تخطيط النقل الحضري: تقنيات حديثة… وتطبيقات عملية

التخطيط اصطلاحاً هو الإجراء أو مجموعة الإجراءات المنظمة التي يتم عبرها التعرف على الأوضاع القائمة وتقويمها، وتقدير الأوضاع المستقبلية وتحديد متطلباتها، ورسم السياسات، ووضع أطر العمل اللازمة للاستجابة لهذه المتطلبات، تحقيقاً لأهداف منشودة أو تلافياً لسلبيات محتملة.

ويمثل تخطيط النقل الحضري واحداً من أبرز ركائز التخطيط الحضري، فهو يتأثر بصورة مباشرة بجميع قضايا التخطيط الحضري السكانية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية، ويؤثر على كل ذلك.

وتزداد الحاجة إلى تخطيط النقل الحضري السليم في المدن التي تشهد توسعاً عمرانياً ونمواً سكانياً وازدهاراً اقتصادياً مطرداً كمدينة الرياض، وذلك أن مثل هذا النمو الشامل ومايواكبهمن ارتفاع في مستوى المعيشة يؤديان، بطبيعة الحال إلى ازدياد حجم الحركة المرورية داخل هذه المدن وبينها وبين المدن الأخرى، الأمر الذي يتطلب تهيئة مرافق ووسائط نقل آمنة وفعالة ورفع مستوى أنظمة النقل وسياساتها بما يكفل سهولة وسلامة الحركة المرورية.

ولا يقتصر عائد تخطيط النقل الحضري السليم على رفع كفاءة الحركة المرورية فحسب، بل يتعدى ذلك بكثير ليشمل جوانب بيئية وصحية مثل الحد من تلوث الهواء الناتج عن عوادم السيارات، وتخفيض مستوى الضجيج الصادر عن الحركة المرورية، مما يؤدي إلى تخفيض الضغوط النفسية والعصبية على السائقين فيساهم ذلك في تقليل الحوادث المرورية.

ويساعد تخطيط النقل السليم، فضلاً عن كل ذلك، على توجيه النمو العمراني، باعتبار أن سهولة الوصول إلى أي منطقة يعد من أبرز العوامل الجاذبة إليها لتطويرها عمرانياً واقتصاديا.

وقد شهد عديد من المدن العالمية المتقدمة تجارب ناجحة في استخدام تخطيط النقل كأداة لتنشيط النمو العمراني والتحكم فيه، وتطبيق السياسات المتعلقة بتحديد أنماط استعمالات الأراضي، بينما أكدت تجارب شهدتها مدن أخرى أن تنامي نظام النقل من دون الاستناد على تخطيط سليم، وكذلك من دون مراعاة قضايا التطوير الحضري الأخرى ينتج عنه في الغالب آثار سلبية كثيرة. فقد يؤدي ذلك إلى تشتت العمران وضعف النسيج العمراني، وإرباك خطط تهيئة المرافق العامة، إلى جانب خسائر اقتصادية وأضرار بيئية وصحية مختلفة.

ولمدينة الرياض تجارب جديرة بالرصد والتسجيل في مجال الإفادة من تخطيط النقل السليم. فقد تجلى ذلك في إضافة مستوى ثالث “جسر الوشم” في تقاطع طريق الملك فهد مع شارع الوشم، حيث لم يكن واضحاً في ضوء حجم الحركة المرورية في هذا التقاطع أثناء تنفيذ طريق الملك فهد أن هناك حاجة لمستوى ثالث في هذا التقاطع، إلا أن النماذج الرياضية المطورة لدى الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض لمحاكاة الحركة المرورية على شوارع المدينة وتقدير أثر أية متغيرات مستقبلية اقتصادية كانت أم عمرانية أم سكانية على حجم الحركة المرورية واتجاهاتها، بينت ضرورة إضافة مستوى ثالث لهذا التقاطع، ويثبت واقع الحركة المرورية في هذا التقاطع بالوقت الحاضر مدى مساهمة المستوى الثالث للتقاطع في تلافي مشكلات مرورية كان سيصعب علاجها لو لم تتم إضافة مستوى ثالث لهذا التقاطع.

ونجد ثماراً لتخطيط النقل السليم في حي السفارات بالرياض، فمدخلا هذا الحي يخدمان أكثر من 32 ألف سيارة يومياً، وبالرغم من كبر حجم هذه الحركة في المدخلين المذكورين إلا أنها تنساب بسهولة وأمان، وذلك كنتيجة طبيعية للتخطيط السليم والتوزيع المتوازن لاستعمالات الأراضي في هذا الحي.

ويعتمد تخطيط النقل السليم أساساً على عدة أسس أبرزها:

توفر المعلومات الدقيقة والحديثة عن النمو السكاني والاقتصادي والعمراني واتجاهات هذا النمو، وكذلك توزيع استعمالات الأراضي وغير ذلك من المعلومات الأساسية المتعلقة بوضع المدينة المراد تخطيطها حاضراً ومستقبلاً من جميع الجوانب، إضافة إلى وضع شبكة النقل بهذه المدينة مثل حالة عناصر هذه الشبكة من حيث الفئات والطاقة الاستيعابية والتصميم الهندسي، وكذلك الحركة المرورية واتجاهاتها وسرعتها، ومصادر الجذب المروري ونقاط بدء وانتهاء الرحلات.

تطوير نماذج رياضية لاستخدامها لتقدير أثر المتغيرات المستقبلية على حجم الحركة المرورية واتجاهاتها، ووضع وتوصيف الحلول المناسبة للاستجابة لهذه المتغيرات، كما يمكن باستخدامها الوقوف على مشكلات النقل في المدينة المراد تخطيطها وتوصيف التحسينات اللازمة لشبكة الطرق وسبل إدارتها. فمثلاً قامت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض بتطوير نماذج رياضية لمحاكاة حركة المرور في الشوارع الرئيسية بمدينة الرياض في أي وقت في المستقبل في ظل أية متغيرات سكانية أو اقتصادية أو في استعمالات الأراضي أو غير ذلك. وقد تم استخدام هذه النماذج في كثير من الدراسات التخطيطية التي قامت بها الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض ومنها دراسة سبل تحسين الحركة المرورية بين شرق مدينة الرياض وغربها، حيث بينت هذه النماذج أن الحجم الحقيقي للحركة المرورية التي بحاجة لاستخدام طريق مكة المكرمة بالرياض يبلغ 315 ألف سيارة يومياً، أي ضعف الطاقة الاستيعابية للطريق، الأمر الذي يساعد على وضع تصور للحلول الممكنة لرفع مستوى الحركة المرورية بين شرق الرياض وغربها.

متابعة المستجدات في تقنية تخطيط النقل وتقويمها وانتقاء ما يتناسب وقضايا التطوير الحضري والظروف الاجتماعية والاقتصادية والبيئة المراد تخطيطها. ومن أمثلة ذلك ما تقوم به الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض من دراسات حول إمكانية استخدام النظم الآلية وتقنية الاتصالات الحديثة في إدارة الحركة المرورية على الطرق السريعة في مدينة الرياض، ليمكن الاستعانة بهذه النظم المتطورة في مراقبة الطرق السريعة بالمدينة وتقويم وضع الحركة المرورية عليها وإيصال إرشادات بشأنها لمستخدمة هذه الطرق عبر وسائل الاتصالات الحديثة كاللوحات الإرشادية والألياف البصرية أو اللاسلكي أو غير ذلك ليمكنهم التعامل بفعالية مع الوضع القائم على الطرق السريعة، ويمكن للقائمين على إدارة هذه الطرق الاستجابة السريعة للحالات الطارئة وفك أي اختناقات عليها.

وبالإضافة إلى كل ما تقدم يتطلب التخطيط السليم للنقل مراقبةً ورصداً دائمين للمتغيرات الطارئة على حجم الحركة المرورية وخصائصها وسبل التنقل، وذلك لتقويم سياسات تخطيط النقل الحضري والاستجابة لكل ماتقتضيهالمتغيرات المستجدة.

إعداد: وحدة تخطيط النقل في الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض