البيئة والنمو الإسكاني المتوقع في مدينة الرياض

بقلم الدكتور علي بن سالم عمرباهمام-كلية العمارة والتخطيط ـ جامعة الملك سعود

شهدت مدينة الرياض خلال العقود الماضية نهضة معمارية وعمرانية تميزت بنموها القياسي في زمن قصير، فقد تحولت من مجرد بلدة صغيرة إلى مدينة من أكبر المدن بالمقياس العالمي للمساحة وعدد السكان. تغطي المناطق السكنية فيها الغالبية العظمى من المساحة المبنية، مشكلة بذلك أكثر من (80%) من استعمالات الأراضي. وبناء على معدل النمو السكاني، المتأثر بالنمو الاقتصادي، فإن عدد سكان الرياض سوف يتضاعف كل عشر سنوات. لذا يلزم توفير (350.000) وحدة سكنية إضافية لاستيعاب النمو السكاني المتوقع خلال السنوات العشر القادمة. ومما لا شك فيه أن نمواً عمرانياً بهذا المقياس وفي فترة ومنية قصيرة سوف يكون له تأثير على البيئة، وما يتطلب وضع الاعتبارات المناسبة لضمان استمرار نمو المدينة بيئياً في الطريق الصحيح.

الإنسان والبيئة

البيئة هي كل ما هو خارج عن كيان الإنسان، وكل ما يحيط به من موجودات، فتشمل الهواء الذي يتنفسه والماء الذي يشربه والأرض التي يسكن عليها ويزرعها، وما يحيط به من كائنات حية أو جماد.

إن التفاعل بين مكونات البيئة عملية مستمرة تؤدي في نهاية المطاف إلى احتفاظ البيئة بتوازنها ما لم يطرأ على ذلك أي تغيير طبيعي أو حيوي يؤدي إلى الإخلال بهذا التوازن. فإذا ما أختل نظام بيئي ما، تطلب الوصول إلى توازن جديد فترة زمنية تطول أو تقصر حسب الأثر الذي أحدثه الاختلال. وينشأ اختلال التوازن البيئي في غالب الأحيان نتيجة لتدخل الإنسان المباشر بالتأثير على ظروف البيئة. ففي كل وقت تعمل أجهزة الحفر والبناء على وجه الأرض ينتج عنها سلسلة من ردود الفعل المخربة، حيث تتسارع عمليات التعرية وتتكون مجار جديدة على سطح الأرض لتصريف مياه الأمطار، ويتغير هيكل التربة الأساسي ويقل ويضعف اتزانها.

إن اتخاذ القرارات فيما يخص اختيار الأراضي الصالحة والملائمة للامتداد العمراني يجب أن يعتمد على مدى فهمنا لخصائص الأرض، وطبيعة تكوينها، ونشأتها، وأيضاً لإدراكنا للعناصر الأساسية المكونة لها، ولنوعية العمليات البيئية القائمة عليها، وحجم، وخصائص التفاعلات الأيكولوجية فيها، لقد حان الوقت عند تنفيذ النمو العمراني للمدن للالتزام بعمل اتفاق واتزان كامل لذلك النمو مع الطبيعة وخصائصها. إن زيادة فهمنا وإدراكنا لمجموعة العمليات المؤثرة في الطبيعة واستخدامنا للتقنيات المتاحة والملائمة هو السبيل الأمثل لتوفير هذا الالتزام.

1- الحد من التلوث

التلوث هو أي تغيير غير مرغوب فيه في الخواص الطبيعية، أو الكيميائية، أو البيولوجية للبيئة المحيطة (هواء، ماء، تربة)، والذي قد يسبب أضراراً لحياة الإنسان، أو غيره من الكائنات الأخرى (حيوانية أو نباتية)، وقد يسبب أيضاً تلفاً للمباني والمنشآت واضطراباً في الظروف المعيشية بوجه عام.

  • تلوث الهواء

تلوث الهواء يعني احتواؤه على مواد مختلفة غازية، أو صلبة، أو سائلة، تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على الكائنات الحية، أو تسيء إلى الظروف التي تعيش فيها، أو تؤدي إلى خسائر مادية، ويبلغ وزن الهواء الذي يستهلكه الإنسان نحو (15 كجم)، وهي كمية تفوق كل ما يستهلكه الإنسان من الماء في اليوم الواحد.

إن مساحة المدن نادراً ما تزيد عن (1%) من مساحة الدولة إلا أن عدد سكان المدن يساوي أو يفوق عدد سكان الأرياف.

تمثل السيارات المصدر الرئيس لتلوث الهواء داخل المدن، حيث إن 66% أول أكسيد الكربون و50% كمية الهيدروكربونات وأكاسيد النيتروز التي تلوث الهواء يرجع مصدرها إلى السيارات، كما أن هذه الغازات قد تكون مصحوبة ببعض مركبات ودقائق الرصاص الشديدة السمية، ويمثل هذا المصدر بمفرده حوالي (94%) من نسبة الرصاص المنبعثة في الهواء الجوي.

لقد ازدادت حركة المرور مع النمو العمراني لمدينة الرياض، ففي عام 1414هـ بلغ عدد الرحلات اليومية داخل المدينة (4.5 ملايين رحلة) يتم خلالها قطع (50 مليون كم/ يوم) تقريبا.

من بين الاتجاهات العالمية، طويلة المدى، لتخفيض الانبعاثات الملوثة استخدام أنواع بديلة من الوقود، كما يجب أن يكون تصميم وتخطيط الأحياء مشجعاً للسكان على المشي ويقلل من احتياجهم للتنقل بالسيارات، حيث يلزم توفير متطلبات السكان اليومية من مرافق وخدمات ضمن مسافة مشي آمنة ومقبولة جسمياً ونفسياً للتقليل من استخدامهم للسيارات.

تعتبر محطات توليد الطاقة الكهربائية التي تعمل بالبترول المصدر الثاني لتلوث الهواء في المدن بعد السيارات.

يوجد في مدينة الرياض خمس محطات لتوليد الكهرباء، جميعها تعمل بالبترول، كما أن النمو الإسكاني واتساع المدينة سوف يؤدي إلى إضافة أربع محطات أخرى لمواكبة الاحتياجات المتزايدة للطاقة.

إن عدم استخدام المعالجات المعمارية، والحلول المناخية الطبيعية لتبريد وتدفئة الوحدات السكنية في مرحلة الإسكان المقبلة، سوف يؤدي إلى استمرار ازدياد الطلب على الطاقة الكهربائية.

ويلزم البحث أيضاً عن مصادر جديدة للطاقة، مثل الطاقة الشمسية التي تنعم بها المملكة.

يعتبر الغبار من المصادر المستمرة لتلوث الهواء في العديد من المدن الصحراوية، ووصلت نسبة تركيز الجزئيات الصلبة العالقة في الهواء خارج الوحدة السكنية في أحد المواقع بغرب مدينة الرياض إلى (1892 ميكروجرام/ م3) متعدية إلى حد كبير مقياس حماية البيئة (340 ميكروجرام/ م3) المسموح به محلياً وعالمياُ. لقد أثبتت الدراسات أن للزوابع الترابية والرملية تأثيراً على الصحة العامة، فمعظم حالات الحساسية الأنفية التي تظهر في حالات زيادات الإفرازات الأنفية، وظهور أعراض الزكام، وحالات الحساسية الصدرية ـ كما في حالة الربو ـ تنتج عن وصول الغبار المحمل بحبوب اللقاح، أو الجراثيم، أو بعض الفطريات إلى تلك الأنسجة.

للإقلال من تلوث الهواء بالغبار في المناطق السكنية بمدينة الرياض ـ الواقعة في منطقة صحراوية جافة ـ فإنه يلزم الاهتمام بتشجير الأحياء، الجديدة، والتوسع في إنشاء الحدائق، وإقامة مصدات الرياح، وتشجير جوانب الطرق، ويلزم أيضاً وضع التنظيمات التي تحد من بقاء الأراضي بيضاء (غير مطورة) داخل الأحياء السكنية.

  • تلوث المياه

يختلف متوسط استهلاك الفرد من المياه يومياً بدرجة كبيرة، فيبلغ (75-900 لتر/ يوم) لفرد.

فقد ساهم ما شهدته مدينة الرياض من نمو كبير ومتسارع في جميع المجالات العمرانية والسكانية والاقتصادية في مضاعفة استهلاك المياه.

إن معدل استهلاك المياه في المدينة قد تضاعف أكثر من (25 مرة) في خلال هذه الفترة، وقد بلغ استهلاك الفرد للمياه أكثر من (400 لتر/ يوم).

إن استخدام المياه بهذه الكمية ينتج عنه كميات من الصرف الصحي التي يلزم معالجتها والتخلص منها، سنجد أن نظام الصرف الصحي يغطي حوالي (56%) من سكان مدينة الرياض بينما بقية المناطق السكنية تستخدم نظام البيارات (الحفر الامتصاصية)، وتعتمد البيارات في كفاءة تصريفها على طبيعة التربة، ومنسوب المياه السطحية في المنطقة، فقد دلت دراسة أجريت في عام 1993م على وجود مياه في (41%) من شوارع مدينة الرياض.

تتضرر بسبب ارتفاع منسوب المياه الطرق والمرافق العامة، كما تهبط المباني، وتظهر بها التشققات، ويحدث التآكل في الخرسانة، وحديد التسليح، إلى جانب تسرب المياه إلى الأقبية، وتلوث خزانات مياه الشرب الأرضية.

لقد أظهرت إحدى الدراسات التي أجريت على الوحدات السكنية في مدينة الرياض، أن عدد الفلل السكنية المتضررة بسبب ارتفاع منسوب المياه الأرضية يعادل (35%) من مجموع الفلل، موزعة بنسب متفاوتة على مختلف الأحياء السكنية بالمدينة.

إن العمل على ترشيد استهلاك المياه، من خلال توعية وتوجيه السكان لاستخدام مخارج المياه الرذاذية في الغسيل والوضوء والاستحمام، واستخدام نظام التنقيط في ري الحدائق المنزلية، سوف يقلل من كمية الصرف ويساهم بالتالي في خفض منسوب المياه الأرضية في الأحياء السكنية الجديدة. كما وأن إعادة تدوير استخدام المياه، عن طريق فصل مياه الغسيل والاستحمام ومعالجتها محلياً، في المجمعات والعمائر السكنية الكبيرة، وإعادة استخدامها في صناديق الطرد سوف يساهم في تخفيف المشكلة بشكل إيجابي.

  • التلوث الضوضائي

تشير الأبحاث التي أجريت في المملكة العربية السعودية إلى أن مستوى الضوضاء في مدينة الرياض قد بلغت (80-92 ديسيبل) والتي تعتبر نسبة ضوضاء عالية،والسبب هو السيارات ووسائل النقل الأخرى ويزداد معدل الضوضاء سنوياً بمعدل واحد ديسيبل بسبب الزيادات في وسائل المواصلات.

تسبب الضوضاء أضراراً نفسية وعصبية وفسيولوجية كثيرة للإنسان.

للتقليل من الضوضاء الخارجية ومكافحتها، يقتضي الأمر في المقام الأول التوعية بأخطارها والتوجيه إلى تغيير السلوك والتصرفات الخاطئة، كما يلزم القضاء على مراكز الضوضاء ومصادرها، أو إبعادها على الأقل.

كما يلزم تصميم شبكات الطرق التي تمنع دخول السيارات العابرة إلى داخل الأحياء السكنية، ووضع المعالجات اللازمة لحماية السكان من التلوث الضوضائي، من خلال زيادة المسطحات الخضراء حول المناطق السكنية وعلى جوانب الطرق الرئيسية للتقليل من شدة الأصوات وامتصاصها، وكذلك العناية باستخدام المواد العازلة للصوت بقدر الإمكان في الحوائط الخارجية للوحدات السكنية.

2- النفايات المنزلية

تتكون النفايات المنزلية من كافة المخلفات التي يستغنى عنها ويراد التخلص منها بعد انتهاء حاجة السكان منها، ولأن معظم محتوياتها رطبة أو مبللة، سريعة التميع والتحلل والتعفن، فهي من أخصب مزارع البكتيريا، والمصدر الأول لانتشار الروائح الكريهة، وذات أثر لا يستهان به على تلوث البيئة.

تشير الإحصائيات المتوفرة إلى أن إنتاج الفرد الواحد من النفايات المنزلية في المملكة العربية السعودية يبلغ حوالي (2.20 كجم/ يوم) وهو أعلى المعدلات في العالم، أما في مدينة الرياض فإن هذا المعدل يبلغ حوالي (8.5 كجم/ يوم) للفرد الواحد (محملاً عليه النفايات المنزلية والصناعية، والتجارية وأنقاض البناء وغيرها) وهو معدل مرتفع جداً.

فقد ثبت من خلال تجربة أمانة مدينة الرياض أن عملية النظافة يسيرها عنصران متلازمان: البلدية والساكن.

يعد وعي الساكن وإحساسه بالانتماء إلى مدينته والحي الذي يعيش فيه، ومعرفته بالطرق السليمة للتخلص من النفايات، من الأمور الحيوية والهامة في إنجاح عمليات النظافة العامة.

كما يلعب الساكن بصفته المنتج الرئيس للنفايات دوراً مهماً في مدى نجاح الأسلوب والطريقة المتبعة في إخراج وجمع النفايات المنزلية، كما وأن نوع وحجم وتصميم الحاويات، وتوزيعها على أبعاد مناسبة، وقريبة من الوحدات السكنية، ويسهل عملية استخدامها من قبل السكان، وبالتالي يساعد في إنجاح عملية جمع النفايات.

3- بيئة الوحدة السكنية

يقضى الإنسان العامل داخل مسكنه ما بين (12-16 ساعة/ يوم)، وتزداد هذه الساعات بالنسبة لربة البيت والأطفال والشيوخ بحيث تصل في بعض الأحيان إلى (24 ساعة/ يوم).

لقد انتشرت خلال الأعوام الماضية ظاهرة أمراض الحساسية، والمسماة بأمراض المباني المغلقة.

فيجب أن يعمل المسكن كحاجز بين مؤثرات المناخ الخارجية وأنشطة السكان الداخلية، وأن يستجيب تصميمه لكل من حالة البيئة الخارجية ومتطلبات الراحة الخاصة بالسكان. كما يجب أن يقوي الاتجاه البيئي الذي يستوعب الطبيعة ويوظف عناصرها ( من شمس ورياح وأرض وماء) للحصول على الراحة الحرارية داخل المسكن بالأسلوب الطبيعي.

إن على المعماريين تصميم مساكن تستفيد إيجابياً من المناخ وتتجنب مشاكله وأضراره.

4- التشجير وبيئية المدينة

يساهم التشجير في:

  • تعديل مكونات الهواء، وتنقية الهواء من المركبات الضارة.
  • تنقية الهواء من الغبار وصد العواصف الترابية، وتلطيف حرارة الجو، وعزل الضوضاء.

دلت الدراسات على أن بإمكان كيلو متر مربع من الأشجار أن يحرر في نهار واحد بين طن واحد إلى ثلاثة أطنان من الأكسجين!

إن الشجرة الواحدة يمكنها امتصاص ما تطلقه سيارات ذات محرك احتراق داخلي تسير مسافة (25000كم/ سنة) فلقد ثبت أن بإمكان شجرة واحدة كاملة النمو صد وامتصاص (978 كجم) من الأتربة سنوياً تترسب على ورقها وغصونها وجذوعها ثم تنزل هذه الكميات إلى الأرض عن سقوط الأمطار.

إن توفر المسطحات الخضراء يساهم أيضاً في تخفيض درجة حرارة الجو صيفاً بمقدار (5-6 درجات مئوية) ورفع درجة الحرارة شتاء، وكذلك رفع درجة الرطوبة النسبية في المناطق الجافة بمقدار (15-20%).

وتوصي كافة المؤسسات الدولية بزيادة التشجير في المدن بحث تكون مساحة المنطقة الخضراء في الأحياء السكنية وحولها حوالي (40%) من المساحة الكلية.

5- التوعية ودور السكان

إن حماية البيئة قضية إنسانية وإسلامية لذا يلزم توعية أفراد المجتمع للالتزام بالآداب الإسلامية في التعامل مع البيئة ومواردها المختلفة. وتذكيرهم جميعاً والنشء بشكل خاص بواجباتهم التالية:

  • عدم تعطيل الموارد.
  • عدم التبذير والإسراف.
  • تعمير الأرض واستصلاحها.
  • الإسهام في تحسين الموارد الطبيعية وحمايتها وعدم الإضرار بالبيئة.

كما يجب ألا يكون الهدف من التوعية فقط إلزام السكان بتنفيذ التشريعات والقوانين، ولكن الوصول بها إلى درجة من التقبل النفسي التي تجعل منهم أفراداً غيورين على بيئتهم ضمن إطار تكافلي متين يستمد قوته من قوة الوازع الديني، كما كان المنهج التطبيقي لدى المسلمين في العصور الأولى.