مدينة الرياض وما حولها في الشعر العربي القديم

كانتنجد- وبخاصةإقليم اليمامة – موطناً لأكثر القبائل العربية عدداً،وأقواهاشوكة، وأكبرها مكانة، كقبيلة تميم، وحنيفة، وقشير، وعقيل، وجعدة، وعامر، وباهلة، وغيرها، كما تميزت بموقعها الجغرافي المتوسط الذي جعلها ملتقى للقوافل التجارية ومنتجعاً لقبائل أطراف الجزيرة العربية، إضافة إلى خصبها، ووفرة إنتاجها، وكثرة مياهها، وجودة نخيلها، حتى أن أهل اليمامة كانوا يقولون

“غلبناأهل الأرض شرقها وغربها بخمس خصالليس في الدنيا أحسن ألواناً من نسائنا، ولا أطيب طعاماً من حنطتنا، ولا أشد حلاوة من تمرنا، ولا أطيب مضغة من لحمنا، ولا أعذب من مائنا”.

وكان الشعر سجلاً لتاريخ هذه البلاد، ومرآة لمظاهر حياتها الاجتماعية وتطورها. يعبر عن عراقتها ورسوخها في قلب التاريخ، حتى غدت نجد اسماً عريقاً يعبق بعبير شفيف، متميز، في قاموس اللغة العربية وديوان أشعارها. بقدر ما يتوهج بإشعار خاص في أسفار المجد العربي. ففي رحاب “نجد” ومهادها تفتحت وازدهرت أينع وأعذب عناقيد الشعر الوجداني التراثي في ديوان العرب. وفي هذا الصدد يقول ياقوتالحموديصاحب كتاب معجم البلدان:” إن الشعراء لم يذكروا موضعاً أكثر مما ذكروا نجداً”.

وقد حظيت مدينة الرياض وما حولها من معالم ومواقع –على اختلاف المسميات التي حملتها هذه المدينة العريقة في مختلف مراحل التاريخ. وباعتبارها حاضرة اليمامة ومركزها – بقسط وافر من شعر “النجديات” التي يزخر بها ديوان الشعر العربي. الأمر الذي يعطي صورة أمينة عن قدم هذه المدينة، وعراقتها، إضافة إلى أهميتها ومكانتها عبر أطوار التاريخ.

عُرفت مدينة الرياض – أول ما عُرفت – باسم ” حجر” وذلك قبل ظهور الإسلام بنحو قرنين من الزمان. بعد أن سكنها بنو حنيفة برئاسة عبيد بن ثعلبة بنيربوعالحنفيالذي احتجر الموقع له ولمن خرج من صلبه، وفي هذا يقول:

حللنا بدار كان فيها أنيسها

فبادوا وحلوا ذات شيد حصونها

فصاروا قطيناً للفلاة بغربة

رميماً وصرنا في الديار قطينها

فسوف يليها بعدنا من يحلنا

ويسكن عرضاً سهلها وحزونها

وفي عهد بني حنيفة أصبحت “حجر” مركز اليمامة وحاضرتها ومقر ولاتها. وكانت اليمامة، في ذلك الوقت، تضم العارض والحوطة والحريق وسدير والمحمل والخرج والأفلاج، وغيرها. ويرى المؤرخون أن مدينة “حجر” كانت تقع بين وادي الوتر (المعروف اليوم باسم البطحاء) ووادي العارض (المعروف اليوم بوادي حنيفة)، وتنتشر على جوانب البطحاء شرقاً وغرباً، وتمتد بامتداد الوادي وترتفع عن مجرى السيول فيما بين جبل الخربة (أبو مخروق) حتى تقترب من بلدة “منفوحة”، وقد تعرضت ” حجر” لغزوات كثيرة لم تنل منها، لمناعتها وإحاطتها بالحصون القوية. وكان من بين غزاتها الشاعر عمرو بن كلثوم التغلبي (من شعراء المعلقات) لكنه هُزم ووقع في الأسر وحُبس في أحد قصور “حجر” ثم أطلقه بنو حنيفة وأكرموه، وقد سجل هذه الحادثة في شعره.

وبقيت “حجر” مركزاً لليمامة حتى القرن الثالث الهجري، ثم أخذت تتراوح بين ازدهار وانحسار حتى القرن العاشر الهجري حيث تفتتت وتناثرت إلى قرى صغيرة منها: مقرنومعكالوالعود والبنية والصليعاء وجبرة والخراب، وكانت كلها من أحياء مدينة “حجر”.

ثم انحسر اسم “حجر” حتى بات يطلق على جزء صغير من موضع المدينة القديم، وتقلص بعد ذلك حتى صار يُطلق على بئر كانت تقع على الضفة الغربية من وادي “البطحاء”، داخل مدينة الرياض، بين شارعي الملك سعود والملك فيصل.

“حجر” في الشعر القديم

يتردد اسم “حجر” كثيراً فيالشعرالعربيالقديم، من ذلك ما رواهنفطويهعن امرأة تُدعى أم موسى الكلابية كان قد تزوجها رجل من أهل “حجر” ونقلها هناك، قالت:

قد كنت أكره حجراً أن ألم بها

وأن أعيش بأرض ذات حيطان

لا حبذا الطرف الأعلى وساكنه

وما يضمن من مالٍ وعبدان

أبيت أرقب نجم الليل قاعدة

حتى الصباح وعند الباب علجان

لولا مخافة ربي أن يعاقبني

لقد دعوت على الشيخ ابن حيان

وروى ياقوت الحموي في “معجم البلدان” أبياتاً لعرقل بن الخطيم يقول فيها:

لعمرك للزمان إلى بثاء

فحزم الأشيمين إلى صباح

أحب إليّ من كنفي بحار

وما رأتالحواطبمن” نساح”

وحجر والمصانع حول حجر

وما هضمت عليه من “النفاح”

و”نساح” هو ” وادي نساح” الذي يصب في الخرج، وحجر والمصانع والنفاح (منفوحة) كلها واقعة في منطقة الرياض اليوم، والمصانع هي آبار المياه، بلغة العرب، وكانت الآبار تكثر في هذه المنطقة ومنها اشتق اسم البلدة.

كذلك ورد ذكر “حجر” في شعر النابغة الذبياني حيث يقول في قصيدة طويلة:

وهم قتلوا الطائي بالحجر عنوة

أبا جابر واستنكحوا أم جابر

ويقول في قصيدة ثانية:

فلميكنولكم أن يقذعوني

ودوني ” عازب ” وبلاد حجر

و”عازب” جبل في اليمامة يصب منه وادي نساح.

أما زهير بين أبي سلمى (وهو من شعراء المعلقات) فقد تردد ذكر “حجر” في غير قصيدة من قصائده، ومن ذلك ما ورد في قوله مخاطباً بني تميم لما بلغه أنهم يريدون غزو غطفان:

ألا أبلغ لديك بني تميم

وقد يأتيك بالخبر الظنون

بأن بيوتنا بمحل حجر

بكل قرارة منها نكون

وله قصيدة راثية مطلعها:

لمن الديار بقنة الحجر

كذلك وردت “حجر” في شعر أبي ذويب الهذلي حيث يقول في إحدى قصائده:

كان حدوج الحي حين تحملوا

حدائق دوم القادسية أو حجر

ولما حبس الحجاججحدراًالعكلي (وكان يقطع الطريق في اليمامة)، قال قصيدة في الحنين إلى “حجر” وهو يرزح في غياهب السجن بالشام، مطلعها:

لقد صدع الفؤاد وقدشجاني

بكاء حمامتين تجاوبان

تجاوبتا بصوت أعجمي

على غصنين من عرب وبان

فأسبلت الدموع بلا احتشام

ولم أك باللئيم ولا الجبان

إلى أن يقول:

أيا أخوي من جشم بن بكر

أقلا اللوم أن لا تنفعاني

إذا جاوزتم اسعفا تحجر

وأودية اليمامة فأنعياني

ويذكر الشاعرطهمانبن عمرو بن سلمة الكلابي ” حجراً ” وكان مروان بن الحكم الأموي قد هم بقطع يده:

ولا خير في الدنيا وكانت حبيبة

إذا ما شمال زابلتها يمينها

وقد جمعتني وابن مروان حرة

كلابية فرع كرام غصونها

ولو قد أتى الأنباء قومي لقلصت

إليك المطايا وهي خوص عيونها

وأن بحجر والخضارم عصبة

حرورية جنا عليك بطونها

و”الخضرمة” قربمنفوحةوفي الخرج توجد “الخضارم” وكانت تسكنها قبيلة جديس.

ووردت في “معجم البلدان” أبيات ليحيى بن طالب (وهو أحد بني ذهل بنالدؤلبن حنيفة وكان شيخاً ديناً يقرئ أهل اليمامة، وكانت له ضيعة باليمامة فركبه دين، لسخائه، فهرب إلى العراق فخراسان) يحن فيها إلى “حجر” واليمامة:

الأهل لشيخ وابن ستين حجة

بكى طرباً نحو اليمامة من عذر

وزهدني في كل خير صنعته

إلى الناس ما جربت من قلة الشكر

إذا ارتحلت نحو اليمامة رفقة

دعاك الهوى واهتاج قلبك للذكر

فواحزنيمما اجن من الأسى

ومن مضمر الشوق الدخيل إلى حجر

تغربت عنها كارهاً وهجرتها

وكان فراقيها أمر من الصبر

فيا راكب الوجناء أبت مسلماً

ولا زلت من ريب الحوادث في ستر

إذا ما أتيت العرض فاهتف بأهله

سقيت على شحط النوى مسبل القطر

منفوحة..بلد الأعشى

“منفوحة” بلدة قديمة ولد فيها الشاعر الشهير أعشى قيس (من شعراء المعلقات)،وهي اليوم حي من أحياء مدينة الرياض، وما تزال تحمل اسمها القديم، وقد وصفها ياقوت الحموي في “معجم البلدان” بقوله: “على شط اليمامة قرية في حجر اليمامة قبلتها من الوتر (وادي البطحاء) والعرض (وادي حنيفة) قد اكتنفها حجر اليمامة “. وكان لهذه البلدة حظ وافر من الشهرة لاقترانها باسم الشاعر الأعشى الذي ذكرها كثيراً في شعره، وقد روى صاحب كتاب “الأغاني” عن أحدهم، قال: “أتيت اليمامة فمررتبمنفوحةالتي يقول فيها الأعشى:

بسفح منفوحة فالحاجر

فقلت: هذه قرية الأعشى؟ قالوا: نعم، قلت: أين منزله؟ قالوا: ذاك، وأشاروا إليه، فقلت: وأين قبره؟ قالوا بفناء بيته.

والشطر المذكور من قصيدة الأعشى التي يقول فيها:

شافتك من قيلة أوطانها

بالشط فالوتر إلى الحاجر

فركن مهراس إلى مارد

فقاع منفوحة فالحائر

وجميع الأمكنة الواردة في هذين البيتين باقية إلى اليوم.

وادي الوتر (البطحاء)

يخترق هذا الوادي مدينة الرياض، ويصب في وادي حنيفة. ويعرف عند أهل الرياض اليوم باسم “وادي البطحاء”، وفي وادي الوتر يقول الحفصي:

يذودها عن زعري بوتر

صفائح الهند وفتيان غير

ولوادي الوتر رافد يسمى “أبو رفيع ” ينحدر من المرتفعات الموجودة بين الواديين، وقبيل وصوله إلى الرياض ينقسم إلى شعبتين إحداهما تتجه جنوب غرب وتصب في وادي حنيفة، ويسمى هذا المجرى “الآيسن”، أما الشعبة الثانية فتظل تحتفظ باسم ” أبو رفيع” الذي يصب في وادي الوتر (البطحاء). وكان هذا الوادي يقتحم أحياناً مدينة الرياض إلى عهد غير بعيد ويحدث بعض الأضرار، كما حدث ذلك في عام 1338هـ (1908م) ولا يزال أهل الرياض يؤرخون بتلك الحادثة فيقولون سنة أبو رفيع، وبعد اتساع مدينة الرياض وامتداد عمرانها تم بتر هذان المجريان وتم تحويل مياههما إلى وادي حنيفة.

وادي حنيفة

يعتبر وادي حنيفة أهم معلم طبيعي في مدينة الرياض، وهو يحتوي على معظم ما تبقى من مظاهر البيئة التقليدية في منطقة الرياض والمتمثلة في القرى والبساتين والمزارع المنتشرة فيه. وكانت المنطقة المحيطة بالوادي، لمئات السنين ذات أهمية تجارية وتأثير سياسية امتد حتى خارج حدود الجزيرة. وتعكس ذلك المعالم والمواقع التراثية المنتشرة في أرجاء هذه المنطقة.

عرف هذا الوادي بـ” عرض بني حنيفة” و ” وادي غاف”، ووادي ” الباطن” وهو يُقبل من الناحية الشمالية الغربية ويذهب إلى الناحية الجنوبية الشرقية بالنسبة إلى الناحية التي يجري فيها من جبل “طويق” وبهذا فإن ثلاثة أرباع طوله تمر في هذا الجبل، ومن اجل ذلك كان أطول الأودية التي تنحدر من جبل طويق مدى، وكان أخصبها لأن مسيرة السحب في موسم الأمطار في هذه المنطقة، تأتي من الغرب إلى الشرق غالباً، ومعنى ذلك أن وادي حنيفة وروافده من الجانبين يعترض مسيرة السحب حوالي مائة وخمسين كيلاً، وإذا فاتت الأمطار جهة منه لم تفت الجهة الأخرى في محيط هذه المسافة، فكثيراً ما يمطر أعلاه أو وسطه أو جزء منه فينتظم سيله بقية الوادي.

وقد تردد ذكر وادي حنيفة وروافده وقراه ومناهله ووقائعه في أخبار العرب الأقدمين، وأشعارهم، بصورة تعكس عمق الصلة بين هذا الوادي وحياة المجتمعات التي تشكلت على ضفافه عبر القرون، وبخاصة في أجزاء هذا الوادي الواقعة في منطقة الرياض. وكثيراً ما يرد ذكره باسمه منفرداً أحياناً أو مع غيره من أعراض (أودية) اليمامة في أحيان أخرى، مثل عرض “شمام” بمنطقة “القويعية” وعقيق اليمامة وغيرها. كما ورد ذلك في قصيدةلامرئالقيس بن حجر الكندي (من شعراء المعلقات) التي يقول فيها:

ألا عم صباحاً أيها الربع فانطق

وحدث حديث الركب إن شئت فاصدق

وحدث بأن زالت بليل حمولهم

كنحل من الأعراض غير منبق

وقال مالك بن حريم الهمذاني يذكر أعراض اليمامة (ومنها وادي حنيفة):

سنحمي الجوف ما دامت معين

بأسفله مقابلة عرادا

ونلحق منيزاح مناعليه

بأعراض اليمامة اوجرادا

وورد ذكر عرض (وادي) حنيفة في قصيدة للشاعر الأموي الفرزدق يمتدح فيها أهل هذا الوادي حيث يقول:

لعمري لقد سلت حنيفة سلة

سيوفاً أبت يوم الوغى أن تعيرا

سيوفاً بها كانتجنيفة تبتنى

مكارم أيام تشيب الحزورا

بهن لقوا بالعرض أصحاب خالد

ولو كان غير الحق لاقوا لأنكرا

ولولا سيوف من حنيفة جردت

ببرقان أمسى كاهل الدين أزورا

كذلك زخر الشعر العربي القديم بذكر روافد وادي حنيفة ومناهله وقراه ووقائعه. من ذلك قول الإمام علي بن أبي طالب –رضي الله عنه-حينما خذله قومه وقعدوا عن نصرته:

ولو أني أطعت عصبت قومي

إلى ركن اليمامة اوشمام

ولكني إذا أبرمت أمراً

منيت بخلف آراءالطغام

و”ركن اليمامة” هي “حجر” و”شمام” من روافد وادي حنيفة.

ووردت إشارة لوادي نمار (وهو من روافد وادي حنيفة) في قصيدة للحفصي (وهو من شعراء نجد تردد ذكره في معجم البلدان) يقول فيها:

وما ملكبأعزرمنه نيلا

ولا وادبأنزهمن نمار

حللت به فأشرق جانباه

وعاد الليل فيه كالنهار

كذلك ورد ذكر لوادي نمار في قصيدة للأعشى حيث يقول:

قالوا:

نمار فبطن الحال جادهما

فالعسجدية فالابلاء فالرجل

أما وادي الهدار – وهو غير الهدار في الجنوب – المعروف اليوم باسم “الهديدير” وهو رافد بأعلى وادي حنيفة وعليه تقع قرية أباض (وتسمى أيضاًبوضة) وعندها كانت وقعة خالد بن الوليد –رضي الله عنه – مع مسيلمة الكذاب، فقد ورد ذكره في قصيدة لموسى بن جابر العبيدي الحنفي يقول فيها:

فلا يغرنك فيما مضى

جخيف قريش وإكثارها

غداة علا عرضنا خالد

وسالت أباض وهدارها

وفي تلك الواقعة يقول الراجز

يوم أباض إذ نسنا ليزنا

والمشرفي اتتقد البدنا

و”أباض” كما يقول ياقوت الحموي: “لها نخل كثير لم ير نخل أطول منها”.

كذلك يرد ذكر “عقرباء” بجوار ” الملقى” و”ملهم” و”الحائر” – وكلها من قرى وادي حنيفة – في كثير من أشعار الأقدمين. من ذلك ما ورد قصيدة لضرار بن الأزور قالها في وقعة عقرباء:

ولو سئلت عنا جنوب لأخبرت

عشية سالت عقرباء وملهم

وورد ذكر لقرية ” الحائر ” في قصيدة لأعشى قيس سبقت الإشارة إليها حيث يقول:

شاقتك من قتلة أوطانها

بالشط فالوتر إلى الحاجر

فركن مهراس إلى مارد

فقاع منفوحة فالحائر

المراجع

  • معجم البلدان لياقوتالحمودي.
  • ديوان امرئ القيس بن حجر الكندي.
  • كتاب “الأغاني”لأبيالفرجالأصفهاني.
  • صحيح الأخبار عما في بلاد العرب من الآثار للشيخ محمد بن عبد الله بنبلهيد.
  • المجاز بين اليمامة والحجاز للأستاذ عبد الله بن محمد بن خميس.
  • الأعلام لخير الدين الزركلي.