الصناعات المعرفية .. الخيار الاستراتيجي

تقسمالأنشطة الاقتصادية إجمالاً إلى فئتين: إنتاجية كالصناعة التحويلية والزراعة ، وغير إنتاجية وتشمل الأنشطة غير منظورة المنتجات كالخدمات المالية والتجارة والفندقة. وبالنظر للأهمية التي يتمتع بها النفط، تقسم الأنشطة الاقتصادية في المملكة عادة إلى نفطية وغير نفطية. ومنذ بدء الخطة الخمسية الأولى كان اهتمامها واضحاً بتنمية الأنشطة غير النفطية، حيث نص الهدف العام الثالث للخطة على: تنويع مصادر الدخل الوطني وتخفيف الاعتماد على البترول عن طريق زيادة مساهمة القطاعات الإنتاجية الأخرى في الإنتاج المحلي الإجمالي ” وينطلق هذا الاهتمام من الرغبة في عدم ارتكاز الاقتصاد الوطني على مصدر واحد للدخل. وقد عرف هذا التوجه الاستراتيجي بالتنويع الاقتصادي. وسعت المملكة على مدى الخطط الخمسية إلى تنمية القطاعات الإنتاجية وخصوصاً الصناعة التحويلية، فقد يبلغ مجمل الاستثمار فيها حوالي 206 مليا ريال، وتجاوزت مبيعاتها 75 مليار ريال سنويا، وتساهم بحوالي 13بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي وفقاً للبيانات الرسمية. والسؤال: هل هناك حاجة لتنويع جهد التصنيع، ليشمل كذلك الصناعات التي لا تعتمد على وفرة المواد الخام والطاقة؟ ويأتي طرح هذا السؤال في وقت أخذت دول عديدة بإعادة هيكلة اقتصاداتها لتكون خدمية تتعامل مع محتوى تقني عالي.

وفيما تنشغل قرابة مائة من الدول النامية بإعادة هيكلة اقتصاداتها من خلال خصخصتها، سعت الدول والمجموعات المتقدمة خلال الثلاث عقود الماضية لإعادة صياغة اقتصاداتها من اقتصادات صناعية إلى اقتصادات خدمية قائمة على المعرفة ففي العام 1960 كان حوالي 26 بالمائة من العمالة في الاقتصادات الصناعية تعمل في الصناعة التحويلية، لكن تقلصت نحو الثلث لتصل في العام 1994 إلى 18 بالمائة. وبالمقابل ارتفعت العمالة في قطاع الخدمات بنسبة مقاربة من حوالي 40 بالمائة مقتصرة على الاقتصادات الصناعية المتقدمة، بل هناك مؤشرات تدلل على أن الاقتصادات المتقدمة في آسيا وتحديداً هونج كونج وتايوان وسنغافورة وكوريا قد أخذت تتخلى منذ النصف الثاني من الثمانينيات عن الصناعة التحويلية التقليدية كمرتكز لنموها الاقتصادي.

ويبدوا ضرورياً أن يحظى قطاع الخدمات عموماً وتلك القائمة على المعرفية تحديداً بالاهتمام لما تنطوي عليه من مزايا تنسجم من تطلعات المملكة في تنويع اقتصادها. ويبدوا أن هناك أكثر من سبب يدعونا للاهتمام بالصناعات المعرفية. فإجمالا ليس بالإمكان منافسة السلع الصناعية القادمة من بلدان كثيفة ورخيصة العمالة. مما يدعونا لاختيار الصناعات العالية المحتوى المعرفي التي بحاجة إلى القليل من العمالة المدربة. ولعل هناك سبب آخر، وهو التخصص في منتجات بعينها لتحقيق ميزة نسبية بسرعة. وفي هذا المجال يمكن التذكير بأن هذا ما حققته المملكة عند تخصصها بالبتروكيماويات السلعية منذ بداية السبعينيات. والدعوة هنا إلى إعادة الكرة مع صناعات مستقبلية، فمن البديهي توجه الاقتصاد المحلي للمنتجات الحديثة المنحازة للتغيير والتقنيات العلمية. ومن ناحية أخرى ،وبالنظر لما تحظى به قضية إحلال العمالة الوطنية محل العمالة الوافدة من أهمية في تشكيل المسار الاقتصادي للبلاد ،إذ أن هناك ما يثبت أن العمالة غير المدربة تفقد فرص وظيفية حتى عندما يكون تغلغل الواردات من البلدان كثيفة العمالة محدوداً وعندما يكون الميزان التجاري متوازن بين المجموعتين. مما يعني أن هناك أكثر من مؤشر يؤيد أن يتجه الاقتصاد الوطني نحو صناعات المعرفة التي تعتمد على عمالة عالية التدريب.

واعتماد الصناعات المعرفية على العنصر البشري المؤهل أساسي. ففي حين ترتكز الأنشطة الإنتاجية في اقتصاد ما على توفر عوامل إنتاج تقليدية هي الأرض والمال واليد العاملة والريادة، تتميز الصناعات المعرفية بتوظيفها عناصر الإنتاج غير التقليدية وتحديداً ما يعرف بالموارد الذهنية (Intellectual Capital). ويعتمد استمرار ازدهار الصناعات المعرفية في اقتصاد ما على تواصل تدفق المزيد من الموارد الذهنية من جهة وعملها لتحقيق أهدافا مهنية ومؤسسية محددة من جهة أخرى. ويبرر هذان السببان الاستثمار في توفير بيئة متكاملة حاضنة تمكن الأفكار من النضوج ليس من خلال اهتمامات فردية فحسب بل لتوجيه الجهود بكفاءة إلى ما يمكن أن يكون في المحصلة منتجاً قابلا للاستغلال التجاري. وفي حين أن الصناعات المعرفية تقوم على صياغة العلم والتقنية لتكوين منتجات تجارية، تعتمد الصناعات التقليدية، أو التحويلية، على تحويل المادة الخام إلى منتجات مصنعة أو نصف مصنعة. مما يعني أن المعرفة في الصناعات التقليدية تمكن في عملية التحويل، أما في الصناعات المعرفية، فالمعرفة هي المادة الخام كذلك. وينطوي تحت الصناعات المعرفية قائمة طويلة من الأنشطة، منها على سبيل المثال:

  • الاتصالات
  • البرمجيات
  • الصناعات الدوائية
  • الكيمياء العضوية
  • التقنية العضوية

وتعرف المنتجات في هذه الفئة بالمنتجات ” بازغة” ، فهي لم تصل بعد إلى مرحلة النضج وهذا يعني إمكانية استغلالها لفترة أطول في الأسواق.

د.احسانعلي بو حليقة

عضو مجلس الشورى