في رحلة سادلير من القطيف إلى ينبع: الرياض والدرعية ومنفوحة قبل 175 سنة

ظلت الجزيرة العربية، منذ القرن الثامن عشر وحتى وقت قريب، محط أنظار الرحالة الأوروبيين الذين توافدوا عليها في رحلات متعاقبة لاستكشاف مجاهيل الجزيرة ودراسة أحوالها والتعرف إلى طبيعة الحياة الاجتماعية فيها، بعد أن أخذت الجزيرة العربية تحظى باهتمام متزايد من قبل الدول الأوروبية المتطلعة للوصول إلى الشرق العربي.

وكان الرحالة الدنماركينيبورأول من قام برحلة إلى الديار النجدية وذلك قبل أكثر من مائتي عام، ثم جاء من بعده الرحالة السويسريبوركهاردت(1814- 1815م) الذي جمع معلومات كثيرة جداً عن الجزيرة العربية ودرس تاريخ دعوة التجديد التي قادها الإمام محمد بن عبدالوهاب وتركيب الدولة السعودية الأولى وتناول العلاقات الاجتماعية عند البدو والحضر واهتم بأشكال الأسرة والملكية.

وفي عام 1819م عبر الضابط البريطاني جورج فورسترسادليرالجزيرة العربية من القطيف إلى ينبع، وتوقف خلال رحلته في أوائل شهر أغسطس (آب) في كل من الرياضومنفوحةوالدرعية وغيرها. وقد دون في كتابه “رحلة عبر الجزيرة العربية” الكثير مما رآه وصادفه في هذه الرحلة الطويلة الشاقة عن أحداث ورجال تلك الفترة وعن البلدان والقرى والمياه والأراضي التي مر بها.وسادليرهو أول رحالة اخترق جزيرة العرب من شرقها إلى غربها.

بدأسادليررحلته إلى الديار النجدية في الثلاثين من يوليو (تموز) 1819م وقد كتب في يومياته يصف هذه البداية قائلاً:

“.. كان طريقنا باتجاه الجنوب والجنوب الغربي عبر منطقة ذات تلال تغطيهاالحصباء..ولقد غار ماء المطر في أماكن كثيرة فبدت الصحراء منعشة بهطول هذه الأمطار والتي سببت لنا الكثير من الأذى. نزلنا عند الثمامة في الساعة الثانية عشر فوجدنا كمية ضئيلة من ماء المطر في وادٍ صغير شديد الانحدار على ضفته أشجار السنط ذات الحجم الكبير وقد جعلني المنظر العام للوادي أجزم أن سيلاً كبيراً يجري فيه بعد كل وابل مطر خلال فصل الشتاء”.

وفي الثاني من أغسطس (آب) تابعسادليرمسيره باتجاه “منفوحة” لكنه اضطر إلى التوقف بسبب من “عاصفة رعدية رهيبة ووابل من المطر” ولم يتمكن من مواصلة السير إلا في اليوم التالي حيث يقول في يومياته:

“تابعنا طريقنا إلى (منفوحة) الذي يتجه جنوباً، وخيمنا في حدود ميل من ذلك المكان الذي يحيط به حطام واسع لأسوار وأبراج، وهذا يشير إلى أن هذا المكان كان في يوم من الأيام مزدهراً.

وتقع الدرعية في وادٍ ضيق شديد الانحدار إلى الشمال الغربيلمنفوحةوعلى بعد عشرة أميال عنها، وختم النهار بوابل من المطر وعاصفة رعدية”.

أقامسادليرفي “منفوحة” ثلاثة أيام أتيح له خلالها أن يتجول في أنحائها وأن يزور الرياض للتعرف إلى أحوالها وشؤون سكانها وقد تحدث عن مشاهداته وانطباعاته فيها فقال:”..كان لدي من الفراغ في هذه الفترة ما يسمح لي بزيارة (منفوحة) التي تحوي ما يقارب ألفي أسرة. وفيها بعض البيوت الجيدة مبنية بالطين والحجارة، وبعضها يتألف من طابقين نحو الأعلى وسطوح منبسطة. أحيط هذا المكان بسور وخندق. أما قرية “الرياض فواقعة إلى الجنوب على بعد ميل تقريباً يفصلها عنمنفوحةدمار الأسوار والبيوت، وكل قرية محاطة بمساحات واسعة مزروعة نخيلاً تحصل على الماء من آبار عميقة. وفي فصل الشتاء تشكل السيول المندفعة من الجبال الجرداء جدولاً كبيراً يغمر الوادي”.

ويذكرسادليرأن الخضار الوحيدة التي وجدها في الأسواق كانت “قليلاً من الباذنجان والبصل والسبانخ” أما الفواكه فهي البطيخ الأحمر والشمام والتين. وقالأنه”توجد زراعة قطن في الحدائق المجاورة لكلا القريتين ـ الرياضومنفوحةـ بينما كانت فلاحة القمح والشعير في الفترة التي سبقت قائمة على قدم وساق، بالإضافة إلى الذرة الهندية.

كانسادليركثير الأسئلة والاستفسار عن كل ما يقع عليه بصره أو يحصل أمامه، وقد ظل مبهوراً لمنظر المطر الغزير الذي شاهده يهطل بغزارة ولم يكن يتوقع حصوله في هذه المنطقة من الجزيرة العربية، وفي هذا الفصل من السنة بالذات. وهو يشير إلى ذلك في يومياته فيقول:

“.. أخبرني القرويون انه لم يسبق أن حصلت مثل هذه الظاهرة خلال ما يتذكره أسن رجل في هذه القرية في سني حياته. وعندما وجهت بعض تساؤلاتي بصدد هذا الموضوع إلى أحد عربمنفوحةأجاب هاتفاً: “الله عظيم، لقد عشت لأرى ثلاث آيات في يوم واحد: تركياًوافرنجياًفيمنفوحة، وأمطاراً في منتصف الصيف”.

كانت القرى الوحيدة التي ذكر لي أنها بجوار الدرعية هي: عرقة، الرياض،منفوحة، ضرما،العيينة، حريملاء. وإلى الجنوب توجد القرى: السليمة، الخرج والحوطة. كما ذكر لي اسم (اليمامة) أيضاً”.

ويتحدثسادليرعن زيارته (الدرعية) فيقول: “انطلقنا في الساعة الخامسة من صباح الثالث عشر من آب (أغسطس) وكان الجزء الأول من طريقنا يتجه نحو الشمال ثم انعطفنا فجأة نحو الغرب متبعين طريق الوديان التي تشكلها التلال الجرداء حيث وصلنا إلى موقع الدرعية في الحادية عشر قبل الظهر.

تمتد إلى الغرب سلسلة أخرى من التلال بين الشمال الغربي والجنوب الشرقي، كما ترى سلسلة أخرى إلى الشمال متجهة نحو الشمال الشرقي.

فالبناء في هذه المدينة كثيف ومتقارب ومرتفع على بروز طبيعي يحميه من أحد جوانبه وادٍ ضيق عميق شديد الانحدار. ومن جهة الغرب سلسلة من الأبراج موصولة فيما بينها بسور، ويشار إلى هذا الجانب الغربي باسم (الطريف) وهو منفصل عن البلدة الشرقية المسماة (السلى) بالوادي العميق الضيق الرئيسي. كان هذا الجانب أيضاً محاطاً بأبراج وسور.

ويحمل الوادي مسؤولية الاتصال مع الأجزاء الأخرى من المدينة الواقعة إلى الشمال والتي لم تكن محمية بشكل جيد إذا ما قورنت مع الجانب الجنوبي. ويجري من خلال هذا الوادي جدول ماء على مدار السنة، يزداد في الشتاء إلى مستوى سيل.

كانت حدائق الدرعية تنتج المشمش والتين والعنب والرمان، وكانت تمورها ذات مواصفات جيدة جداً، كما ذكر وجود الليمون فيها بالإضافة إلى كثير من أشجار الفاكهة الأخرى”.