الصناعات المعرفية…. صناعات غائبة

نهضت الصناعات المعرفية بمبادرة من الجامعات الأمريكية في وقت مبكر من القرن الميلادي الحالي، لكن الأمر اتسع ليشمل اليابان ودول نامية بعد ذلك، حيث أعدت اليابان برنامجاً مداه 20 عاماً لإقامة عدد من (مدن العلم) الحاضنة للصناعات المعرفية. وتمثل الصناعات المعرفية السلع والخدمات المستحدثة، لذا يسمى ما تولده الصناعات المعرفية من قيمة (الاقتصاد الجديد) . وعلى سبيل المثال، يقدر عدد فرص العمل التي ولدها (الاقتصاد الجديد) في كندا من منتصف الثمانينات وحتى منتصف التسعينات بحوالي 800 ألف وظيفة. ولا تحظى حاليا الصناعات المعرفية باهتمام استثماري ملحوظ من قطاعنا الخاص. ولعل أحد أسباب ذلك عدم تكامل البنية التحتية. وقد لا يكون من المبالغة تسمية الصناعات والخدمات التي تقوم على البحث والتطوير بالصناعات الغائبة نظراًلانعدمهاتقريباً في اقتصادنا السعودي. رغم ثبوت أن احتضان الصناعات المعرفية في مناطق مخصوصة يساعد على زيادة مساهمتها في الناتج المحلي بوتائر متصاعدة، فهذا ما تسعى ماليزيا لإنجازه في (ممر الوسائط المتعددة) . وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى النجاح الذي حققته الهند في صناعة البرمجيات حيث تضاعفت مبيعاتها خلال السنوات الست الأخيرة بنحو 11 ضعفاً.

ولعل من المناسب تتبع تأثير الصناعات المعرفية بتناول تجربة مستقرة ومشهورة في الولايات المتحدة الأمريكية، وهي ليست تجربة فريدة لكنها الأكثر نجاحاً. فتجربة جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة الأمريكية هي تجربة رائدة لتكامل قدرات الجامعة وإمكانيات القطاع الخاص، وهي تجربة من المفيد دراستها بدقة وعناية في المملكة. يقع وادي السليكون(Silicon Valley)في شمال كاليفورنيا في الولايات المتحدة، بجوار جامعة ستانفورد الشهيرة، وتبلغ أبعاده حوالي 48 كيلو متراً بعرض 16 كيلو متراً. وكانت البداية عندما استحدثت الجامعة برنامجاً في الهندسة الكهربائية مع بداية القرن الحالي ولاقى نجاحاً ملحوظاً. وفي عام 1920 م أسست الجامعة معمل الاتصالات اللاسلكية بإدارة فريدريكبترمان، الذي أصر أن تكون الجامعة مصدراً لمخترعات مفيدة قابلة للتحول إلى منتجات تجارية.

من خلال هذا التوجه تمكنبترماندفع طلابه للإبداع والنجاح المادي، وليس أدل على نجاحه في ذلك من أن” هيلت” و”باكرد” “Hewlett – Packard”كانا من طلابه، فهو الذي شجعهما على إنشاء شركتهما انطلاقاً من كراج في بيت ”باكرد” (وهي الشركة القائمة حتى الآن وتنتج الحاسبات الآلية وملحقاتها(.

وبطريقة مشابهة قامت شركةفاريان“Varian”المعروفة في مجال الرادار ومعدات الموجات الدقيقة وفي تصنيع أشباه الموصلات.

وقد ساهمت الحرب العالمية الثانية بتدفق عقود سخية على الشركات أدت إلى توسع معامل الجامعة بشكل كبير.

وازدهرت مع نهاية الحرب صناعة معدات الفضاء في” وادي السليكون” والمناطق المحيطة به، كما افتتحت شركات عملاقة فروع لها في المنطقة مثل “ جنرال الكتريك” و”وستيغهاوس” و” أدميرال” و” أ ب م” .

ورغم أن ستانفورد كانت الأكثر تأثيراً، إلا أنها لم تكن ـ بأي حال ـ الجامعة الوحيدة التي ساهمت في دعم النمو الصناعي في المنطقة.

وفي عام 1951 م أعدت الجامعة مساحة من الأرض بالقرب من الحرم الجامعي لتأجيرها للصناعات عالية التقنية.

ومع الوقت أصبحت هذه المنطقة مؤثرة في نقل التقنية من معامل الجامعة إلى الشركات القائمة، وتوفرت فيها كل العناصر للتوصل للاختراع الأكثر تأثيراً في القرن العشرين.

ألا وهو اختراع رقائق السليكون، لتتحقق بذلك ثورة المعلومات.

ولا بد من التنويه هنا بأن التقلبات الحاسمة في صناعة أشباه الموصلات منذ أواخر الخمسينات تركزت في هذا الوادي لتخرج منتجات غير مألوفة، مثل الرقاقة التي أنتجتها شركة” إنتل” في بداية السبعينات والتي أصبحت فيما بعد السبب لإيجاد الحاسبات الشخصية كما نعرفها الآن، ونعايش تطوراتها كل يوم تقريباً.

لقد توالت قصص النجاح والتوسع في” وادي السليكون” حتى بداية الثمانينات، عندما ظهرت الشركات الأمريكية التي اعتادت الاعتماد على تفوقها الفني والتعامل مع زبائن مليئين مثل” البنتاغون” .

لكن سرعان ما غير الوادي جلدة خلال عمليات متعاقبة من إعادة الهيكلية المتمثلة بعمليات كثيفة للبيع والدمج والإغلاق، ليكون بذلك مستعداً لعصر جديد تساهم فيه المعالجات الدقيقةmicroprocessors”“في كل نواحي الحياة الإنسانية المعاصرة من مأكل ومشرب وترفيه وتجارة وصناعة وزراعة ومواصلات واتصالات وتخزين ومعالجة البيانات والمعلومات.

ثم تمكن” الوادي” بعد ذلك من الاستفادة من الثورات المتعاقبة في مجالات المعلوماتية مثل الحاسبات الشخصية والبرمجيات وتقنية الليزر والتقنية الحيوية“biotechnology”والصناعات الصيدلانية.

ويوضح التتبع التاريخي للتطور التقني في” وادي السليكون” أمرين: الأول إمكانية التحول من الاعتماد على الموارد الطبيعية” زراعة الفواكه” إلى الاعتماد على تقنيات تتمحور حول نتائج المعرفة والفكر الإنساني المبدع، دون المرور في دوامة الصناعات التقليدية، فقد استحدث” الوادي” منتجات جديدة ليست نابعة من حاجات تقليدية.

والثاني أن النجاح الاقتصادي قام على تعاضد أطراف متعددة وقادرة وهي: روح الريادة والقدرة على الابتكار العلمي ورأس المال المغامر، إضافة إلى عنصري الإصرار على النجاح وإتاحة الوقت اللازم والذي لا يمكن اختزاله ليكون صفراً.