مدينة الرياض في الأربعينيات كما يصفها زائران غربيان: عالم قديم وجديد في آن واحد يتمثل في واقع المدينة

زار مدينة الرياض في الأربعينيات من هذا القرن الميلادي، ثلاثة من كبار الزوار الأجانب كان أولهما الجيولوجي الأمريكي كارلتويتشيلالذي جاء إلى الرياض عام 1942 م (1361 هـ) على رأس أول بعثة رسمية أوفدتها الولايات المتحدة الأمريكية إلى المملكة العربية السعودية، وأقام في البلاد عدة سنوات أجري خلالها عدة أبحاث ودراسات جيولوجية للتعرف إلى الموارد الطبيعية للمملكة وثانيهما أمريكي آخر يدعى جورجبيلينكنجاء إلى الرياض عام 1948 م (1367 هـ)، أما الثالث فهو الدبلوماسي الهولندي الدكتور ياندرمولينالذي وصل إلى الرياض في منتصف الأربعينيات وعاش فيها حتى عام 1952 م. وقد سجل هؤلاء الزوار مشاهداتهم وانطباعاتهم حول مدينة الرياض في تلك الأيام في كتب نشروها بعد عودتهم إلى بلادهم. وهي انطباعات تعتبر وثائق تعكس صور الحياة في مدينة الرياض بمختلف جوانبها. خلال العقد الرابع من القرن الميلادي الحاضر.

مشاهدات الأمريكي كارلتويتشي لعام 1946م

جمع الخبير الجيولوجي الأمريكي كارلتويتشيلالدراسات والأبحاث التي أجراها عن المواد الطبيعية للمملكة، في كتاب نشرة عام 1953 م. وقد ضمنه وصفاً واقعياً لما كانت عليه مدينة الرياض عام 1946 م جاء فيه:

“تقع مدينة الرياض ـ عاصمة المملكة العربية السعودية وأهم مدن نجد ـ في وادي حنيفة على ارتفاع 1700 قدم فوق سطح البحر. ويهيمن على هذه المدينة قصر ملكي ضخم مبني على الطراز المعماري للعصور الوسطى ومحاط بأسوار حصينة.. ومن بعيد تلوح في الأفق شرفات القصر التي لا مثيل لها في المدينة. وفي الخلفية التي أمامي يرى المرء صفوفاً من البيوت تمتد في كل اتجاه. وهي بيوت ليست لها نوافذ خارجية وعلى نمط معماري واحد، سواء من حيث التصميم أم الزخرفة الداخلية. والجدير بالذكر أن الفناء الموجود داخل البيت لابد منه هنا، وهو يمثل نمط عمارة البيت النجدي التقليدي وقد نقله العرب معهم إلى بلاد الأندلس (أسبانيا)، ومنها نقلهالأيبيريون(الأسبانوالبرتغاليون) إلى مستعمراتهم في مناطق العالم الجديد، حيث لا يزال هذا الطراز المعماري موجوداً وإن كان بأشكال مختلفة. وقد أقيمت على مقربة من هذا القصر، المكون من طابقين، محطة لتوليد التيار الكهربائي ومركز للمواصلات السلكية واللاسلكية، ليتسنى للملك أن يكون على اتصال دائم بكل أجزاء مملكته عن طريق أجهزة الاتصال اللاسلكي والهاتف والبرق. وفي القصر مراب ضخم يتسع لمئات من سيارات الركوب والشاحنات. ويوجد قصر “المربع” خارج أسوار المدينة في اتجاه الشمال، وتقام في قاعاته الفسيحة المآدب والمقابلات الرسمية بأعداد كبيرة، كما يعقد فيه الأمير سعود بن عبد العزيز ولي العهد اجتماعاته الرسمية بالمسؤولين وغيرهم. والجدير بالذكر أن مقر السكن الرسمي لولي العهد هو قصر “البديعة” الذي يقع على بعد ثلاثة أميال ناحية الغرب، وهو قصر تحيط به بساتين من أشجار النخيل والفاكهة. وفي قصر “المربع” تم تركيب مصعد كهربائي كي يتمكن الملك عبد العزيز من الصعود أو الهبوط إلى أو من أي طابق بالقصر بسهولة وراحة.

ويفد إلى الرياض أناس كثيرون من خارجها قد يصل عددهم إلى عدة آلاف في وقت واحد، ومعظمهم من رجال القبائل والبادية الذين يأتون للملك بانتظام ليتسلموا منه الإعانات السنوية التي يصرفها لهم. ولذلك فإن سوق الرياض كبيرة جداً بشكل لا يتناسب مع حجم مدينة لا يزيد عدد سكانها الدائمين عن حوالي 60.000 نسمة”.

الرياض كما يصفها بيلينكن عام 1948 م

أما الأمريكي جورجبيلينكنالذي زار مدينة الرياض بعد مواطنهتويتشيلبست سنوات (1948 م) فقد كان وصفه للمدينة أكثر دقة وشمولاً، بل إنه سجل في انطباعاته تفصيلات صغيرة من شأنها أن تضفي ظلالاً خاصة على الصورة التي رسمها لمدينة الرياض قالبيلينكنفي يومياته التي نشرها عام 1949 م:

“استيقظت في الطائرة لأعرف أننا نهبط مسرعين نحو مهبط للطائرات يقع على بعد بضعة أميال خارج مدينة الرياض، تلك العاصمة الحالمة الجديدة التي ليس من السهل الوصول إليها.

أرى هنا في الواقع عالماً قديماً وجديداً في آن واحد… إنه عالم لم أشاهد أو أتصور مثله في كل سفرياتي.

وللتخفيف عن النفس، نظرت نحو الأفق، فإذا بي أرى أشجار النخيل تتمايل بخفة مع نسمات الهواء الناعمة، وعلى مسافة أبعد منها رأيت منظراً شاملاً عريضاً لابد أنه كان مصدر متعة كبيرة للإنسان منذ ألف سنة… إنها مجموعة من الجمال بعضها سمين وبعضها الآخر هزيل، وهي تسير في مجموعات بعضها يتألف من جملتين، وبعضها الآخر من ثلاثة جمال. كانت تسير بتوان وبطء… ومع تلك القافلة أشاهد صبية صغاراً يمتطون ظهور بعض الحمير التي تسير هي الأخرى بطيئة وبغير انتظام.

أما طريق المطار الذي يصل ما بين المطار ومدينة الرياض، فقد كان طريقاً واسعاً وفخماً. ولقد كانت أربع أو خمس من سياراتنا تسير في الطريق أحياناً في شكل متواز تاركة بين بعضها بعضاً فراغاً كافياً.

نزلت أنا والضابط من سيارة الليموزين التي تركناها عند مدخل السوق الرئيسية ووقفنا نحملق في هدوء بكل شيء نراه. فقد كانت المحال التجارية الصغيرة (التي لا يزيد عرض الواحد منها عن خمسة أقدام وارتفاع سقفها لا يزيد عن ستة أو ستة أقدام ونصف القدم) تضم كل أنواع البضائع معلبات من مختلفة الأنواع. دلال نحاسية للقهوة. قدور جديدة جذابة الشكل. صفائح مليئة بالفحم. صناديق شاي، صناديق مواد غذائية، أكياس أرز، بسط مغطاة بالورق، ومن الأشياء الأخرى الرئيسية التي شدت انتباهي مجموعة من الأكشاك الصغيرة التي كان بعضها يبيع القهوة والشاي للزبائن، وبعضها الأخر يبيع نسخاً قديمة من كتاب معين (هي في الغالب مصاحف القرآن الكريم).

“أنظر الآن من حجرتي ذات النوافذ السبع، إحدى هذه النوافذ يواجه قصر الملك. أرى أيضاً واحداً من أربعة أو خمسة قصور في الرياض يمتد بجواره شارع معبد للسيارات والمشاة. هناك شاحنة حديثة تمضي مسرعة وهي فارغة لا تحمل شيئا. أرى كذلك رجلين من البادية يسيران ببطء ورأس كل منهما مغطاة بغترة حمراء. أشاهد الآن، أيضاً، خمساً أو ستا من الإبل تسير خلف رجل نحيل الجسم على رأسه طاقية بيضاء، وتقف هذه القافلة فجأة لتفسح الطريق لقطيع كبير من الخراف السوداء ذات البقع البيضاء على رؤوسها… يحدث كل ذلك عبر درب صغير معبد تنحرف إليه السيارات أحياناً وتسلكه.