إحياء سور وبوابات مدينة الرياض

الأسوار من المعالم الرئيسية للمدن التاريخية العريقة، حيث كانت هذه المدن تحرص على إحاطة نفسها بأسوارموطدةحصينة شاهقة، لتدفع عن سكانها غائلة العدوان. وما يزال بعض هذه الأسوار، أو أجزاء منها، باقية إلى اليوم، في كثير من العواصم والمدائن العالمية الكبرى.

ومدينة الرياض – شأنها في ذلك شأن مثيلاتها من المدن التاريخية العريقة – كانت قد شيدت لنفسها سوراً (حامياً) حصيناً كثيراً ما رد عنها غارات المغيرين وكيد المعتدين. وما تزال آثاره إلى اليوم، ماثلة للعيان، وتروى فصولاً من أسفار تاريخ هذه المدينة العريقة، عبر الأجيال والقرون.

وقد وردت إشارات لهذا السور في كثير من كتب المؤرخين العرب، مثل عثمان بن بشير صاحب كتاب ” عنوان المجد في تاريخ نجد” تدل على أن سور الرياض تعرض كثيراً للهدم والدمار نتيجة الغزوات والحروب في فترات متعددة لكن سرعان ما كان يعاد بناؤه من جديد.

وتحدث عن هذا السور الرحالة وليام بالجريف الذي زار المنطقة عام 1279هـ (1862م) وسجل انطباعاته ووقائع رحلته في كتاب وصف فيه مدينة الرياض آنذاك حيث يقول ” يحيط بالمدينة سور من جميع جهاتها يختلف ارتفاعه من مكان إلى آخر ويتراوح ما بين عشرين إلى ثلاثين قدماً في الارتفاع. ويحمي السور خندق وحواجز تمتد على امتداد السور”.

وأقدم ما عرف عن أسوار الرياض هو ما ذكر عن أسوار دهام بن دواس، لأن هذه المدينة سورت في العصر الجاهلي والعصر الأموي عندما كانت تعرف بـ”حجر” كما سورت في أيام مقرنومعكالقبل دهام بن دواس.

وتذكر بعض الروايات التاريخية أن دهام بن دواس هو الذي أقام سوراً شاملاً لمدينة الرياض وما حولها من أحياء ومزارع بما فيها قريةمنفوحةوالقرى الصغيرة الأخرى حوالي عام 1116هـ (1704م). أما السور الذي أقامه الإمام تركي بن عبدالله مؤسس الدولة السعودية الثانية على أنقاض سور دهام بن دواس فقد كان خاصاً بمدينة الرياض فقط. وقد هدم ابن رشيد في شهر صفر عام 1309هـ السور الذي بناه الإمام تركي.

وبعد فتحه لمدينة الرياض سنة 1319هـ أقام الملك عبدالعزيز- رحمه الله – سوراً يحيط بالمدينة استغرق بناؤه أربعين يوماً، ويحتوي على عدة بوابات في مختلف جوانب السور وجهاته. حيث يوجد في الشرقبواية”دروازة”الثميريالذي أطلق عليها هذا الاسم نسبة إلى رجل من أهل حريملاء قتل عند هذا الباب. وفي الشمالدروازةآل سويلم ” نسبة إلى أسرة معروفة من أسر الرياض”. وفي الجنوب “دروازةدخنة” وقد سميت بهذا الاسم لمجاورتها حي دخنة الذي سمي باسم بئر كان يستقي منها ماء الشرب. وفي الجهة الغربية “دروازةالمذبح” لكون الجزارين والقصابين يذبحون الإبل والبقر والغنم خارجها ثم ينقلون الذبائح إلى داخل البلدة.و”دروازةالشميسي” وكانت قبل ذلك تشمل “دروازةالمريقب” (تصغير كلمة مرقب) وتقع في الجنوب الغربي من المدينة. بالإضافة إلى بعض البوابات “الدراويز” الأخرى الصغيرة والتي كانت مخصصة لدخول وخروج الراجلين فقط.

ففي جنوب الرياض إلى جانبدروازةدخنة الرئيسية بوابة صغيرة تسمى “دروازةعرعير” وفي الشرق بوابة صغيرة إلى جانب بوابةالثميريتسمى “دروازةالقري”، وفي الشمال بوابة صغيرة إلى جانب بوابة آل سويلم تسمى “دروازةالظهيرة”، وفي الجنوب الغربي بوابة صغيرة إلى جانب بوابةالمريقبتدعى “دروازةمصدة” و”دروازة” كلمة فارسية شاع استعمالها بعد تعريبها في نجد والخليج العربي.

وقد تحدث عبد الله فلبي عن هذا السور الذي بناه الملك عبدالعزيز، في معرض وصفه للرياض عام 1335هـ حيث ذكر أنها كانت ” محاطة تماماً بسور سميك من عروق الطين المجفف ارتفاعه (25) قدماً تعترضه حصون وأبراج حراسة دائرية في غالبيتها تميل قليلاً عند القمة، وهناك القليل منها مربع أو مستطيل الشكل، ويتراوح ارتفاعها ما بين ثلاثين وأربعين قدماً وتبرز عموماً خارج خط السور لسهولة الأغراض الدفاعية، ويوجد في السور عدد من البوابات المحصنة.

وفي منتصف القرن الماضي بدأ العمران في الرياض خارج سورها بسبب ازدياد السكان وتطور الحياة فيها، وقد انتشر هذا العمران وتزايد واتسع مع الأيام، حتى اقتضت الضرورة إزالة هذا السور في عام 1370هـ.

وقد نشأت فكرة إحياء سور وبوابات الرياض القديمة عندما رأت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض ضرورة إحياء وتجديد السور والبوابات كجزء من برنامج الهيئة لتطوير المنطقة التاريخية التراثية في وسط المدينة ضمن مسؤوليات الهيئة بالمحافظة على التراث العمراني للمدينة في إطار برنامج التنمية الثقافية والاجتماعية والحفاظ على التراث الذي تقوم عليه الهيئة ضمن برامجها الأخرى.

وتجرى ضمن أعمال المرحلة الثانية من تطوير منطقة قصر الحكم، إعادة بناء أجزاء من هذا السور وإظهار الأجزاء التي يتعذر بناؤها على الأرض، وقد أعيد بناء بوابتين اثنتين من بوابات المدينة التاريخية هما بوابتاالثميريودخنة وبرج الديرة. كذلك انتهى العمل في إعادة بناء جزء من السور الشرقي للرياض القديمة الذي اكتشف في فترة سابقة.

وقد تم تحديد مسار السور والبوابات هذه وأشكالها والمواد المستعملة في بنائها، بالرجوع إلى مصادر متعددة داخل وخارج المملكة، وتحليل ومقارنة المعلومات التي تم الحصول عليها من هذه المصادر مما أتاح إمكانية تصميم هذه البوابات بمنظرها الأصلي من حيث الشكل والمظهر.