الرحالة الأوروبيون الذين زاروا الجزيرة العربية

بقيت الجزيرة العربية – وبخاصة بلاد نجد – في منأى عن اهتمام الرحالة الأوروبيين، ومغامراتهم، حتى القرن الثاني عشر الهجري (الثامن عشر الميلادي) حيث شرعوا يتوافدون عليها في رحلات متعاقبة، إما لأغراض سياسية بتكليف من حكومات بلادهم، أو لغرض الاستكشاف العلمي ودراسة أحوال الجزيرة وطبيعة الحياة الاجتماعية فيها.

كانت البداية على يد الرحالة الدنماركي (الألماني الأصل)كارستننيبورالذي قام برحلته للجزيرة العربية عام 1762م وتبعه بعد حين العالماليسوعيالفرنسيفولنيالذي وصل إلى الشام وفلسطين ولم ينجح في الوصول إلى الجزيرة العربية، ومع ذلك فإن كتاباته وملاحظاته عن قبائل الجزيرة تتميز بالدقة والإحكام.

ثم جاءالأسبانيبادياآيليبليخ(كان يعمل مخبراً لنابليون) عام 1807 م وتجول في الحجاز ولم يصل إلى نجد.

وفي عام 1814 م وصل الرحالة السويسري (بريطاني الجنسية)بوركهاردتإلى شمال الجزيرة وجمع معلومات كثيرة جداً عن الجزيرة العربية وحياة سكانها استناداً إلى أحاديثه الشخصية مع الحجازيين والنجديين، ودرس دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب التجديدية، وتركيب الدولة السعودية الأولى، وتناول الشريعة والعلاقات الاجتماعية عند البدو والحضر.

وفي عام 1819 م عبر الضابط البريطاني جسادلرالجزيرة العربية من القطيف إلى ينبع، وزار مدينة الرياض.

وفي 1862 – 1863 م وصلاليسوعيويليامبلغريفالذي أدعى أنه طبيب سوري نصراني إلى أواسط نجد وزار الرياض وتحول منها إلى القصيم والإحساء، ووضع مخططاً دقيقاً لأحياء الرياض آنذاك.

بعد ذلك بعامين، قام العقيد لويس بيلي (المقيم البريطاني في بو شهر) بزيارة لمدينة الرياض، في عهد الإمام فيصل بن تركي، وأقام بالمدينة أربعة أيام، وسجل مشاهداته وانطباعاته في تقرير رسمي أعده في 15 مايو عام 1866 م وأرفقه بملاحق تفصيلية.

الرحالة لويس بيلي أول من حدد موقع مدينة الرياض حسب خطوط الطول والعرض

الرياض قبل 127 سنة كانت فسيحة ولطيفة دون زخرف أو بهرجة

كان نصف النفقات في الرياض يخصص لصيانة المساجد والآبار والشؤون الاجتماعية

بدأ العقيد لويس بيلي، المقيم البريطاني في بو شهر، رحلته في السابع عشر من فبراير عام 1865 م منطلقاً من الكويت عبر منطقة “العدان” و “الشق” و “الصمان” و “الدهناء” و “العرمة” و “العارض” وصولاً إلى مدينة الرياض، وقد دخل المدينة قادماً من منهل “الغيلانه” بأسفل وادي الثمامة الشرقي و “عريقبنبان” فبلدة “سدوس” و “الملقى”، واستغرقت رحلته من الكويت إلى الرياض ستة عشر يوماً حيث وصل إليها في الخامس من شهر مارس لعام 1865 م.

يتضمن تقرير بيلي وصفاً دقيقاً لوادي حنيفة وبعض روافده، والقرى والبلدان الصغيرة المتناثرة على مقربة من الرياض ثم يصف الدرعية قائلاً “وصلنا إلى حصون الدرعية، العاصمة القديمة، وأطلالها”. كان طريقنا يمر عبر التحصينات المهملة، وكانت البلدة تقع إلى يميننا وقد اتخذت موقعاً رائعاً في تجويف يؤدي إلى أسفل وادي حنيفة، كان الموقع يبدو خالياً تماماً، وكانت أطلاله التي تمتد إلى مسافة غير قصيرة تشتمل على كثير من البيوت ذات الطوابق.. وقبل وصولنا إلى الرياض بحوالي ومزرعة للأمير، وبعد أن سرنا منحدرين شاهدنا بلدة الرياض تمتد أمامنا وعلى يميننا، وقد بنيت على مرتفع من الأرض لا يبعد كثيراً عن وادي حنيفة، وقد بدت البلدة فسيحة ولطيفة دون زخرف أو بهرجة، فقد كانت بناياتها من اللبن فيما ازدهرت ضواحيها ببساتين النخيل، القليلة والمبهجة.. أما في المناطق المجاورة للرياض فقد كانت هناك أراض مزروعة تعتمد في ريها على آبار يصل عمقها إلى 47 قدماً.. وبصورة عامة فإن البلدة وضواحيها تبدو بجلاء أن هناك من يتعهدها ويرعاها.

قصر الإمام فيصل بن تركي

بعد وصوله إلى الرياض ولقائه بالإمام فيصل بن تركي في قصره، يصف بيلي هذا القصر قائلاً: “.. يقع القصر في وسط البلدة، وثمة أمامه ميدان واسع، وبعد بوابة القصر الخارجية مباشرة كان هناك عدد قليل من المدافع القديمة تعوق المرور، لم يكن أي جزء من المبنى متسماً بالتعقيد، أما قاعة الاستقبال فهي عبارة عن قاعة سفلية طويلة ذات أعمدة خشبية كانت قد قطعت بطريقة بدائية، وكان الدخول للقاعة عن طريق سلم معتم”.

وبعد اللقاء الأول مع الإمام فيصل بن تركي رسم بيلي صورته على النحو التالي: “وجدت الإمام جالساً في الركن الأبعد للغرفة على سجادة صغيرة جذابة متكئاً بظهره إلى تكية ثقيلة.. وعندما اقتربت منه نهض بصعوبة، أخذ يدي وتلمسها، كان ضريراً، إلا أن محياه رائع بتقاسيم معتدلة وتعلوه مسحة من الهدوء والصرامة والاطمئنان، كان يبدو في أكثر من السبعين، وملابسه فاخرة تنم عن ذوق رفيع، على كوفيته عمامة من حرير أخضر، نبرات صوته عذبة وكلماته هادئة موزونة، كانت هيئته تدل على الاعتزاز بالنفس وتكاد تتسم بالرقة.. وقد لاحظت أن الإمام فيصل ــ في رأي الجميع ــ كان حاكماً عادلاً صارماً.. وكان يريد أن يغرس بين القبائل عادات أكثر تنظيماً وتوجيه اهتمامها إلى الزراعة والتجارة.. وذكر بيلي أن الإمام أمر بإجراء اتصالات معه، عن طريق سكرتيره، مفادها أنه سيكون مسروراً إذا أمكن جلب بعض الآلات إلى ضواحي الرياض، لرفع الماء، بحيث تكون من نوعية أفضل من آلة الدولاب الفارسي (المحالة أو السواني) التي كانت شائعة في نجد آنذاك.

ويذكر بيلي، كذلك، أنديوزــ أحد مرافقيه ــ رسم صورة للإمام ومخططاً لمدينة الرياض خلال تلك الرحلة، ولكن بيلي أحرقهما قبل مغادرته الرياض في ليلة التاسع من مارس 1865 م.

معلومات علمية عن مدينة الرياض

تكتسب رحلة بيلي إلى الرياض أهمية خاصة بالنظر لما سجله في تقريره من معلومات علمية وما جمعه هو ورفاقه من عينات نباتية وجيولوجية وبيانات إحصائية، إضافة إلى الملاحظاتالانثروبولوجية، كما أنه استطاع أن يحدد، لأول مرة، موقع مدينة الرياض حسب خطوط العرض والطول (تقع الرياض عند خط عرض 2438 وخط طول 4643)، وقد تضمن تقريره ملحقاً يحتوي على قائمة ببعض نباتات وزهور وسط الجزيرة العربية جمعها هو ورفاقه وقاموا بتصنيفها وفقاً لعائلاتها الطبيعية.

كما تحدث مفصلاً عن الموازين والمكاييل التي كانت تستعمل في الرياض وهي مصنوعة من الخشب أو من الصاج، وذكر أن وحدة الوزن الوحيدة المستعملة مصنوعة من الحجر أو الحديد، أما العملة المتداولة في الرياض فقد كانت عملات ذهبية وفضية، تركية (قمرية، روبية، قران) وفارسية (قران) وهندية (بيزة بومباي، روبية) وإنجليزية (جنيه).

مخطط للطرق من وإلى الرياض

كذلك وضع بيلي، في تقريره، مخططاً للطرق من الكويت إلى الرياض عن طريق سدوس ومخططاً للطرق من الرياض إلى الإحساء والعقير، وأوضح المسافات بين الرياض وكل من المدن النجدية، كما وضع قائمة بسلالات الخيول النجدية وذكر أن تصدير الخيول العربية الأصيلة أصبح في عهد الإمام فيصل بن تركي باباً لعائدات مالية ثابتة مشيراً إلى أنه في عام 1863 م بيع من الخيول النجدية، ستمائة حصان بسعر متوسط قدره (150) ريالاً للرأس الواحد.

وقدم بيلي، أثناء زيارته للرياض، جرداً تقريبياً للسكان والمداخيل والعساكر، وتفيد حساباته أن المداخيل كانت 692 ألف ريالاً وأن عدد المحاربين 7900 ويبلغ سكان نجد والاحساء من الحضر 115 ألف نسمة أما البدو فقد بلغ عددهم الإجمالي 20 ألفاً ومداخيلهم 114 ألف ريال، وهناك مداخيل سنوية قدرها مليونا ريال تجبى من الحجاج، إلا أن المستشرق الروسيفاسلييفيشكك في دقة هذه الأرقام ويرى أنه ربما كانت هناك مبالغة في أرقام العائدات، بنما قد يكون عدد الحضر والبدو أكثر من الرقم المذكور وأن بيلي ربما يكون قد أخذ في الحسبان الذكور الراشدين فقط.

ويقول بيلي أن نصف النفقات في الرياض كانت تصرف، فيما يبدو، على الأغراض الحربية، بينما يخصص الباقي للشؤون الاجتماعية كصيانة المساجد والآبار ومعونات المرضى والعجزة ورواتب الموظفين وعلماء الدين والمعونات المقدمة إلى الشيوخ المحليين وأمراء الأقاليم.