الملك لله، ثم لعبد العزيز… حصن المصمك ملحمة بطولة وتاريخ أمجاد

“الملك لله..ثم لعبد العزيز” كانت تلك أولى بشائر النصر التي انطلقت معلنة لسكان الرياض عودة الأمير الشاب عبد العزيز ليستعيد ملك آبائه وأجداده، وليضع اللبنة الأولى في بناء وتأسيس الدولة السعودية الثالثة..عزيمة الأبطال وبسالة الشجعان كانتا هما السلاح الذي حمله عبد العزيز في كف وروحه في كفه الأخرى في سبيل بناء دولة التوحيد..المملكة العربية السعودية.وللمصمكقصته..حيث شهد هذا الحصن اقتحام الملك المؤسس له فجر الخامس من شوال 1319 هـ..لتبدأ من هنا الملحمة الكبرى لتوحيد معظم أجزاء الجزيرة تحت لواء الملك عبد العزيز ـ رحمه الله.

المؤرخ والأديب عبد الرحمن بن سليمان الرويشد يحدثنا فيما يلي عن فصول من تاريخ هذا المعلم البارز:

إن من يرغب في الحديث عن المعالم التاريخية لمدينة الرياض، لابد له أن يلوي عنان قلمه ليتناول في حديثه قصة (حصن المصمك) كمعلم بارز بدأت به أولى خطوات التأسيس لهذا الكيان الشامخ ثم ظل بعد ذلك في موضع القلب من أحداث تأسيس المملكة العربية السعودية بقيادة العاهل المؤسس الملك عبد العزيز، رحمه الله، حيث تركزت أولى وقائع تلك الأحداث اقتحام هذا المعلم صباح الخامس من شوال عام 1319 هـ. واعتبر ذلك الاقتحام، ومن ثم الاستيلاء عليه ـ من عبد العزيز ورجاله ـ أول صفحة سجلت في مسيرة تاريخ هذه المملكة، وهو أول قطعة تم استردادها من أرض الأجداد.

وكان هذا الحصن هو المحور الأساسي في استراتيجية عبد العزيز لاسترداد الرياض باعتباره الموقع الحصين الذي يلوذ به عامل منتزع السلطة، وخط الدفاع الأول الذي ينبغي أن يجابهه عبد العزيز للسيطرة على المدينة، قاعدة الحكم، والتي ينطلق منها إلى بقية الأنحاء من ملك الآباء والأسلاف.

ولا شك أن نشأة هذا الحصن، ومن قام بتأسيسه، وفي أي العهود تم ذلك، هو أمر مهم في ذاته، لكنه لا يرقى إلى درجة الاهتمام بوقائع اقتحامه وانتزاعه من الخصم، وجعله أولى الخطوات على طريق الجهاد الطويل، الذي تم به التأسيس، وارتفع البناء، وأقيمت على أساسه دولة كبرى، والتفّ حولها العباد من سكان كل البلاد.

والمشهور أن أول من قام ببناء هذا الحصن المسمى بـ (المصمك) هو محمد بن عبد الله بن راشد (توفي 1315 هـ / 1897 م) الذي انتهز فرصة وقوع الفتنة بين أبناء الإمام فيصل، واستولى على الرياض عام 1309 هـ. وخرب ما بها من معاقل وحصون وقصور على أمل ألا يعود إليها حكامها من آل سعود مرة ثانية، كما هدم السور الذي كان يحيط بمدينة الرياض، خشية أن تناوئه وتستعصى عليه، واكتفى ببناء حصن واحد، وفق تخطيط معين، واستعمالات معينة لإسكان حاميته ومناصريه من الجند.

كان هذا الحصن قبل أن يعاد إنشاؤه، جزءاً من قصر الإمام عبد الله بن فيصل وقد أبقى هذا الجزء بعد هدم القصر، وأضيفت إليه بنايات حوله من كل الجهات، مرتفعة البناء، وعليها أبراج، ومزاغل للدفاع والتحصين، وبحيث يصلح لإقامة الحامية داخله، ومعها معداتها وأسلحتها، وكامل ما تحتاج إليه من تموين واحتياجات معيشية أخرى، وأجبرت بعض الأيدي العاملة في الرياض وما حولها على المشاركة في أعمال تشييد هذا البناء.

ومما يؤيد ذلك ما أورده فؤاد حمزة في كتابه (البلاد العربية السعودية) نقلاً عن لسان الملك عبد العزيز ـ رحمه الله ـ حيثيقول :(وكان ابن رشيد هدم سور البلد، والمحل الذي يقيم فيه الأمير المنصوب من قبله، يقع في قصر الإمام عبد الله، هدمه ابن رشيد، وأبقى فيه القلعة المسماة بـ (المصمك) يعني أنه هدم قصر الإمام عبد الله بن فيصل، الذي كان يسمى (القصر الجديد) وأبقى جزءاً عبارة عن قلعة، ثم أقام على أنقاض القصر، وعلى المساحة نفسها (حصن المصمك).

كما ورد في كتاب (نجد وملحقاتها) لأمين الريحاني ما يفيد أنه كان بالرياض قلعتان الواحدة ضمن الأخرى، شيدهما ابن رشيد، وأقام فيها تسعين من رجاله، يرأسهم أمير اسمه عجلان وأطلق الريحاني على المصمك اسم (الحصن الداخلي) وعلى سور الرياض (الحصن الخارجي).

ولقد تتبع المؤلفون الذين كتبوا عن هذا الحصن، ما رواه أمين الريحاني، لثقتهم في تاريخه، الذي قرأه من أوله إلى آخره على أسماع الملك عبد العزيز حتى أقره.

ومن المؤرخين من قال بغير ذلك، حيث ذهب بعضهم إلى أن (حصن المصمك) بني في عهد الإمام عبد الله بن فيصل، الذي تولى الحكم في فترتين الأولى من عام 1282 هـ حتى عام 1288 هـ والثانية من عام 1293 هـ حتى عام 1305 هـ.

وكذلك فليبي فأنه أخذ بهذا الرأي في كتابه (المملكة العربية السعودية) حيث قال: (إن أول عمل قام به عبد الله بن فيصل بعد اعتلائه العرش، كان بناء حصن له، وهو المعروف الآن باسم (المصمك).

ولا ريب أنه اختلط عليهم الأمر من حيث بناء قصر جديد له، كان في نفس موقع المصمك الموجود حالياً، وإلا فإن أسلوب البناء، وطريقة التخطيط التي شيد عليها المبنى، وأسلوب التحصين هو أقرب لكونه حصناً، وأبعد من أن يكون بمثابة قصر يتميز ببوابات كبيرة، وقاعات ضخمة، وساحات فسيحة لاستقبال الوفود والرعايا، ولقد شهد كثير من المعاصرين مباني بعض القصور في الرياض القديمة قبل التطوير وهي تشبه سابقاتها من حيث التشييد والبناء وبعيدة كل البعد عن تصميمات (حصن المصمك) فضلاً عن أن الإمام عبد الله لم يكن بحاجة لمثل المبنى المحصن لأنه يقيم في بلده، ومقر حكمه، وفي بداية ولايته كانت الرياض وغيرها مطيعة له، وتكن له السمع والطاعة، ولم يظهر خصوم يخشاهم على نفسه وملكه، كي يقيم في بناء محصن كهذا، وما وقع من فتن بعد ذلك، فقد كان في فترة لاحقة لبناء القصر الجديد.

ومما تجدر الإشارة إليه أنه خلال القيام بأعمال المسح، من أجل ترميم المبنى، عثر في الدور الأول للبرج الشمالي الشرقي في مبنى حصن المصمك على نقش كتب قبل جفاف الطين، وردت فيه عبارة (2 شعبان 1312 هـ) مما يؤكد أن هذا الحصن بُني في ذلك الوقت.

ومعلومات أيضاً أن حكام الجزيرة العربية كانوا عندما يستولون على إحدى البلدان، ويخشون من خروجها عن طاعتهم، يقومون بتشييد قلعة بجانب تلك البلدة ليقيم فيها بعض الجنود الموالين لهم..فالإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود أقام قلعة في منطقة (غذوانه) في مدينة الرياض، عند استيلائه على الرياض عام 1187 هـ لتكون بمثابة مأوى لحاميته.

وكان المعروف لدى من أدركناه من كبار السن أن باني المصمك عند بنائه هذا الحصن كان قد أبقى من قصر الإمام عبد الله على برج واحد فلم يهدمه، ويقع اليوم في داخل بناء المصمك من الجنوب، ويعرف هذا البرج حتى اليوم بـ (اليتيمية) (تصغير يتيمة) ربما لكونه البناية الوحيدة الباقية من القصر المهدم والذي شيد المصمك على أنقاضه. وغالب الظن أن مساحة المصمك عند بنائه استغرقت قصر الإمام عبد الله ومجموعة أخرى من قصور آل سعود التي كانت مجاورة له.

وقد تم اختيار موقع الحصن (المصمك) عند بنائه بعناية واهتمام، إذ جُعل في موقع مرتفع عن الأرض، وفي أطراف المعمور الشرقي من مدينة الرياض حتى يحكم سيطرته على المدينة وما حولها، وربما كان اختيار هذا الموقع هو السبب الأساسي ـ إضافة لأسباب أخرى ـ الذي أدى لهدم القصر الجديد الذي كان قد شيده الإمام عبد الله بن فيصل عام 1282 هـ في حياة والده وجعله مقراً له، لأنه كان حاكم الرياض في عهد والده، رحمهما الله.

وقد أعطانا الرحالةالانجليزي(بلجريف)، الذي زار الرياض أواخر عهد الإمام فيصل، صورة دقيقة (للقصر الجديد) الذي كان قد شيده الإمام عبد الله فحدّد موقعه بمسافة مائتي ياردة من البوابة الشرقية للمدينة ـ وهي بوابةالثميريـ ووصف بناء القصربالداثةوالتنسيق ـ بمقاييس ذلك العصر ـ وقال :(إنه مربع الشكل، ذو أبواب منقوشة على نحو جميل، وله ثلاثة طوابق من النوافذ).

كما أشار إلى ذلك الحصن المؤرخ إبراهيم بن عيسى في كتابه(عقد الدرر) وذلك في أخبار عام 1282 هـ دون أن يصفه أو يحدد موقعه، وأشار إليه أيضاً عبد الله فليبي في كتابه(البلاد العربية) وكتابه(أربعون سنة في الجزيرة) محدداً موقعه إلى حد ما، بأنه في الشمال الشرقي من القصر الأصلي للإمام تركي، وقد تشابه الأمر، واختلط البناءان في الأذهان، لقرب موقعهما، بل في المكان نفسه وغاب عن الذهن أن ما بناه الإمام عبد الله كان قصراً يحمل مواصفات القصور من الداخل والخارج بينما كان المصمك حصناً يحمل مواصفات الاستحكام والتحصين، وهو ما نراه ونشاهده فيه حالياً، ثم إنه أقيم على أنقاض القصر الجديد، والقصور الأخرى المجاورة له كما ذكرنا في السابق.