الرؤية المستقبلية لمدينة الرياض… الرياض 1442ه

تمثل الرؤية المستقبلية بداية العملية التخطيطية والأنشطة التطويرية للمدينة، وتصاغ هذه الرؤية من القيم التي تحرص المدينة على الحفاظ عليها وإبرازها وهي تتمثل في معالم الشرع الحنيف وعلاقة الإنسان بالخالق عز وجل وما يتبع ذلك من تصورات عن الحياة وعلاقة السكان ببعضهم وبمدينتهم، كما تساهم متطلبات النمو في تحديد معالم هذه الرؤية إضافة إلى ما تقدمه معطيات تقنية تطوير المدن والمراكز الحضرية وضعت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض الرؤية المستقبلية لمدينة الرياض على ستة عناصر رئيسية : وواحة معاصرة، ومركز مالي وتجاري مزدهر، ومدينة جميلة، ومركز إشعاع ثقافي وعلمي، وهذه العناصر مجتمعة ترسم ملامح مدينة الرياض في الخمسين سنة القادمة بإذن الله.

أينستقف حدود المدينة، وهل سيستمر نموها بنفس السرعة التي نمت بها في الخمسين سنة الماضية؟

كيفستقوم العاصمة بوظيفتها، وما الدور الذي ستضطلع به على مستوى المنطقة في المجال السياسي والاقتصادي والثقافي؟

هلستكون المدينة قادرة على استيعاب سكانها وتوفر لهم فرصاً متساوية من الحياة الكريمة ومصادر الرزق والخدمات المتكاملة؟

متىستتوافق متطلبات التنمية مع متطلبات الحفاظ على البيئة وتحويلها إلى جزء فعال في نمو المدينة؟

ماالموقع الذيستتبوؤهالمدينة بين مدن العالم في مجال العولمة والتقنية والصناعات المعرفية؟

استشراف المستقبل من الأمور العسيرة، فالمستقبل بيد الخالق عز وجل، غير أن علينا البحث في مختلف السبل لنقود بها حاضرنا نحو مستقبل أفضل، إن استشراف المستقبل يساهم بشكل فعال في توجيه أفعالنا وجعلها أكثر فاعلية في الإفادة من حاضرنا وأقرب إلى مستقبل أكثر إيجابية أيضاً، التنظير لمستقبل المدن بالغ التعقيد فهو ناتج عن مجموع التنظير لآلاف الأفراد الذين يسكنون المدينة وعشرات المؤسسات والمنظمات والهيئات الموجودة فيها، وهؤلاء جميعاً يرجون تنظيم حياتهم بصورة أفضل لتوفير الأمان والتفاعل مع مختلف أفراد المجتمع، ويبحثون عن الفرص التي تقوي قيمهم الثقافية وتعزز قدراتهم التعليمية والسياسية ووضعهم الاجتماعي وتمنحهم القدرة على استيعاب معطيات العلم والتقنية والمدنية والحضارة، وكل هذا يشكل القوة الحضرية الدافعة لنمو المدينة.

صياغة الرؤية المستقبلية

أهم خصائص الرؤية المستقبلية أن تكون قابلة للتطبيق، وأن تمثل نقطة البداية للعملية التخطيطية والأنشطة التطويرية التي ستتم في المدينة، ويتطلب ذلك نشوء علاقة واضحة بين الرؤية المستقبلية للمدينة ومتطلبات ورغبات سكان المدينة والأفراد والمجتمع ككل وتطلعاتهم وأن تكون محققة كذلك للمكانة التي يطمح المخططون للمدينة لإيصالها لها.

إن تحديد الرؤية المستقبلية ينطلق من القيم التي يؤمن بها المجتمع وهي متمثلة هنا في عقيدة التوحيد والإيمان بالله وما ينتج عن ذلك من تصورات دقيقة محددة لعلاقة الإنسان بربه ووظيفته وعلاقته بمجتمعه وبالبيئة المحيطة به. إن الالتزام بهذه القيم يضمن للمدينة نمواً متميزاً كما يضمن لمجتمع المدينة قدراً كبيراً من الاستقرار الاجتماعي الذي يمثل البيئة الأساسية لنمو المدن إيجابياً. وبالإمكان تحديد محاور أساسية تشكل في مجموعها منطلقات تحديد معالم الرؤية المستقبلية للمدينة وهي :

* متطلبات النمو، ويتم تحديد ذلك من خلال استقراء واضح ودقيق لاحتياجات مجتمع المدينة الذي تعكسه معدلات نمو السكان وما يتبع ذلك من متطلبات لتوفير فرص العمل ومتطلبات العيش الكريم من سكن وصحة وتعليم ومرافق خدمية وما يتبع ذلك من بني تحتية وتجهيزات.

* الدور المنوط بالمدينة والذي يتأثر بالبيئة السياسية والاقتصادية المحيطة بالمدينة، وستكون الرؤية المستقبلية مختلفة في مدينة تهدف لأن تكون مركزاً اقتصادياً عالمياً ذا قدرة عالية لجذب الاستثمارات عن الرؤية لمدينة داخلية ذات علاقات محدودة ودور دولي محدود.

* متطلبات معالجة السلبيات القائمة، فكل المدن مهما بلغت من القدرة التخطيطية والكفاءة التنفيذية تعاني جوانب سلبية تصل لحد الخطورة سواء على الصعيد البيئي المتمثل في مظاهر التلوث المتنوعة، أو مظاهر الاختلال الاجتماعي السكاني، أو مشاكل البطالة وعدم كفاية المرافق والخدمات.

* الفرص الممكنة، ويتمثل ذلك في طيف واسع يشمل ما تقدمة التقنية والتطور العلمي وما تهيئه الظروف المكانية والزمانية من فرص، ومن ذلك الاكتشافات الحديثة في مجال صناعة الإسكان التي من شأنها أن تخفف من أعباء التطوير وتكاليفه وتسهل حياة سكان المدينة، كما يمثل تاريخ المدينة ومورثها الحضاري وبقاياه المحسوسة مصدراً ورافداً قوياً لصناعة جديدة على المدينة كالسياحة الثقافية مثلاً، وقد يوفر الموقع الجغرافي أو الظروف الزمانية مميزات تنافسية ذات أبعاد عالمية تتيح للمدينة لعب أدوار تنافسية على مستوى المدن العالمية.

وقد اكتملت جميع مراحل التخطيط الاستراتيجي بدءاً من تحديد الرؤية المستقبلية بعد تنفيذ برنامج تشاور مكثف حضره عدد من ممثلي الجهات الحكومية والأكاديمية ورجال الأعمال والمسئولين المعنيين ينمو المدينة وتطويرها والمهتمين بأنشطة التخطيط الحضري، وشاركت فيه مجموعة من الخبراء المحليين والعالميين الذين يتمتعون بخبرات واسعة في المجالات التطبيقية والنظرية والإبداعية في مجالات التنمية الحضرية.

موضوعات الرؤية المستقبلية وأهدافها

قام فريق مشروع المخطط الاستراتيجي في الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض بوضع عناصر الرؤية المستقبلية للمدينة في المستقبل وذلك نتيجة للتحاليل والنظريات التي درست وتم تبنيها على مختلف المستويات وهي : عاصمة المملكة، مدينة إنسانية، واحة معاصرة، مركز مالي وتجاري مزدهر، مركز إشعاع علمي وثقافي، مدينة جميلة، كما ترجمت عناصر الرؤية المستقبلية إلى أهداف تمثل نتائج حاسمة يلزم تحقيقها في نهاية العمليةالتخطيطية،وهذهالأهداف ليست أهدافاً لجهة أو مؤسسة خاصة، وإنما هي أهداف للمدينة التي تعني وتهم الناس الذين يعيشون فيها ويزورونها.

عاصمة المملكة

الأهداف:

  • مركز دولي للمؤسسات الدولية والإسلامية والإقليمية والسياسية والاقتصادية.
  •  مركز وطني قيادي للمؤسسات والهيئات الوطنية الإدارية والاقتصادية.
  • نموذج عالمي للتنمية الحضرية المعاصرة لعاصمة وطنية في قلب الصحراء.
  • مركز وطني للوظائف والمؤسسات الثقافية والتاريخية.

بالإمكان تحقيق ذلك عن طريق إيجاد مثلث مكاني وظيفي يعرف بثلاث نقاط أولها مركز المدينة الذي منطقة قصر الحكم ومركز الملك عبد العزيز التاريخي والأسواق التقليدية، وثانيها الديوان الملكي وحي السفارات ومقر مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وثالثها منطقة المطار القديم كمنطقة محتملة لإنشاء المنتزه العام للمدينة. ستكون هذه الأقطاب الثلاثة بعد ربطها بالطرق المزدانة بالأشجار والحدائق والبوابات مكونات قوية وذات دلالات هامة وعالمية، كما ستتحول المدينة من مركز أحادي إلى مدينة ذات مراكز فرعية تؤدي إلى تخفيف الازدحام في مركز المدينة، كما أن هناك عوامل عدة تدعم مكانة الرياض كعاصمة للملكة منها الازدهار المالي وتوافر الموارد الطبيعية والمرافق التعليمية والصحية العليا والمطار الدولي.

مدينة إنسانية

الأهداف:

  • مدينة توفر مستويات حياة مرتفعة لرفاهية جميع المواطنين.
  • مدينة يتماشى تنظيمها العمراني مع المبادئ الإسلامية القاضية بتوحيد فئات المجتمع ولو كانت متنوعة.
  • تحقق لمجتمع المدينة العمل والسلامة والأمن والخدمات والمرافق العامة والتطور الثقافي والترفيه.
  • تشجع قيام علاقات قوية وإيجابية بين سكان المدينة وبيئتهم من خلال توجيه تخطيط الأحياء بما يضمن حصول الجميع على احتياجاتهم الأساسية وتتاح لهم حرية الاتصال والانتقال.
  • تحقق للسكان حرية اختيار الأنماط المعيشية المناسبة.
  • تعكس مشاركة فعالة للسكان وتحفز مسؤولياتهم تجاه التنمية.

لتسهيل توزيع الخدمات في جميع المناطق بشكل متساو تم إيجاد تقسيم هرمي على أربعة مستويات : الحارة السكنية، المنطقة السكنية، مركز فرعي للمدينة، مركز المدينة وتشكل المراكز الفرعية أهمية خاصة فهي توفر أماكن جذب للخدمات ذات المستوى العالي مثل الإدارة العامة والخاصة والمستشفيات ومراكز النقل وسيتيح هذا النظام لسكان المناطق النامية سهولة الوصول للخدمات فضلاً عما توفره هذه المراكز من فرص وظيفية لسكان الأحياء المجاورة لها.

كما خصصت مراكز في الشمال والشرق لتركيز الأنشطة العليا مثل الجامعات والمستشفيات ومناطق الترفيه والملاعب الرياضية لتقدم في مجموعها خدمات ذات مستوى عال لسكان المناطق المجاورة، وتمثل المدينتان الضاحيتان الابتكار الهيكلي الذي تم تضمينه بحيث تستوعب كل ضاحية نحو مليون ساكن ووجودها في منطقة لم تقسم إلى مخططات سيساهم في كسر رتابة النظام الشبكي للأحياء ويعطي المزيد من الحرية والابتكار في تصميم الأحياء السكنية.

مركز إشعاع ثقافي وعلمي

الأهداف:

  • رائدة في المجالات التعليمية والصحية وعلى اتصال بشبكات عالمية للبحث والتطوير.
  • تستثمر في البحث العلمي والتقني في مجالات الطاقة والمناطق الصحراوية.
  • تطبق أفضل نماذج الإدارة البيئية في التصميم والتخطيط والتنمية العمرانية.
  • قاعدة للصناعات المعرفية.

تمتلك الرياض العديد من المقومات الأساسية لتكون رائدة في مجال البحث والصناعات المعرفية والاتصالية نظراً لما يتوفر لها حالياً من جامعات ومراكز أبحاث ومراكز طبية متطورة وقاعدة متكاملة من المرافق الخدمية الحديثة، كما تمثل البيئة الصحراوية المحيطة بالمدينة مجالاً خصباً للتفرد في الأبحاث والدراسات والابتكارات التقنية فيما يخص البيئة الصحراوية.

مدينة جميلة

الأهداف:

  • إثر الشخصية العمرانية للمدينة المقتبسة من العمارة الإسلامية والأنماط المحلية.
  • تشجيع تنوع الأنماط المعمارية وفقاً لمبادئ تصميمية واضحة المعالم.
  • تحقيق انسجام عمراني من خلال توزيع متناسق وعملي ووظيفي للمناطق العمرانية وعناصرها وذلك باستخدام البيئة الطبيعية والمبنية.
  • توفير المنشآت الكافية لاحتضان الأنشطة الاجتماعية والثقافية والاحتفالية.
  • إيجاد ممرات آمنة للمشاة في الشوارع والطرق المشجرة وتوفير المتطلبات اللازمة لها.

يتركز مفهوم الشكل العمراني الجمالي للمدينة في التراث المعماري والمركز القديم للمدينة، ومدينة الدرعية والديوان الملكي وحي السفارات، والمنتزه العام المستقبلي ووادي حنيفة والمقرات الحكومية البارزة والمنشآت المعمارية المميزة السكنية منها والوظيفية.

وتتطلب بلورة المعالم الجمالية لهذه العناصر ربطها بروابط بصرية ووظيفية قوية، كما يفضل تركيز المباني العالية التي تبلغ ارتفاعاتها ثلاثين طابقاً في منطقة وسط المدينة وفي الجزء الجنوبي من منطقة العصب المركزي وستليها في الارتفاع منطقة المراكز الفرعية.

مركز مالي وتجاري مزدهر

الأهداف:

  • تنمية تتجاوب مع الاحتياجات المالية وتتكامل مع السياسات الاقتصادية.
  • جذب المزيد من الاستثمارات الخاصة من خلال توفير شبكة متكاملة من المرافق الخدمية المساندة.
  • حفز فرص الاختيار والمنافسة للقطاع الخاص في تحديد طبيعة ومواقع الاستثمار في التنمية.
  • توظيف ورفع مستوى الإمكانات المتاحة من الموارد البشرية.

يعتمد ازدهار المدن على مستوى الاستخدام للموارد الطبيعية ونشاط السكان، وقد خصصت مناطق للاستخدامات المكثفة في الشمال ومناطق التطوير الجنوبية والشرقية، كما توفر المراكز الفرعية بما تحويه من مرافق إدارية وخدمية فرصاًَ جديدة لأعمال مستحدثة، كما يجري تطوير أنواع جديدة من الصناعات وفي مقدمتها الصناعات المعرفية والنشاط السياحي الذي سيستثمر مقومات البيئة وقدرات المرافق الترفيهية والمنشآت الثقافية، وخصصت أراض جديدة في جنوب المدينة لتكون امتداداً طبيعياً للصناعات المزدهرة حالياً.

واحة معاصرة

الأهداف:

  • تسخير الفرص المتاحة لتنمية عمرانية في قلب الصحراء مع اعتبار المعوقات كافة.
  • استخدام أحدث الأنظمة لتحقيق نمو فعال لا يؤثر سلباً على الموارد الطبيعية والمعالم البيئية.
  • تطبيق مستويات متقدمة من أنظمة ترشيد استعمال المياه وإعادة استعمالها.
  • تشجيع الاستثمار والابتكار في مجال تقنية إنتاج الطاقة.
  • الخلو من التلوث وسلبيات النمو الحضري.

الرياض أكبر واحة عرفت للناس، وتعاني من نقص في مصادر المياه، ويفترض إلا يتجاوز معدل استهلاك الفرد اليومي 300 لتر، كما طورت اقتراحات لمواجهة النقص في المياه باعتماد أنظمة فعالة لإعادة استخدام المياه وربطها بمحطات معالجة مياه الصرف الصحي للاستخدامات الأخرى غير الشرب، وتعد إجراءات ترشيد الاستهلاك وإعادة استخدام المياه ضرورية لضمان إمدادات كافية من المياه لسكان المدينة، كما حددت جميع المناطق التي تحتاج إلى حماية من الاستثمارات وتشمل مناطق حماية البيئة والمناطق المحمية بجبال طويق والمناطق المخصصة للتعدين ومنطقة المناظر الجنوبية. بالإضافة إلى المناطق المفتوحة التي ستحفل بها المدينة.