المصمك…تاريخاً وعمارة

يحتل ” المصمك ” الذي بني في مطلع القرن الرابع عشر الهجري، مكانة بارزة في تاريخ مدينة الرياض خاصة والمملكة العربية السعودية بعامة، كمعلم تاريخي مادي مهم يمثل الأحداث التي جرى تيارها حوله، حيث اقترن هذا الحصن بملحمة فتح الرياض التي تحققت على يدي الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل، ” رحمه الله ” في فجر الخامس من شوال عام 1319هـ (1902م) ومنها واصل مسيرته لتوحيد الجزيرة وبناء المملكة العربية السعودية.

وقد أطلق المؤرخون أسماء عديدة عليه، منها الحصن، والقلعة، والحصن الداخلي، والمسمكوالمصمك، لكن الاسم الأخير هو الشائع المتداول، وهناك اجتهادات كثيرة حول سبب هذه التسمية، منها ما يرى أن ” المسمك ” من ” السماكة ” وهي البناء المرتفع، كما إن ” المصمك ” أو ” المصمت ” تعني البناء الحصين والخالي من الفتحات.

وقد استخدم المصمك بعد فتح الرياض دارا للضيافة وبيتا للمال وبعدها أصبح يستخدم مستودعاً للأسلحة والذخيرة، ثم استخدم سجنا بعد ذلك في فترة تالية.

التشكيل الفراغيللمصمك

يعد المصمك الذي يقع في قلب مدينة الرياض مجمعاً إدارياً وسكنياً متكاملاً، كما يتضح من وضعه الراهن فهو يتألف من جزأين رئيسيين :

الجزء الغربي (بجوار المدخل الرئيسي) الذي يشكل المنطقة المكتبية المخصصة لإدارة الحكم والاستقبال، وهي مرتبطة مباشرة بالمسجد داخل المصمك، ويشتمل على:

  • المدخل الذي يحوي الباب الرئيسيللمصمكوالذي يعتبر أهم عنصربالمصمك.
  • المسجــد.
  • أماكن الاستقبال (الديوانية).
  • الفناء الداخلي الرئيسي المجاور للمدخل والغرف المحيطة به.
  • الجزء الخلفي الذي يضم أفنية الخدمة إضافة إلى الوحدات السكنية، وهو أقرب ما ي كون إلى المجموعة السكنية بجميع مميزاته العمرانية والمعمارية الخاصة بالمنطقة.

تتكون الوحدات السكنية من ثلاث وحدات تتحد في التصميم العام وتختلف عن بعضها البعض في الحجم، ويحتمل أن تكون الوحدة الشمالية قد خصصت مقراً للضيوف لاتصالها بالمدخل ومناطق التخديم، كما توجد في فناء الخدمة الرئيسي بئر الماء الخاصة باحتياجات المصمك إضافة لري الزروع والنخيل التي كانت موجودة بالفناء سابقاً.

وعلى كل ركن من أركان المصمك برج أسطواني الشكل يبلغ ارتفاعه 18 متراً إضافة إلى برج مربع في الوسط يدعى ” المربعة ” يشرف على المصمك من الداخل، وفي كل طابق من الأبراج الأسطوانية فتحات للرمي على محيط البرج كله، وهي مائلة وتوجه البنادق في كل اتجاه على دائرة كاملة وفي نهاية كل برج منافذ للمراقبة.

يجسد المصمك بشكل عام فن العمارة التقليدية المتميزة للمنطقة، حيث تمثلت فيه كل خصائص الطراز المعماري السائد في المنطقة وكذلك أساليب البناء واستخدام الحيز الفراغي، وتأمين الخصوصية التامة للأماكن المخصصة للعائلة عن مجالس الرجال مراعاة للقيم الإسلامية.

كما يغلب على أسلوب عمارة المصمك طابع العمارة الحربية، كما يبدو بجلاء من خلال توافر العناصر المميزة للعمارة الحربية كالسور العالي وأبراج المراقبة وأماكن الاستكشاف ومنافذ الرمـي.

مواد وطرق البناء

تميزت المنطقة بطرق وأساليب البناء فيها والتي كان الطين مادتها الأساسية، وتم إتباع أسلوبين أحدهما يتميز بالقوة وهو البناء بالعروق (طبقات من عجينة الطين) والآخر يتميز بالسرعة وذلك باستخدام اللبن (طوب لبن من الطين المخلوط بالقش ويعمل يدوياً بواسطة قالب خشبي). وقد استخدمت العروق في بناء أسوار المصمك الخارجية، بينما استعمل اللبن في بناء الجدران الداخلية، كما استخدم الحجر مع مونة الطين في التأسيس، أما الأعمدة الحجرية فقد بنيت وفقاً للأسلوب التقليدي، وتعمل من قطع حجرية ذات أشكال أسطوانية (تعرف بالخرز) ثبتت فوق بعضها البعض بمونة الجص، مع وضع قاعدة حجرية يرتكز عليها العمود، وينتهي العمود بتاج بسيط من قطعتي حجريتين مستطيلتي الشكل، يرتكز عليهما الساكف (الجسر) الواصل بين الأعمدة والجدران والذي يحمل بدوره خشب السقف.

واستعملت جذوع الأثل كعوارض بين الجدرانوالسواكيفحيث يرص عليها من طبقتين الأولى من الطين الخالص والأخرى من الطين المخلوط بالقش لزيادة قوته ومقاومته.

وقد استخدم نفس الأسلوب السابق في بناء الدرج، كما استخدم الطين المخلوط بالقش فياللياسةلتعبئة الفراغات بين الجدران ثم يغطى بطبقة أخرى لإعطائها الشكل النهائي، واستخدم الجص في بياض الأعمدة وعمل أحزمة بيضاء حول الأبواب، كذلك استخدمت جذوع النخل في عمل الأبواب الخارجية مع عمل عوارض ودعامات الأثل، كما أن الأثل يستخدم أيضاً للأبواب الداخلية والشبابيك.

وقد تم الاعتماد في الزخارف الخارجية على توزيع الفتحات المثلثة والمستطيلة وعمل تكوينات منها في الواجهات الداخلية للغرف المطلة على الأسطح أو الأفنية الداخلية وعُملت نهايات زخرفية للواجهات الخارجية إضافة إلى عمل الشرفات في أعلى الجدران، أما الزخارف الداخلية فقد استخدم فيها الجص للبياضولتكسيةالشرفات الداخلية ولعمل الزخارف الجمالية للفراغات الداخلية المهمة وذلك باقتباس بعض الأشكال من الزخارف الخارجية وعكسها في الداخل، وقد تم استخدام الأقواس الأفقية والشرفات الخارجية والداخلية والبياض والنقش بالجص والنقش على الخشب، بشكل واسعبالمصمك.

من ذلك نتبين مدى نجاح التوزيع الفراغيللمصمكيمثل نموذجاً للعمارة المحلية بدءً من مساقطه الأفقية وواجهاته وأفنيته الداخلية وأبوابه وفتحات التهوية والإنارة به، وانتهاءً بمواد وطرق بنائه والتي تعبر مجتمعة عن روعة العمارة النابعة من بيئتها منسجمة مع العناصر الطبيعية ومعطيةللمصمكأهمية أكبر في هذا المجال.

ومن أجل إبراز المصمك بالشكل اللائق بمكانته التاريخية والتراثية، يجري حالياً إنشاء عدد من المناطق المفتوحة والتي سيطل المصمك على بعضها ويرتبط بالأخرى وذلك ضمن مشروع تطوير منطقة قصر الحكم.

وهذه المناطق المفتوحة مرتبطة ببعضها ارتباطاً بصرياً وعضوياً بممرات مشجرة صممت لتعطي كل منطقة السمات الملائمة لوظيفتها، وتمثل سلسلة من الفراغات العمرانية الرئيسية تبدأ من المناطق المفتوحة حول قصر الحكم ثم المسجد الجامع في المصمك.