في قناة الصرف في وادي حنيفة…استخدام النظم الطبيعية لتنقية المياه

أقرت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض في اجتماعها المنعقد في 21/5/1413هـ المرحلة التنفيذية الأولى لتطوير وادي حنيفة. تتمثل هذه المرحلة من البرنامج التنفيذي في إنشاء مجرى في الوادي لتنظيم سريان المياه المتدفقة فيه إلى مصباتها النهائية، إلى جانب تخفيض منسوب المياه الأرضية المرتفع في منطقة الوادي. ذلك أن المياه المصروفة من المدينة تتدفق في الوادي بمعدل يصل حالياً إلى 300 ألف متر مكعب يومياً، وستزداد كميات هذه المياه مع الاستمرار في تنفيذ شبكات تخفيض منسوب المياه الأرضية في المدينة، والتوسع في شبكات تصريف السيول، وستصل كميات المياه المصروفة من المدينة إلى الوادي بعد اكتمال تنفيذ شبكات تخفيض منسوب المياه الأرضية إلى 500 ألف متر مكعب يومياً في فصل الجفاف. أما في موسم الأمطار فتزيد كميات المياه المتدفقة في الوادي عن ذلك حسب معدل هطول الأمطار.

وتمتد المرحلة الأولى من هذا المجرى من مصب وادي الأسين بالقرب من جسر العريجاء حتى تقاطع وادي حنيفة مع قناة البطحاء بطول 12 كيلو متراً. ويتراوح عرض المجرى بين 11 متراً و20 متراً، وعمقه بين 3.5متراً و6.5متراً. وينتظر أن يتراوح تصريف المياه في المجرى بين 300 ألف متر مكعب و500 ألف متر مكعب يومياً في فصل الجفاف، ويصل إلى مليوني متر مكعب يومياً في حالة حدوث فيضانات، حيث صمم الجزء الأسفل من المجرى لسريان المياه المتدفقة باستمرار من المدينة إلى الوادي من مختلف المصادر في المواسم الجافة، فيما صمم الجزء العلوي بالاتساع الكافي لتصريف مياه الفيضانات العالية.

وقد روعي في تصميم هذا المجرى أن يكون منسجماً مع البيئة الطبيعية للوادي، وسيراعى ذلك في تنفيذه، مع الإفادة من الفرص الترويحية التي يمكن أن يهيئها بقية أجزاء الوادي.

ويأتي إنشاء هذا المجرى في إطار برنامج تطوير وادي حنيفة الذي تقوم عليه الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض في إطار برنامجها لحماية البيئة وإدارتها، باعتبار هذا الوادي أحد أبرز المعالم الطبيعية في مدينة الرياض، وتقديراً لأهميته لكونه منطقة ذات خصائص طبيعية نادرة ومقومات عديدة ينبغي المحافظة عليها، وبالنظر إلى أن بيئة الوادي الحساسة تتعرض لضغوط لا تحتملها في غياب خطة لحمايته وإنمائه.

يلاحظ لدى دراسة البيئات الطبيعية المختلفة، انعدام وجود النفايات، ذلك أن نفايات بعض الكائنات هي، في الواقع، غذاء ومصدر طاقة لكائنات أخرى. فأوراق الأشجار مثلا، تتحلل إلى مواد عضوية تحسن من خواص التربة الطبيعية، وتزود الكائنات الدقيقة بالغذاء والطاقة. وتخلف تلك العمليات الحيوية مواد كيميائية أولية يمكن لجذور النباتات امتصاصها.

تلك هي بصورة مبسطة – دورة الغذاء المتكاملة في الطبيعة، والتي يتمأثناءهااستغلال العناصر المتوفرة في الطبيعة.

هذا التوازن الطبيعي يشكل ضماناً لاستمرار النظم الحياتية المختلفة. وعند حدوث أي اختلال في هذا التوازن (تغير في سلسلة الغذاء) فإن تركيبة النظام الغذائي تتغير بدورها.

في وادي حنيفة

الوضع القائم في بعض أجزاء مجرى المياه بالوادي يشكل دورة غذاء متكاملة في الطبيعة تساهم بتحسين جودة المياه الجارية فيه
مثل هذا التغير تشهده مدينة الرياض في وادي حنيفة. فقد أدى تدفق المياه في هذا الوادي من مختلف المصادر إلى تكون بحيرات دائمة. منها الكبيرة مثل الموجودة في جنوب منطقة الحائر، ومنها الصغيرة كذلك الموجودة في منطقة المنصورية والمصانع. وقد ساعد توفر المياه في تلك المناطق على ظهور مجمعات نباتية متخصصة النمو في المستنقعات والمجاري المائية، كنباتات البوص والبردي.

تتسم هذه النباتات بكثافة الجذور التي تنطلق منها شعيرات جذرية متشعبة تعمل مع وجود التربة كمصفاة طبيعية لتنقية المياه من العوالق، إلى جانب امتصاص النيتروجين والفسفور الذائبين في الماء على صورة مركبات كيميائية مختلفة، وتعمل كذلك على زيادة تركيز الأكسجين في المياه والذي ينتقل عبر الفراغات الهوائية الموجودة في سيقان النباتات إلى جذورها وكذلك إلى الماء.

كما تحتوي المياه الجارية في وادي حنيفة على أسماك تتغذى على الطحالب الناشئة نتيجة وجود النيتروجين والفسفور بصورة مركبات ذائبة في المياه.

كذلك أدى التغير في النظام الرطوبة في وادي حنيفة إلى زيادة أعداد الطيور وأصنافها في المنطقة، حتى تجاوزت (350) صنفاً من طيور مستوطنة ومهاجرة تتغذى على الأسماك والكائنات الحية الأخرى الموجودة في المياه هناك.

هذا الوضع القائم في الوادي يشكل دورة غذاء متكاملة تساهم في تحسين جودة المياه في الوادي. وقد أكدت ذلك الدراسات التي أجرتها الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض لنوعية المياه الجارية في الوادي. إذ تبين أن جودة المياه تتحسن حيث تنخفض نسبة المركبات الكيميائية الذائبة في المياه فيما تزيد نسبة الأكسجين فيها بعد مرورها عبر منطقة تكثر فيها نباتات البوص البرية، كما تبين أن نسبة معسكرات البكتيريا تنخفض في المياه بعد مرورها عبر المنطقة المذكورة.

كيف تعمل النظم الطبيعية لتقنية المياه؟

تتم عملية تنقية المياه بالنظم الطبيعية كنتيجة طبيعية للعمليات الغذائية المركبة التي يشكل فيها نفايات بعض الكائنات الحية مصدر غذاء وطاقات لكائنات حية أخرى. ويتطلب هذه العمليات الغذائية توفر عوامل أساسية معينة هي المياه والتربة الطبيعية والنباتات المائية والكائنات الدقيقة مثل البكتيريا والطحالب. فالمياه تمر عبر المنطقة المزروعة بالنباتات المائية محملة مخلفات المواد العضوية والمركبات الكيميائية الذائبة والعالقة. وتعمل التربة كمصفاة حيث تحتجز المواد العالقة وتتسرب فيها المياه. وتقوم الكائنات الدقيقة بتحليل المواد العضوية العالقة بالمياه إلى مركبات كيميائية تمتصها النباتات المائية كما تمتص الطحالب النيتروجين والفسفور الذائبين في الماء. وتساعد جذور النباتات على تثبيت التربة، كما يمر عبرتجويفاتهذه النباتات الهواء إلى جذورها وإلى الماء أيضا ً فيتهيأ بذلك تكاثر الكائنات الحية الدقيقة. وتتغذى عليها وعلى الأسماك أيضاً – ومختلف أنواع الطيور.

وكنتيجة لهذه العمليات الغذائية المتشبعة تتم تنقية المياه من المواد العضوية العالقة والمركبات الكيميائية الذاتية، كما يستمر عن طريقها التوازن البيئي الدقيق.

مشروع تجريبي رائد في وادي حنيفة

قادت المؤشرات الدالة على تحسن نوعية المياه الجارية في وادي حنيفة بعد مرورها عبر منطقة النباتات البرية-إضافةإلى توفر الظروف الطبيعية والمناخية والإحيائية الضرورية لاستخدام النظم الطبيعية في تنقية المياه- إلى التفكير في استخدام هذه النظم في تنقية المياه في المجرى المائي الذي تزمع الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض إنشاءه في وادي حنيفة.

ونظراً إلى أن طريقة تصميم هذه النظم وكفاءتها تتغير حسب الظروف المناخية والإحيائية وطبيعة التربة ونوعية المياه. فستقوم الهيئة بإنشاء مشروع تجريبي رائد (pilot project) في الوادي لتحديد كفاءة النظم الطبيعية لتنقية المياه في الظروف الطبيعية السائدة في الوادي، ومن ثم تحديد تصور ومقاييس النظام المذكور.

ستطبق هذه التجربة على أرض مساحتها (150) ألف متر مربع ستزرع بنباتات البوص والبردي. وسيتم تقسيم المجرى المائي قبل مروره بهذه المنطقة إلى فرعين رئيسي وثانوي. وسيمر الفرع الثانوي عبر منطقة المشروع التجريبي، حيث يتم التحكم في كمية المياه المتدفقة فيه وقياس نوعيتها وجودتها والتغيرات الطارئة عليها بعد مرروها بمنطقة المشروع، وكذلك التغيرات التي تحدث في التربة ومعدل نمو النباتات، مع عمل ميزان مائي وكيميائي، وتسجيل البيانات المناخية في المنطقة.

وتكفي أرض مساحتها 10.000 متر مربع لتنقية حوالي 570 متر مكعب من مياه الصرف الصحي غير المعالجة يومياً. وتتراوح كميات المياه التي يمكن معالجتها في المساحة المذكورة بين (100) متر مكعب يومياً و(2730) متراً مكعباً يومياً، حسب درجة تلوث المياه والظروف المناخية والإحيائية وطبيعة التربة.