مدينة الرياض قبل 50 عاما كما يصفها دبلوماسي هولندي عاش في رحابها: لن تكون هناك أية حدود يتوقف عندها التوسع والزحف العمراني للرياض

أقام الدبلوماسي الهولندي ياندرمولينفي المملكة العربية السعودية في الستينات من القرن الرابع عشر الهجري وغادرها عام 1373هـ (العقد الرابع من القرن العشرين الميلادي وحتى عام 1952م) وقد استطاع هذا الدبلوماسي أن يسجل صورة حية للتغيرات التي أخذت تعم مدينة الرياض في ذلك الوقت، وضمنها في كتاب نشره عام 1957م. كتب ياندرمولينعن مدينة الرياض يقول:

“أخذت الدولة ترشد أصحاب المزارع في الواحات والمدن عن أحسن الطرق لزراعة أراضيهم والاستفادة منها… وبدأت فرق من المتخصصين في حفر الآبار، وأصبحت هناك مساقي عامة يتوفر فيها الماء للناس والإبل داخل الرياض وخارجها، وسرعان ما علمت القبائل المجاورة والبادية بان الرياض باتت مصدراً يمكن الاعتماد عليه في تأمين المياه. وطالما أن الملك وفر المياه- وهي أول ضروريات الحياة، فإنه بكرمه المعهود لن يبخل في توفير ثاني ضروريات الحياة وهو الطعام -. ومن هذا المنطلق جاءت القبائل والبادية لتنصب خيامها بمقربة من أسوار الرياض وكذلك من القصر الملكي حيث أقام الملك مراكز لتوزيع المواد الغذائية إضافة إلى إمدادات وفيرة من المياه.

اتسعت الرياض كثيراً ناحية الصحراء.. واخذ الناس الآن في بناء بيوت لهم فوق الهضبة الصحراوية بعد أن تحرروا من ضرورة البناء في مناطق مجاورة لأسوار المدينة القديمة،فالطلمباتالحديثة بوسعها استخراج المياه اللازمة في كل مكان، فبعد الاطمئنان إلى إمكانية استخراج المياه بتلكالطلمباتانطلق الناس في بناء بيوت جديدة لهم على أراض صحراوية وسوروهابأسوار من اللبن، وفي داخل تلك الأسوار سرعان ما كانت تختفي معالم الصحراء فطالما توفرت المياه بات بالإمكان زراعة الأرض، إذ من المعروف أن طبيعة صحاري الجزيرة العربية من النوع الذي ينبت فيه الزرع فور هطول أمطار عليها حتى ولو كان سطحها مليئاً بالحصباء.

… سرنا بالسيارة في وادي حنيفة وكلما اقتربنا من الرياض تضاءلت مساحة الأراضي المكسوة بالخضرة، وهذا أمر ليس المناخ وحده هو المسؤول عنه، وإنما الإنسان أيضاً له دخل فيه، فكلما احتاج سكان الرياض لأحطاب للوقود- وما أكثر حاجتهم لها- اتجهوا صوب الصحراء وأجهزوا على كل ما بها من نباتات وشجيرات… بدأوا بالمناطق القريبة وانتهوا في عمق الصحراء البعيد…نشاهد الآن قوافل من الجمال تحمل أحطاباً للسوق المواجهة لسور المدينة، وإني لأتذكر اني رأيت ذات مرة شاحنة في الصحراء بالقرب من آبار يبرين التي تقع على بعد نحو مائتي ميل جنوباً، وقد توجهت نحو الشاحنة وسألت من فيها عن سبب تواجدهم في هذا المكان البعيد عن الطريق الرئيسي، فقيل لي أنهم جاؤوا من الرياض لجمع الحطب اللازم للوقود.

… كان أول شيء وقعت عليه أبصارنا بالرياض الحديثة هو ساريتي محطة اللاسلكي اللتين تعتبران خير دليل على مدى ما استجد في المدينة من تغيير. فقد كان الغبار منتشراً في الجو لدرجة أننا لم نستطع تمييز معالم المدينة عندما اقتربنا منها. بعد ذلك بدأت الصور تتضح بالتدريج وتفصح عن معالم الحصن الكبير وأسطح المنازل المستوية ثم الأبنية الطويلة غير المرتفعة التي يتألف منها قصر المربع المقام منفرداً في الصحراء على بعد مسافة من المدينة. إن الدرب الترابي غير المعبد الذي اعتدنا سلوكه بسيارتنا أصبح الآن طريقاً أفضل من سابقه ويؤدي من محطة القطار إلى المطار. وأقيم مبنى جديد من الخرسانة المسلحة للمطار ويجري العمل في بناء مسجد بجواره.

… وعندما سرنا بالسيارة بمحاذاة أسوار القصر القديم تعذر علينا التعرف عليه في أول الأمر، وخيل لنا أن السور وما عليه من أبراج بات يضم مساحة أكبر من ذي قبل، لكننا رأينا – من فتحة من سور جديد ناحية الشرق – فيلا حديثة من الخرسانة المسلحة ولها شرفات ذات ألوان جميلة زاهية، وكان لتلك الفيلا حديقة مليئة بالشجيرات والأشجار الصغيرةوالزهور الجميلة وسط أرض كلها خضرة يانعة.

ويسير الطريق – بمنعطف واسع – بمنأى عن القصر القديم ليصل إلى أطراف المدينة التي أخذت تتسع ناحية الصحراء، هناك ميدان تطل عليه بيوت ذات أحجام متساوية تقريباً مبنية كلها على النمط المعماري القديم، ويوجد في أحد أركان الميدان مسجد ذو سقف مرتفع من أحد جوانبه وليس لهذا المسجد مئذنة.

… لقد تركنا قصر الأمير سعود واتجهنا صوب أحد الأجزاء الجديدة للمدينة ناحية الشرق. هنا شاهدنا حركة بناء كبرى، كانت بعض المباني تبنى من اللبن على النمط النجدي وبعضها الآخر من الحجر الجيري المتقطع من الصخور الموجودة بالقرب من المدينة.

أرى مدارس ومساجد تقام، وبيوتاً ومحلات تجارية تبنى لتؤجر للرجال الذين نزحوا من الأماكن المجاورة أو البعيدة إلى هذه المدينة ذات الرخاء المتزايد. ويخامرني اعتقاد قوي مؤداه أن ذلك كله من شأنه أن يخلق جواً غير عادي من النشاط والحركة ويبعث على التفاؤل بالنسبة لمدينة كانت الحياة بها منذ سنوات قليلة حياة تقشف.

… ومن الجدير بالذكر أنني عندما حضرت إلى الرياض لأول مرة وكان ذلك في عام 1365هـ (ديسمبر عام 1944م) كانت بلدة يزيد عدد سكانها بقليل عن 50.000 نسمة، أما عدد سكانها في عام 1373هـ (1952م) فلابد أنه زاد إلى ما يقرب من مائتي ألف نسمة، ولن تكون هناك فيما يبدو أية حدود يتوقف عندها التوسع والزحف العمراني للرياض”.