مدينة الرياض عبر التاريخ: نواة المدينة الحالية تشكلت في القرن الثاني عشر الهجري لكن موقعها كان مأهولاً بالسكان منذ 30 ألف سنة

تعتبر مدينة الرياض، عاصمة المملكة العربية، واحدة من أحدث مدن العالم، اليوم، وأسرعها نمواً وازدهاراً. ففي أقل من نصف قرن تضاعفت مساحتها مائتي ضعف (من 8كم2 في بداية الأربعينيات إلى 1600كم2 في الوقت الحاضر)، كما تضاعف عدد سكانها خمسة وثمانين ضعفاً (من 20 ألف نسمة في الأربعينيات إلى مليون وسبعمائة ألف حالياً).. وما تزال هذه المدينة تواصل مسيرة النهضة العمرانية والمعمارية الشاملة التي عمت كل أرجائها، إضافة إلى ما تشهده من تطور حضاري وتجاري واقتصادي وصناعي كبير.

لكن ذلك لا يعني أن الرياض مدينة حديثة العهد، فهي ذات جذور راسخة في قلب التاريخ، كما تؤكد ذلك المراجع التاريخية المدونة عن تاريخ المنطقة التي أقيمت عليها مدينة الرياض، والكشوف الأثرية التي تمخضت عنها بعض الأحافير المعاصرة.

والمعروف أن نواة مدينة الرياض الحالية تشكلت في القرن الثاني عشر الهجري من مجموعة من القرى (معكالومقرن والعود وغيرها) وما حولها من الأراضي الواسعة التي كانت في القديم حدائق وبساتين غناء. ويرجح بعض المؤرخين وعلماء الآثار أن المنطقة التي تقوم عليها مدينة الرياض اليوم شهدت وجوداً بشرياً منذ حوالي ربع مليون سنة، حيث تم العثور على أدوات حجرية يتراوح عمرها ما بين مائة ألف سنة ومائتين وخمسين ألف سنة، وذلك خلال أعمال الحفر التي جرت عند إنشاء مطار الملك خالد الدولي الذي افتتح عام 1404هـ شمال شرقي الرياض (مجلة أطلال / إدارة الآثار والمتاحف بوزارة المعارف السعودية /العدد السادس).

وهناك أدلة أخرى على قدم عهد النشاط البشري في المنطقة المحيطة بموقع الرياض، وهي عبارة عن مجموعة كبيرة من الأدوات الحجرية المصنوعة من حجر الصوان التي تمثل العصور الحجرية الثلاثة: القديم، الأوسط، والحديث. وهي معروضة في المتحف الوطني للآثار بمدينة الرياض. كما أن هناك أدلة أخرى على أن هذه المنطقة كانت مأهولة بالسكان منذ حوالي ثلاثين ألف سنة. وهذه الأدلة عبارة عن أحافير متحجرة وشبكة مهجورة من المسايل والمصارف لتصريف مياه الأمطار والسيول التي كانت تتجمع في الأودية بالمنطقة.

أما أقدم المراجع التاريخية المدونة عن تاريخ المنطقة التي أقيمت عليها مدينة الرياض فهي ترجع إلى عام 715 قبل الميلاد، حيث تشير تلك المراجع إلى وجود مدينة في ذلك التاريخ تدعى “حجر” كانت عاصمة لإقليم “اليمامة” الذي كان يضم العارض والحوطة والحريق وسدير والمحمل والخرج والأفلاج وغيرها. ويروي المؤرخون أن مدينة “حجر” كانت تقع بين وادي الوتر (المعروف باسم بالبطحاء اليوم) ووادي العرض (المعروف باسم وادي حنيفة) إلا أنها تنتشر على جوانب (البطحاء) شرقاً وغرباً وتمتد بامتداد الوادي وترتفع عن مجرى السيول فيما بين جبل الخربة (أبو مخروق) حتى تقرب من بلدةمنفوحة.

وقد عرف اسم “حجر” مقروناً باسم قبيلة “طسم” التي شيدت فيها عدداً من الحصون الشهيرة مثل “بتيل حجر” و”معتق” و”الشموس”و”الثرملية” التي بقيت أثارها حتى أول القرن الرابع الهجري، كما أن بعض الآثار المنسوبة إليها ما تزال باقية بقرب (العلا). ثم اقترن اسم هذه المدينة، بعد ذلك، بقبيلة “جديس” وطسم وجديس من العرب البائدة.

وقبل ظهور الإسلام بقرنين من الزمان، حل بنو حنيفة بأرض اليمامة، وفي عهدهم أصبحت “حجر” مركز اليمامة ومقر ولاتها واتخذها العرب سوقاً من أسواقهم يفدون إليها للتجارة والمنافرة والمفاخرة ويقيمون فيها من اليوم العاشر من محرم إلى نهاية الشهر من كل عام.

وقد تعرضت مدينة “حجر” لغزوات كثيرة لم تنل منها بسبب منعتها وإحاطتها بالحصون القوية.

وكان من بين غزاتها الشاعر الشهير عمرو بن كلثوم التغلبي (من شعراء المعلقات) لكنه هزم ووقع في الأسر وحبس في أحد قصور “حجر” ثم أطلقه بنو حنيفة وأكرموه، وقد سجل الحادثة في شعره.

وبقيت “حجر” مركزاً لليمامة خلال العصر الأموي واستمرت كذلك حتى القرن الثالث الهجري في عهد العباسيين. لكن شمسها بعد ذلك بدأت بالأفول وأخذت تفقد بريقها شيئاً فشيئاً.

وفي النصف الأول من القرن الخامس الهجري زار الرحالة الفارسي ناصرخسرواليمامة (آخر جمادى الثانية عام 443هـ) ووصفها بقوله: “وفي اليمامة حصن كبير قديم، والمدينة والسوق – حيث يوجد صناع من كل نوع – يقعان خارج الحصن، وفيها مسجد جميل. وفي اليمامة مياه جارية في القنوات، وفيها نخيل، وقيل إنه حين يكثر التمر يباع الألف من منه بدينار”.

أما الرحالة العربي الشهير ابن بطوطة فقد زار مدينة “حجر” في القرن الثامن الهجري وكتب عنها يقول.. “ثم سافرنا إلى مدينة اليمامة وتسمى(حجر) وهي مدينة حسنة خصبة ذات أنهار وأشجار، ويسكنها طوائف من العرب أكثرهم من بني حنيفة وهي بلدهم قديماً..”.

وفي القرن العاشر الهجري تفتتت مدينة “حجر” و تناثرت إلى قرى صغيرة منها: مقرنومعكالوالعود والبنية والصليعاء وجبرة والخراب، وكانت كلها من أحياء مدينة “حجر”.

ويقول الأستاذ حمد الجاسر أن اسم “الرياض” بدأ يطلق على هذه المدينة في القرن الحادي عشر الهجري، مستنداً في ذلك إلى إشارة وردت في تاريخ ابن بشير حيث يقول: “..في سنة تسع وأربعين وألف توفي قاضي الرياض..” أما اسم “حجر” فقد انحسر حتى بات يطلق على جزء صغير من موضع المدينة القديم، ثم تقلص حتى صار يطلق على بئر كانت تقع على الضفة الغربية من وادي (البطحاء) في داخل مدينة الرياض، بين شارعي الملك سعود والملك فيصل.

وقد أصبحت مدينة الرياض قاعدة للدولة السعودية الثانية من منتصف عام 1240هـ وهو العام الذي انتقل فيه الإمام تركي بن عبدالله آل سعود إليها واتخذها قاعدة لملكه.

وظلت كذلك زهاء ستين سنة حيث تعرضت بعد ذلك لسلسلة من الفتن والحروب هدمت خلالها أسوارها وقصورها ولم تعرف الطمأنينة والاستقرار إلا بعد أن استرجعها الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل في الخامس من شوال عام 1319هـ.

ومنذ ذلك اليوم ظلت الرياض تسجل صعوداً دائماً مع تعاظم قوة الملك عبدالعزيز وازدياد نفوذه، لكن المدينة لم تشهد أي تغيير من الناحيتين العمرانية والمعمارية باستثناء بناء أسوار المدينة من جديد، إلا بعد عام 1329هـ (1911م) بعد أن أرسى الملك عبدالعزيز قواعد الكيان الكبير وأتيح له أن يتفرغ للأعمال العمرانية فبدأ بتوسيع وإعادة بناء القصر القديم ليتخذه مقراً للحكم. وقد استمر نمو المدينة وتواصلت مسيرة التنمية والتطوير فيها، طوال نصف القرن الماضي، حتى باتت اليوم من الحواضر العالمية الكبرى.