النطاق العمراني لمدينة الرياض الأهداف…والسياسات

شهدت مدينة الرياض خلال العقدين الماضيين نمواً سريعاً في جميع المجلات. حيث تم خلال تلك الفترة إنشاء العناصر الرئيسية لبنيتها العمرانية، وتوفرت لها شبكة نقل فاعلة ذات مستوى عال من الكفاءة والسلامة. كما قطع مد شبكات المرافق العامة شوطاً كبيراً، فعمت شبكات المياه أرجاء المدينة كافة، وانتشرت في معظم أنحائها شبكات الكهرباء والهاتف والصرف الصحي وتصريف السيول. كما تم إنشاء العديد من المرافق التعليمية والصحية والثقافية والاجتماعية والرياضية والحدائق والمنتزهات. وقد تحقق ذلك بفضل من الله تم كنتيجة مباشرة لجهد مكثف ورغبة جادة في بناء مدينة عصرية.

افرز هذا النمو السريع ظواهر اتسمت بها تلك الفترة مثل المضاربة بالأراضي والاتجار بها، مما أدى إلى تصاعد أسعار الأراضي بشكل مستمر ووصول العمران إلى مناطق نائية. وقد تسبب هذا الانتشار العمراني في تفكك البنية العمرانية للمدينة وانتشار الأراضي البيضاء داخل هذه البنية.

كما تسبب ذلك في تشتيت الجهود المبذولة لتوفير الخدمات الحضرية وفي إرباك وتأخير البرامج الزمنية والمالية الموضوعة لإيصالها على سكان المدينة.

استقطب هذا الوضع اهتمام الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض التي تعالج قضية التشتت العمراني للمدينة في إطار برنامج النظم والتخطيط الحضري الذي من ضمن أهدافه تنظيم النمو العمراني للمدينة، وتوجيهه، وتحديد أولوياته، من خلال وضع السياسات المستقبلية لتنمية المدينة وسياسات استعمالات الأراضي وتحديد مواقع التطوير.

بدا العمل في هذا المجال عام 1405هـ عندما شرعت الهيئة في إجراء العديد من الدراسات عن استعمالات الأراضي، وعن المرافق والخدمات العامة المتوفرة في المدينة، ومستويات التطوير في مختلف أنحائها، وتقديرات السكان والوحدات السكنية القائمة، المأهولة منها وغير المأهولة، وكذلك مخططات تقسيمات الأراضي المنتشرة في المدينة والأراضي البيضاء التي تتخلل بنيتها الحضرية، ومستوى توفر المرافق العامة في هذه الأراضي.

وقد تزامن إجراء هذه الدراسات مع صدور قرار مجلس الوزراء الموقر رقم 13 في 9/1/1406هـ القاضي بتحديد النطاق العمراني لمدن المملكة للعشرين عاماً القادمة، كما توضحه المخططات العامة لتلك المدن، على أن تقسم مدة النمو العمراني على مراحل تتطابق مع الخطط الخمسية للدولة. ويسعى هذا القرار إلى وضع نطاق عمراني لكل مدينة حتى عام 1425هـ، وتحديد أولويات تطوير الأراضي داخل هذا النطاق لكل خمس سنوات، ووضع أسس التوسع في شبكات المرافق العامة، إضافة إلى اقتراح أسس وسياسات لتطوير الأراضي البيضاء داخل البنية العمرانية للمدن.

مفهوم النطاق العمراني وأهدافه

النطاق العمراني، هنا، هو حدود الأراضي المتاحة للتنمية العمرانية حتى عام 1425هـ. وهو أداة لتوجيه وتنظيم النمو العمراني للمدينة، ووضع برامج زمنية ومالية لتوفير المرافق والخدمات الحضرية في مختلف أجزاء المدينة بالحد الأمثل للتكلفة، وكذلك للحد من ظاهرة التشتت العمراني وتركيز التطوير وتقليص مساحات الأراضي البيضاء المخططة، وذلك من اجل رفع كفاءة الأداء الوظيفي للمدينة وضمان أفضل استعمال وتوزيع ممكن لاستثمارات الدولة، في سبيل رفع مستوى المعيشة لسكان المدينة كهدف رئيسي.

أسس تحديد النطاق العمراني لمدينة الرياض

قامت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض بوضع النطاق العمراني للمدينة بمرحلتين رئيسيتين للنمو العمراني داخله. واستندت الهيئة في وضع هذا النطاق على نتائج الدراسات التي أجرتها في السابق عن مستويات التطوير في مختلف أجزاء المدينة، ومستوى توفر المرافق والخدمات العامة فيها، وأنماط استعمالات الأراضي السائدة، وكذلك تقديرات السكان ومتطلبات الإسكان والوحدات السكنية القائمة في المدينة المأهولة وغير المأهولة. ومن ثم جاء هذا النطاق منسجماً مع معطيات الواقع ومستجيباً بشكل وافٍ لتوقعات المستقبل من حيث النمو السكاني والاقتصادي والحضري. إذ يبلغ إجمالي مساحة الأراضي المتوفرة داخل هذا النطاق بمرحلتيه الأولى والثانية حوالي 1780 كيلو متراً مربعاً، تشمل ما مساحته حوالي 235 كيلومتراً مربعاً من الأراضي المطورة للاستخدام السكني، وما مساحته 265 كيلومتراً مربعاً من الأراضي المطورة لاستخدامات أخرى مختلطة إضافة على 51 كيلومتراً من الأراضي التي تشغلها مشاريع رئيسية و451 كيلومتراً مربعاً من الأراضي السكنية المخططة غير المطورة و779 كيلومتراً مربعاً من الأراضي غير المخططة. وتكفي الأراضي السكنية المطورة والمخططة المتوفرة داخل النطاق العمراني لمدينة الرياض، بمرحلتيه الأولى والثانية، لاستيعاب أكثر من خمسة ملايين نسمة بكثافة منخفضة أو متوسطة، أي أكثر من عدد سكان المدينة المتوقع في عام 1425هـ والمقدر بحوالي مليونين وثمانمائة ألف نسمة.

المرحلة الأولى للنمو العمراني

المرحلة الأولى للنمو العمراني لمدينة الرياض تعني حدود الأراضي المتاحة للتنمية العمرانية حتى 1415هـ، ويبلغ إجمالي مساحة الأراضي التي تشملها هذه المرحلة نحو ستمائة وثلاثين كيلو متراً مربعاً منها 235 كيلو متراً مربعاً من الأراضي المطورة للاستخدام السكني وحوالي 150 كيلو من الأراضي المطورة أو المخططة لاستخدامات أخرى مختلطة، إضافة إلى 44 كيلو متراً مربعاً من الأراضي التي تشغلها مشاريع رئيسية و135 كيلو متراً مربعاً من الأراضي السكنية المخططة غير المطورة و68 كيلو متراً مربعاً من الأراضي غير المخططة.

وتقدر الطاقة الاستيعابية للأراضي السكنية المتوفرة داخل هذه المرحلة بأكثر من ثلاثة ملايين وأربعمائة ألف نسمة. أي أن هذه الأراضي تكفي لاستيعاب ضعف عدد سكان المدينة الحاليين البالغ عددهم نحو 1.6 مليون نسمة.

وقد روعي في تحديد هذه المرحلة عدة اعتبارات أبرزها:
  • توفر الأراضي الكافية للاستجابة لمتطلبات الإسكان والمرافق العامة.
  • تركيز التطوير في مناطق متجاورة لضمان كفاءة وسهولة الاتصال بين مختلف المناطق السكنية من جهة، وبينها وبين مناطق العمل والخدمات العامة الرئيسية من جهة ثانية.

المرحلة الثانية للنمو العمراني

تشكل حدود المرحلة الثانية للنمو العمراني حدود الأراضي المتاحة للتنمية العمرانية حتى عام 1425هـ، وتبلغ مساحة المرحلة الرئيسية الثانية للنمو العمراني 1149 كيلو متراً مربعاً. تشمل هذه الأراضي ما مساحته 115 كيلو متراً مربعاً من الأراضي المطورة للاستخدام الصناعي، وما مساحته 316 كيلو متراً مربعاً من الأراضي السكنية المخططة. أما مساحة الأراضي غير المخططة التي لم يتم تحديد استعمالاتها بعد فتبلغ 711 كيلو متراً مربعاً. وبافتراض أن يتم تطوير الأراضي السكنية المخططة داخل هذه المرحلة بكثافة سكانية منخفضة، فإن هذه الأراضي سوف تتسع لحوالي 1.7 مليون نسمة على انه يتوقع أن تشمل استعمالات هذه الأراضي استخدامات سكنية ريفية.

وسيتم تقسيم المرحلة الرئيسية الثانية للنمو العمراني إلى مرحلتين فرعيتين مدة كل منهما خمس سنوات، وستوضع الضوابط الخاصة بتنمية أولاهما قبيل انتهاء المرحلة الرئيسية الأولى للنمو العمراني.

حدود حماية التنمية

تشكل حدود الأراضي المحجوزة للتنمية المستقبلية الواقعة خارج النطاق العمراني.

وقد تم وضع حدود حماية التنمية بحيث تشمل المنطقة المحيطة والمؤثرة في المنطقة الواقعة داخل النطاق العمراني والتي يجب أن تخضع المشاريع التطويرية داخلها لأنظمة تخطيطية يتم تحديدها لها.

ولدى وضع حدود حماية التنميةروعيتالعناصر التالية:
  • المشاريع الكبرى التي تخدم المدينة مثل مطار الملك خالد الدولي.
  • منشآت الخدمات العامة مثل خطوط الضغط العالي.
  • وادي حنيفة وبعض القرى القريبة من المدينة.
  • المعالم الطبيعية المحيطة بالمدينة مثل جبل طويق.

الموافقة على النطاق العمراني وقواعد تحديده

حظي النطاق العمراني بموافقة مجلس الوزراء بموجب قراره رقم 175 وتاريخ 18/9/1409هـ، وقد حدد هذا القرار الضوابط العامة للتنمية على النحو التالي:
  • يتم تخطيط الأراضي البيضاء الواقعة داخل المرحلة الأولى للنمو العمراني دون انتظار طلب تخطيطها من قبل الملاك وذلك ليتسنى تحديد شبكة الطرق الرئيسية وتنفيذ المرافق العامة فيها وربط مختلف أجزاء المدينة بعضها ببعض، على ألا تتجاوز النسبة المتقطعة لصالح الشوارع والمرافق العامة النسبة النظامية المحددة.
  • عدم السماح بتخطيط وتنمية الأراضي الواقعة ضمن المرحلة الثانية للنمو العمراني قبل حلول موعدها (عدا الطرق الرئيسية التي يمكن تنفيذها دون طلب التخطيط على إلا تتجاوز النسبة المقتطعة لصالحها النسبة المحددة) إلا شريطة قيام مالك الأرض بتمديد شبكات المياه والكهرباء والهاتف وإيصالها لقطع الأراضي حسب مخطط التقسيم الابتدائي، إضافة إلى سفلته ورصف وإنارة الشوارع الواقعة ضمن هذه الأراضي وفقاً للمواصفات المعتمدة من الجهات المختصة ـ بعد موافقتها على ذلك ـ لكل من المرافق المذكورة.
  • يتم إيقاف تنمية وتخطيط الأراضي البيضاء الواقعة خارج النطاق العمراني المحصورة بين حدود النطاق العمراني وحدود حماية التنمية ريثما يتم اقتراح الوسائل والأساليب ووضع الضوابط التنفيذية اللازمة لمعالجة هذا النوع من الأراضي.

توفير المرافق والخدمات العامة داخل النطاق العمراني

قضى قرار مجلس الوزراء رقم 175 وتاريخ 18/9/1409هـ بأن لا يتم البدء في توفير أي من المرافق والخدمات العامة خارج أي مرحلة للنمو العمراني إلا بعد الانتهاء من توفيرها داخل تلك المرحلة.

وكانت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض قد بدأت منذ أواخر عام 1408هـ وضع برنامج زمني ومالي لإيصال شبكات المرافق العامة في ضوء النطاق العمراني للمدينة وبالتنسيق مع الأجهزة المعنية بهذه المرافق.

وقد أعدت الهيئة تقريراً بتوقعات النمو المستقبلي للمدينة يشتمل على التقديرات السكانية، ومواقع المناطق السكنية الجديدة، وتوزيع استعمالات الأراضي، وغير ذلك من المعلومات المتعلقة بنمو المدينة خلال السنوات القادمة حتى عام 1415هـ. ويوفر هذا التقرير قاعدة تخطيطية ودليلاً للأجهزة المعنية بالمرافق العامة في المدينة تقوم في ضوئها بإعداد برامجها التطويرية. وقد قامت تلك الأجهزة بإعداد أو مراجعة خططها ومشاريعها التطويرية في ضوء هذا التقرير وتقديم تلك الخطط والمشاريع للهيئة، حيث جرى تضمينها في مسودة برنامج للمرافق العامة يجري مناقشته حالياً مع تلك الأجهزة. وسيشكل هذا البرنامج، بعد إقراره، الأساس الذي يتم بناؤه عليه توفير المرافق العامة في المدينة.

كما تقوم الهيئة، منذ فترة، بإجراء دراساتومسوحاتلتحديد الاحتياجات المستقبلية للمدينة من الخدمات العامة ووضع توصيات باستكمالها داخل المرحلة الرئيسية الأولى للنمو العمراني.

وتقوم الهيئة أيضاً منذ عام 1408هـ بإجراء دراسة تفصيلية عن الأراضي البيضاء الواقعة داخل النطاق العمراني لمدينة الرياض تمهيداً لوضع تصورات لتنمية هذه الأراضي مستقبلاً.