حديقة غار المعذر التذكارية تجسد أصالة الماضي بصياغة هندسية حديثة

افتتح صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز أمير منطقة الرياض ورئيس الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض في الثامن من شهر محرم 1416 هـ بمستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث حديثة غار المعذر التذكارية.

يعد “غار المعذر” معلماً طبيعياً تاريخياً لمدينة الرياض القديمة وقد سمي بهذا الاسم نسبة إلى روضة كان هذا الغار يتربع فوق تلالها وكانت تدعى قديماً “روضة حجر” أو “المعاذير” (جمع معذر وهو المكان الذي تستريح فيه الخيل حيث يطيب لها الرعي). وقد كاد هذا المعلم الطبيعي التاريخي أن يطمس وينساه الناس لولا مبادرة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز الذي أرتأى إدخال هذا المعلم ضمن إطار التحسينات الجمالية لمستشفى الملك فيصل التخصصي.

اكتسب “غار المعذر” أهمية خاصة بين سائر الغيران والكهوف المحيطة بمدينة الرياض قديماً لأسباب يأتي في مقدمتها قربه من أسوار المدينة في ذلك الوقت، مما يجعل الوصول إليه سهلاً ميسوراً، إضافة إلى موقعه الجغرافي الملائم الذي يجعل مناخه مقبولاً ومحتملاً في الصيف والشتاء، كان سكان مدينة الرياض يفضلون الخروج إلى هذا الغار للنزهة والترويح عن النفس، فقد كان السكان يعدون لمثل ذلك الأمر عدته فيتجهون عائلات أو جماعات، أو زملاء مهنة أو عمل، ويضربون موعداً لخروجهم في يوم معين لهذا الغار، وقد تزودوا بما يحتاجون إليه من الطعام والشراب والفاكهة والخضار، ويقضون يوماً أو أكثر هناك، ويسمون هذا اليوم “المسفار”أو “الكشته” أو “القيلة” كان غار المعذر مباحاً لكل فرد، لا تستأثر به جماعة دون أخرى بل يكون الأولى به من سبق إليه. كذلك اشتهر “غار المعذر” كمعلم بارز لعقد مجالس السمر وممارسة الفنون الشعبية وإقامة العرضات والاحتفالات الشعبية في الأفراح والأعياد وحفلات ختم القرآن الكريم والزفة (وهي الاحتفاء بالتلميذ الذي ينهي تلاوة ختم القرآن وإنهاء فترة الدراسة) كما اتخذ هذا الغار كمقر للاجتماعات و قاعة للمحادثات المهمة، وكان من تلك الاجتماعات ما حدث في آخر حياة الملك عبد العزيز، رحمه الله، بمناسبة مرور خمسين سنة على تأسيسه عرش المملكة العربية السعودية فقد عقد أولاد الملك عبدالعزيز، في ذلك الغار، اجتماعاً حضره الأمراء الكبار والصغار، ووجهوا خطاباً تاريخياً لوالدهم العظيم يعلنون فيه ولاءهم التام ويجددون البيعة له ولمن يخلفه بالسمع والطاعة.

واستخدم الغار منذ زمن بعيد، مكاناً لحلقات علمية وذلك بعدما قدم الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب إلى الرياض عائداً من مصر حيث كان قد نقل مع من نقل من أسرتي آل سعود وآل الشيخ بعد القضاء على عاصمة الدولة السعودية الأولى

(الدرعية) ووافق قدومه الدولة السعودية الثانية بقيادة الإمام تركي بن عبد الله بن الإمام محمد بن سعود الذي رحب بالقادم، ووكل إليه شؤون القضاء والدعوة نظراً لكفاءته العلمية وبلائه الحسن في الدعوة.

وعندما بدأ الشيخ عبد الرحمن يدرس العلوم في مدينة الرياض طلب منه تلامذته القدماء في (الدرعية وعرقة) و (الوصيل) أن يقدم إليهم لكي يتزودوا من عمله وما استفادة من هجرته من علوم أخرى لم تكن شائعة آنذاك، فاعتذر إليهم بأنه لا يستطيع الحضور إلى الدرعية لعظم مسؤولياته وانشغاله، واقترح عليهم أن يلتقي بهم مرتين في الأسبوع شريطة أن يناصفوه الطريق بحيث تكون نقطة اللقاء في أرض (المعذر) حول هذه الهضبة.

كما استخدم الغار منتجعاً صحياً في غياب المستشفيات آنذاك، إذ كان يلجأ إليه بعض الأشخاص لقضاء فترة التمريض.

وقد تم استعمال الصخور في التشكيلات الجمالية حول الممرات والبحيرة التي تتصل مع شلال من الصخور الطبيعية الملونة واستعملت الإضاءة المناسبة في جميع الأماكن حتى تظهر مدى جمال الموقع وصفته التاريخية العظيمة التي أنشئت الحديقة لأجلها.

كما أنشئ عدد من الأبنية والمنشآت التي تظهر جمال الموقع مثل منصة المراقبة التي بنيت على الطراز التقليدي المحلي، كما أنشئت مناطق لتسلية الأطفال تحتوي على ألعاب ومنطقة للتزلج، بالإضافة لجلسات فوق الجبل تحتوي على ألعاب رياضية ومضمار للجري، وتقدر مساحة مشروع حديقة “غار المعذر” التذكارية بحوالي 33700 متر مربع، ويرتفع الغار في داخلها مسافة 5 أمتار عن مستوى الأرض، ويبلغ عرضه 12 متراً، ويقع في الناحية الغربية في مواجهة البوابة الشمالية للحديقة.

كذلك تحتوي الحديقة على 15 نافورة مزودة بأنوار خلفية متعددة الألوان، كما تم بناء جسر صخري يعبر البحيرة وجزيرة من الصخور في وسطها. وتشمل الحديقة كذلك منطقة تزلج بيضاوية الشكل مساحتها حوالي 300 متر مربع وميداناً رياضياً مضاء ومغطى بالعشب مساحته 2000 متر مربع تقريباً ومنطقتين رمليتين لملاعب الأطفال ومساحتها حوالي 1000 متر مربع، ومسرحاً في الهواء الطلق، إضافة إلى عناصر جمالية أخرى.

إن حديقة “غار المعذر” التذكارية بما تمتلك من عراقة تجسد أصالة الماضي بصياغة هندسية حديثة، ويمكن اعتبارها واحدة من أروع منتزهات مدينة الرياض.