العمارة التراثية في مدينة الرياض.. صمود ينتظر التطوير

اشتهرت الرياض منذ القرن الحادي عشر الهجري، وكانت معروفة قبل ذلك، وتميزت بمبانيها الطينية ذات الطراز المحلي الذي أكسبها مع سورها المحيط بها بصمة معمارية فريدة، ولم تكن مساحة الرياض آنذاك تتجاوز كيلومتراً مربعاً واحد فقط،ومنذ الخمسينيات من القرن الهجري الفائت(1350هـ)شهدت الرياض حركة نمو عمراني واسعة وكان من معالم تلك الفترة بناء قصور المربع خارج أسوار المدينة إيذاناً بخروج المدينة من سورها الذي حماها طويلا، وبني بعد ذلك عدد من القصور الطينية، ورغم هذا النمو السريع فقد كانت المباني تبنى من الطين(البن)، وتسقف بجذوع الأشجار المحلية، وفي عام 1370هـ شهدت الرياض إقامة أول مبنى حديث من المواد الخراسانية الحديثة،ومن ذلك الحين توسعت حركة العمران،وأصبحت المباني خارج الأسوار أكثر منها داخل الأسوار، وأزيلت في تلك الفترة أسوار المدينة التقليدية، وتوسع السكان في إنشاء مبانيهم التي كانت خليطاً من العمارة التراثية المحلية التي دخلت فيها المواد الحديثة، حتى ساد نمط المباني العصرية الحديثة، وكان معظم المباني وحدات سكنية خاصة.

وفي مطلع الثمانينات الهجرية دخلت الرياض مرحلة عمرانية جديدة، وذلك عندما أنشئت أول عمارة سكنية فيها عام 1379التي اشتهرت بعمارة محمد بن فهد ثم عمارة زهرة الرياض1388هـ، واليوم تبلغ المساحة المطورة للمدينة حوالي 1000كلم مربع، ويصل عدد سكانها لأربعة ملايين ونصف المليون نسمة، تزادان شوارعها وأحياؤها بمختلف أنماط العمارة الحديثة، غير أن المدينة وسط هذه الحداثة العمرانية مازالت تزخر بأعداد كبيرة من البيوت التراثية التقليدية، تمثل في بعض الأحياء أحياء كاملة، أو شوارع متصلة تصطف على جوانبها سلاسل ممتدة من المباني التراثية التي تحمل طابع الرياض القديمة.

المباني التراثية في مدينة الرياض

تبقى في الرياض أكثر من 15.000مبنى تراثي لم تطلها يد التغيير تتوزع في ثلاثة وثلاثين حياً من أحياء المدينة.

وتتضمن هذه المباني كل ما كان على الطراز المعماري المحلي الذي يقوم في معظم الأحيان على أساس الفناء الداخلي الذي تحيط به الغرفوالأورقة، وغالباً ما تكون هذه المباني من دور واحد أو دورين، وتكون مبنية من المواد المحلية التي كانت تستخدم قديماً وهي الطين(اللبن)والحجارة والأخشاب والأغصان.

وتتفاوت المباني التراثية في أهميتها وقيمتها المعمارية فمنها المباني التاريخية، وهي في معظمها مجموعة من القصور السكنية القديمة، أو مباني الخدمات العامة التابعة للحكومة، والتي هجرت منذ أزمنة طويلة، ومازالت على وضعها المعماري الذي أنشئت عليه أول مرة، لم تطلها يد التغيير والتحديث، لكنها في الغالب تكون قد تعرضت لدمار أجزاء كبيرة من أسقفها وحوائطها نظراً لحساسية مبانيها الطينية للأمطار، وحاجتها للصيانة الدورية بشكل مكثف ومستمر، وفي حال تحديد المباني التاريخية ذات القيمة العالية على غرار قصر المربع ، وقصر المصمك، فإن ذلك يشكل خطوة أولى لوضع برنامج تراثي ثقافي للإفادة من هذه المباني التاريخية.

من ضمن المباني التراثية مباني سكان المدينة من أهل الرياض، والتي مازالت مأهولة بالسكان في أغلب الأحيان، وتشكل هذه النوعية من المباني الأغلبية، ونظراً لاستخدامها من قبل سكانها على مدى السنوات الماضية، فإنها في الغالب تكون قد تعرضت لأعمال الصيانة الشاملة،وأعمال التجديد التي استخدمت فيها المواد الحديثة كالأسمنت والحديد، أو حتى الأخشاب المستوردة من الخارج، ولا يعتبر المبنى تراثياً إلا إذا كانت أجزاؤه الأساسية من العمارة التراثية في الرياض مأهولة إما من قبل ملاكها الأصلين، وإما من قبل مستأجرين لها، باستثناء المباني العامة والمباني الحكومية والقصور الكبيرة، وتشكل معظم هذه المباني التراثية غير المأهولة مصدر للخطر نظراً لإهمال صيانتها وعدم استفادة أحد منها، فكثير منها معرض لخطر الانهيار،وكثير منها تحول إلى مقالب للنفاية ومخلفات مواد البناء.

وقد اتخذت الهيئة عدداً من الإجراءات المستعجلة لرفع مصادر الخطر من هذا المباني ومن ذلك:

  • إزالة المخلفات والنفايات من حول المباني التراثية والقصور التاريخية بالتنسيق معالبلدية.
  • إغلاق الفتحات والأبواب المؤدية لهذه المباني من الشوارع التي تطل عليها المباني وتسوير الجدران المتهدمة.
  • إغلاق بعض الشوارع المؤدية إلى مجموعات كبيرة من المباني التراثية التي تخلو من الأنشطة السكانية.

مشروع المسح التراثي

توجد معظم المباني التراثية في أحياء وسط الرياض القديمة، وإذا كانت الهيئة العليا تخطط وتنظم وتطور المدينة وتأسيس أحيائها الجديدة، فهي كذلك تهتم بتطوير وسط المدينة وأحيائها القديمة، وتسعى لوضع الخطط والبرامج الكفيلة بتوفير متطلباتها التطويرية الضرورية في ظل أهداف محددة منوطة بعملية التطوير. إن التطوير الأحياء القديمة لا يعني بالضرورة إزالة المباني القديمة بشوارعها الضيقة وحاراتها المتعرجة،وتحويلها إلى شوارع فسيحة ترتص على جنباتها المباني الحديثة والمراكز التجارية الفارهة.

إن مبدأ التطوير يرتبط بالهدف والدور الذي يفترض أن تلعبه هذه الأحياء عمقاً تاريخياً للمدينة، ومركز إشعاع تراثي وثقافي، ومرفقاً سياحياً جذاباً، وهذا يستلزم منهجية محددة في التعامل مع المباني التراثية والأنماط العمرانية المحلية، كما تهدف إلى برامج التطوير إلى إعادة التوازن الاجتماعي السكاني لهذه الأحياء التي تتعرض لهجرة سكانها بشكل متواصل لتحل محل الشرائح السكانية المحلات التجارية، والمستودعات، والورش الصغيرة ومساكن العمال، حتى يكاد يختفي نبض الحياة في هذه الأحياء بعد انتهاء فترة العمل المسائية،لذلك يستلزم تثبيت سكان الأحياء القديمة وجعلها مناطق جذب لبقية السكان برنامجاً متكاملاً يوفر المرافق الضرورية للسكن الكريم لأهل المدينة، ويكسب هذه الأحياء التميز العمراني والتراثي المطلوب.

ولوضع برنامج تطويري فعال لهذه المناطق كان لابد من تحديد معالم الوضع الراهن للمباني التراثية، فبدأت الهيئة العليا بمشروع للمسح التراثي يشمل جميع المباني التراثية في مدينة الرياض، ويتكون مشروع المسح التراثي الذي بدأ تنفيذه في ربيع الأول لعام 1421هـ من مرحلتين:-

المرحلة الأولى:التسجيل الميداني وجميع المعلومات.

المرحلة الثانية:الدراسات التراثية والتاريخية والتقويم التراثي والعمراني.

وقد انتهت أعمال المرحلة الأولى، وبدأت معالجة المعلومات تمهيداً للبدء في المرحلة الثانية، حيث سيتم فيها القيام بتقويم أولي يتم من خلاله حصر المباني ذات الأهمية التراثية والتاريخية والمعمارية، تلي ذلك مرحلة التقويم النهائي لتحديد المباني التراثية التي تستدعي برنامجاً خاصاً للحفاظ عليها، والاستفادة منها في برنامج التطوير التراثي والثقافي والسياحي للمدينة.كما سيستفاد من هذا المسح في وضع البرامج التطويرية لأحياء وسط المدينة، وإلحاقها ببرامج تطوير وسط المدينة التي بدأتها الهيئة ببرنامج تطوير منطقة قصر الحكم.