُعطي فكرة كاملة عن تخطيطها والتركيبة السكانية ونمط الأبنية والشوارع والطرقات.

ولكن تاريخ الرياض مرَّ بعد ذلك بفترات متقطعة من القلاقل والفتن حيث تعرضت المدينة لسلسلة من الحروب هُدمت خلالها أسوارها وقصورها، ولم تعرف المدينة الطمأنينة والاستقرار إلا بعد أن استرجعها الملك عبد العزيز رحمه الله، في الخامس من شوال عام 1319هـ وظلت الرياض تسجل صعوداً دائماً مع تعاظم قوة الملك عبد العزيز وازدياد نفوذه، لكن المدينة لم تشهد حتى بداية الخمسينيات من القرن الهجري الماضي أي تغيير من الناحيتين العمرانية والمعمارية، باستثناء بناء أسوار المدينة من جديد، وتوسيع وإعادة بناء القصر القديم ليُصبح مقراً للحكم، نظراً لانشغال الملك عبد العزيز بمعارك توحيد البلاد وبناء هذا الكيان.