التطور البيئي لمدينة الرياض

أصبحت القضايا البيئية تحتل مكاناً بارزاً من اهتمام الدول والهيئات العالمية والإقليمية، بالنظر لما تنطوي عليه هذه القضايا من تحديات ومخاطر مستقبلية تستدعي المواجهة والمعالجة، حماية للمعمورة والإنسان. والمملكة العربية السعودية في مقدمة البلدان التي تعنى بالقضايا البيئية حيث توليها ما تستحقه من رعاية واهتمام، وتضعها باعتبارها في خططها وبرامجها ومشاريعها التنموية حفاظاً على التوازن الضروري المطلوب بين المتطلبات التنموية والاعتبارات البيئية. في هذا السياق قدمت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض ورقة بحث حول التطور البيئي لمدينة الرياض بدعوة من الجمعية السعودية لعلوم الحياة، وذلك في اللقاء السنوي السادس عشر الذي نظمته الجمعية بين 20 و22/11/1415هـ بجامعة الملك سعود. وتقدم ((تطوير)) مختصراً لهذه الورقة فيما يلي:

يشمل مفهوم البيئة ما يحيط بالإنسان من ماء وهواء ويابسة وكل ما تحتوي هذه الأوساط عليه من جماد ونبات وحيوان ونظم وعمليات طبيعية وأنشطة بشرية، وهو أمر يجعل من المحافظة على البيئة ومواردها وعملياتها المعقدة والمتشابكة الداعمة للحياة امرأ ضرورياً وحيوياً لبقاء الإنسان واستمرار رفاهيته.

وقد تعامل الإنسان، وبخاصة في هذا القرن من الزمان، مع البيئة ومواردها وما استملت عليه من أحياء، على نحو غير حكيم، دون أن يتنبه إلى خطورة ممارساته وتعامله هذا إلا بعد أن قرعت أجراس الخطر، فبدأ يتنبه إلى ممارساته التي أثرت سلباً في النظم الايكولوجية الطبيعية التي ينسج منها نظام العلاقات في البيئة. وقد نشرت تقارير دولية عديدة تكشف عن حجم المخاطر البيئية التي تواجه عالم اليوم.

ولم تنج البيئة العربية – بما فيها الثروات الطبيعية – من ذلك خلال العقدين الماضيين في غمرة الفوران التنموي الذي شهدته بعض الجهات في عالمنا العربي.

وبالنسبة لمدينة الرياض، حاضرة المملكة، فقد شهدت تجربة تنموية هائلة في أقل من خمسة عقود تقريباً حيث كانت، قبل ذلك الوقت، حاضرة صغيرة لا تتجاوز مساحتها بضعة كيلومترات مربعة ولا يزيد عدد سكانها عن خمسين ألف نسمة. أما اليوم فتبلغ المساحة حوالي 1000كم² ويسكنها حوالي ثلاثة ملايين نسمة وإذا استمرت معدلات النمو الحالية على حالتها فسيصبح سكان المدينة حوالي 6 ملايين نسمة في عام 1427هـ الأمر الذي يعني زيادة في نمو المدينة وخدماتها وتنوع الأنشطة فيها، هذا بالإضافة إلى زيادة حركة المرور ومحطات الطاقة ومعدل توليد النفايات. وقد أفرز ذلك الوضع العديد من السلبيات على بيئة المدينة تمثلت في توسع المناطق المطورة سكنيا على حساب المناطق الزراعية والطبيعية كما ازدادت حركة المرور، حيث بلغ عدد الرحلات اليومية داخل المدينة 5.4 مليون رحلة يتم خلالها قطع 50 مليون كم يومياً تقريبا. وبالتالي زادت الانبعاثات الملوثة. وانتشرت محطات الوقود حيث بلغت حوالي 700 محطة تقريباً كما ازداد معدل توليد النفايات وتضاعفت أعداد المصانع إلى 600 مصنع تقريبا وكذلك الورش والمعامل. كما أدى تزايد الطلب على مواد البناء إلى انتشار الكسارات وأعمال نقل التربة في الأودية والشعاب المحيطة بالمدينة، وقد بلغ مجموعها 100 كسارة.

ويشكل وادي حنيفة الذي يتوسط مدينة الرياض حالة من الحالات التي تأثرت بيئياً جراء قيام الأنشطة المخلة ببيئته وإنشاء الطرق والجسور المارة عبره والمتقاطعة معه وإقامة الورش والمجمعات السكنية لعمال الشركات وحف العمران على حوافه، مما أثر سلبيا على مقوماته وقلل من دوره الحيوي كمصرف طبيعي للمياه وكمصدر زراعي وترويحي – الخ.

ونظراً لاتساع المدينة فقد اضطر المخططون إلى زيادة أعداد محطات توليد الطاقة الكهربائية إلى أربع محطات لمواكبة الاحتياجات المتزايدة لها وهي التي تعتبر أحد أهم المصادر الثابتة لتوليد الانبعاثات الملوثة حيث تنفث هذه المحطات غاز ثاني أكسيد الكبريت وغازات أكاسيد النيتروجين… إلخ.

كما أدى ارتفاع الدخول واقتناء سيارات الدفع الرباعي إلى كثافة ارتياد المواطنين للمناطق الطبيعية المحيطة بالمدينة دون مراعاة للمتطلبات البيئة لهذه المناطق مما قلص من الغطاء النباتي وهدد بإزالة العديد من الروضات والمناطق الطبيعية حول المدينة. ومع هذا فإن الوضع البيئي للمدينة لم يصل إلى ما وصلت إليه المدن العالمية الأخرى وذلك نتيجة تبني الجهات الحكومية المعنية لمجموعة من الأنظمة البناء من حيث المساحات والعزل والفراغات …الخ، وتطبيق مخططات استعمالات الأراضي في المدينة حيث خصصت مناطق بعيدة عن الأحياء السكنية لإقامة المصانع والورش والمستودعات، كما كثفت أعمال التشجير من خلال إقامة الحدائق والقيام على مشاريع تشجير الطرق والشوارع في المدينة، كما خصصت مشاريع مستقلة للنظافة وجمع النفايات وإقامة مكبات حديثة للنفايات. وقد أخذت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض على عاتقها خلال السنوات الماضية مسؤولية التطوير الشامل والنمو المتكامل للمدينة حيث انعكس ذلك جلياً من خلال برنامج التنمية الاقتصادية وبرنامج التنمية الثقافية والحفاظ على التراث وبرنامج إدارة البيئة وحمايتها وبرنامج النظم والتخطيط الحضري وبرنامج التطوير العمراني التي تقوم عليها الهيئة. ففي هذا السياق ومن منطلق المحافظة على البيئة في مدينة الرياض، تولي الهيئة هذا الموضوع اهتماما بالغا حيث يظهر ذلك من خلال برنامج إدارة البيئة وحمايتها والذي أشيء للتعامل مع الوضع البيئي في المدينة، وكذلك من خلال اهتمامها بالاعتبارات البيئية في تخطيط وتصميم المشاريع والبرامج التنموية التي تقوم عليها، ويهدف إلى المحافظة على المعالم الطبيعية البارة في مدينة الرياض وما حولها، وتطويرها وتهيئتها لاستخدامات تتناسب ووضع كل منها، كما تتصدى الهيئة للمشكلات البيئية الطارئة التي تواجهها المدينة.

فقد حرصت الهيئة العليا، في المشاريع التطويرية العديدة التي قامت بها (مثل المجمع السكني لوزارة الخارجية بالرياض، وحي السفارات، وبرنامج تطوير منطقة قصر الحكم، وطريق الملك فهد، وغير ذلك من المشاريع) على مراعاة الاعتبارات البيئية، حيث انعكس ذلك في جميع مشاريع الهيئة على الاهتمام بالتكامل والانسجام بين البيئة الطبيعية والبيئة المشيدة وعدم الإخلال بالتوازن بينهما، وذلك عن طريق التحكم في الكثافة السكانية، ومراعاة الظروف المناخية وخصائص الأرض وتضاريسها ومكوناتها الجيولوجية في مواقع المشاريع، وتوجيه استخدامات الأراضي بما يتناسب مع الظواهر الطبيعية كحركة الرياح وزوايا سقوط أشعة الشمس، والاهتمام بالتهوية الجيدة وحماية المناطق السكنية من الضوضاء والغبار والأتربة والرياح وتوفير الساحات المفتوحة وتنسيق المواقع وزراعتها بالنباتات الملائمة للظروف البيئية في المنطقة، إلى جانب توفير المرافق والخدمات العامة بما في ذلك ما يرتبط منها بالصحة العامة، والعمل على إعادة استعمال المياه الملوثة بعد تنقيتها في ري المسطحات الخضراء والحدائق.

وتعمل الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض، من خلال برنامجها لإدارة البيئة وحمايتها، على المحافظة على المعالم والموارد الطبيعية البارزة في المدينة وما حولها، وتنميتها وعلاج الأضرار اللاحقة بها، وتفادي تدهورها، وتطويرها، وتهيئتها لاستخدامات تناسب وضع كل منها، وذلك بالإضافة إلى التصدي للمشاكل التي تواجه بيئة المدينة الحضرية وعلاجها.

ويتفرع من برنامج إدارة البيئة وحمايتها عدة برامج فرعية منها على سبيل المثال:

برنامج تطوير وادي حنيفة، برنامج تطوير منتزه الثمامة، برنامج تطوير السيطرة على مشكلة ارتفاع منسوب المياه الأرضية وعلاج اثارها وبرنامج التحكم في التلوث.