الحفاظ على المباني الطينية التراثية

المباني التراثية الطينية من أكثر المنشآت التراثية حساسية وعرضة للتلف والانهيار، وتتنوع العوامل المؤدية لانهيار المباني الطينية لتشمل العوامل الميكانيكية وأشدها ضرراً السيول والأمطار، تليها العواملالفيزيوكيميائيةالناتجة عن الرطوبة والعوامل البيولوجية الناتجة عن القوارض والزواحف والحشرات.

و تبدأ أولى خطوات الحفاظ على هذه المنشآت بتوثيقها والبدء في اتخاذ إجراءات عاجلة توقف التدهور الحاصل تتضمن تدابير عملية لإيقاف أثر عوامل الانهيار المختلفة، وتنظيمات كفيلة بحماية المباني من سوء الاستخدام والقيام بأعمال التدعيم الضرورية لمنع انهيارات المباني أو أجزائها.

يأتي الحفاظ على المباني التراثية ضمن الفعاليات الثقافية للأمم. وذلك لما تمثله من أهمية كبيرة في إثراء العمق التاريخي الحضاري للأمم، ما يمكن أن تساهم به في الواقع الحديث من توجيه للنشاط العمراني الحديث، أو أن تكون إحدى ركائز الاقتصاد السياحي أو تصبح ضمن المرافق العامة التي تتضمن أنشطة حيوية يفيد منها سكان المدينة وزائرها في واقعهم المعاصر. وتتناسب القيمة التراثية للمباني مع عمقها التاريخي فكلما ازداد قدمها ازدادت قيمتها، بالإضافة إلى أصالة المبني وخلوه من التحسينات والإضافات الحديثة وما يرتبط بهذا المبنى من أحداث ووقائع لها قيمته كأن يشتمل على زخارف ونقوش لها قيمة عالية أو ترجع لشخصية مشهورة أو يحتوي المبنى على مواد فريدة وخصائص معمارية تميزه عن بقية المباني التراثية المشابهة.

تولي الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض عناية خاصة بالمباني التراثية من خلال برنامج الحفاظ على التراث، فعلى الرغم من الحداثة والعمران النشط الذي شهدته الرياض ما زالت تشتمل على عدد كبير من المباني التراثية يتجاوز عددها الخمسة عشر ألف مبنى تشكل في بعض الأحيان أحياء كاملة، وهي على درجات متفاوتة في قيمتها التراثية، ويضاف للمباني التراثية في مدينة الرياض الأحياء القديمة في الدرعية وخصوصاً أحياءها التاريخية التي تشتمل على عدد كبير من المباني التراثية الثمينة في قيمتها العمرانية ودلالتها التاريخية والمعنوية.

في العصر الحديث تطور علم الآثار في مجال صيانة المباني التراثية والعمارة التقليدية والمحلية، وقبل أن يتحول المبنى التراثي من مكان مهجور يشكل مصدراً للخطر في بعض الأحيان إلى مرفق مهم يقوم بدور حيوي ومعلم بارز في المدينة هناك مراحل عديدة، تبدأ بالتوثيق الدقيق والشامل للمبنى ويتضمن ذلك المسح البصري (تصوير المبنى ومرافقه وأجزائه) والرفع المساحي (مخططات المبنى المعمارية). وفي أثناء الدراسات التوثيقية العاجلة تتخذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على الوضع الراهن للمبنى ويتضمن ذلك إيقاف عوامل التدهور والتلف، واتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة لإبقاء المبنى على حالته القائمة، ريثما تبدأ المرحلة الأكثر أهمية والتي تستهل بدراسات تاريخية وتراثية مفصلة عن المبنى وقيمته التراثية ثم اختيار المنهج الأفضل لترميم المبنى ترميماً شاملاً يتناسب مع الوظيفة التي سيقوم بها المبنى بعد ترميمه، فقد يكون مجرد معلم بصري جمالي في المدينة مثل بعض بوابات الرياض القديمة وقد يكون مرفقاً تعليمياً مهماً كأن يكون متحفاً مثل متحف المصمك أو مركزاً للأبحاث والدراسات والأنشطة الثقافية مثل بعض منشآت مركز الملك عبد العزيز التاريخي.

عوامل انهيار المباني الطينية

جميع المباني التراثية على اختلاف المواد الأساسية التي بنيت منها سواء كانت الطين أو الأحجار أو الأخشاب فإنها تتأثر وتتعرض للتلف بفعل مجموعة من العوامل، غير أن المباني التراثية تأثراً بهذه العوامل ما يستدعي إجراء صيانة دورية على فترات متقاربة وقد تختفي أحياء من المباني التراثية خلال عدة مواسم ممطرة في بضع سنين، وتقسم العوامل المسببة للتلف إلى الآتي :

  • العوامل الميكانيكية:

وتأتي في مقدمة العناصر المؤثرة تحت هذه المجموعة مياه الأمطار والسيول، فتساقط المطر يؤدي إلى تآكل جدران المباني الطينية وانهيار أسقفها، أما السيول فتؤدي إلى انهيار الأساساتوالحوائطما قد يؤدي في بعض الأحيان إلى انهيار المباني الطينية خلال ساعات.

ومن العوامل الميكانيكية المؤثرة العواصف الرملية، فعند اشتداد العواصف وما تحمله معها من رمال تتحات جدران المباني، كما تسبب الرياح بما تذروه من رمال في طمر المباني التراثية بحيث تختفي أحياء كاملة تحت طبقات الرمال خصوصاً في المناطق الصحراوية، كما يأتي العمال البشري ضمن هذه المجموعة، فكثير من الأنشطة الإنسانية قد تسبب إتلاف المباني الطينية إما بهدمها وإزالتها أواستبدالاتهالمنشآت حديثة وأنشطة أخرى، أو بإقامة أنشطة تؤثر على هذه المباني وتؤدي إلى إتلافها كاستخدامها مقلباً للنفايات أو القيام بأعمال التعدين والأنشطة الحفرية التي تؤدي إلى انهيار هذه المباني بشكل غير مباشر.

  • العواملالفيزيوكيميائية:

وهذه العوامل أقل أثراً من سابقتها خصوصاً في المناطق الصحراوية التي تقل فيها الرطوبة، وتتمحور هذه العوامل حول توفر الرطوبة وازدياد نسبتها في الجو المحيط بالمبنى وفي داخله، فالرطوبة تتكثف وتتحول إلى ماء يجري على أسطح المباني ويتسرب إلى داخل الجدران ويذيب ما بها من أملاح وعندما يتبخر الماء تتبلور هذه الأملاح وتؤدي إلى تشققات في السطوح وأماكن تجمعها.

  • العوامل البيولوجية:

تأتي هذه المجموعة كنتيجة لوجود الرطوبة أو توفر الماء المناسب لنمو النباتاتو”الأشنات” والطفيليات وما يتبع ذلك من وجود القوارض والزواحف وهي جميعها تسبب التلف للمباني. فالقوارض والزواحف تحفر بيوتها في جدران المباني وأرضياتها ويؤدي ازدياد أعدادها إلى تلف بالغ في قوام الجدران والسقوف، أما النباتات فتنمو في الجدران وبين الأحجار المكونة للمبنى وعلى السقوف المدفونة بالطين والرمل وتؤدي إلى تشقق الجدران وانهيار الأسقف وتفكك الأحجار التي غالباً ما تشكل الدعامة الأساسية للمباني. ويشكل النمل الأبيض مشكلة خطيرة على المباني الطينية. بسبب إتلافه للأخشاب المكونة للأسقف وحتى القش الموجود داخل اللبنات الطينية، كما تسبب الطحالب والكائنات الدقيقة تحلل أساسات الجدران وعوارض الأسقف.

إجراءات وقف التدهور

تتمثل إجراءات وقف التدهور في مجموعة من الأعمال والتنظيمات التي تفعل في أسرع وقت ممكن لتؤدي في مجملها إلى إيقاف التدهور في المباني التراثية الطينية، وتحافظ على أفضل أوضاع الحالة الراهنة ريثما تنتهي الدراسات التوثيقية والبحثية الدقيقة وما يتبعها من خطط للترميم وإعادة تأهيل المباني وخطة تنشيطها وشغلها بالفعاليات لتكون عنصراً فاعلاً في خدمة مجتمع المدينة وساكنيها وزائريها وتقسم هذه الإجراءات إلى ثلاث مجموعات رئيسية:

  • معالجة عوامل الانهيار.
  • التنظيمات والإجراءات المستعجلة.
  • تدعيم المباني.

معالجة عوامل الانهيار

تتضمن هذه المجموعة عدداً من الإجراءات والأعمال اللازمة لإيقاف الأثر السلبي للعوامل المؤدية لتآكل المباني الطينية، فالمعالجة العوامل الميكانيكية وفي مقدمتها أثر مياه الأمطار والسيول تعملمرازيم(ميازيب) مؤقتة وبالعدد المناسب لتسهيل خروج الماء مع تجنب إحداث تغييرات في وضع الأسقف الحالية، وعمل شبكة من المجاري المؤقتة لتصريف السيول وتجميع المياه من الميازيب بعيداً عن المباني، وسد الشقوق والفجوات في الأسقف والجدران وقد يستلزم الأمر في بعض المواسم الممطرة تغطية الأسقف وحواف الجدران الخارجية بمواد عازلة لا تؤثر على المباني وتقلل من أثر الماء على الجدران. ولتخفيف أثر الرياح تزال الرمال من حول المباني وتثبت الرمال حول المبانيبالراتنجاتواللدائن الصناعية وقد يكون من المناسب عملمصداتللرياح من الأشجار أو تشجير المناطق المتاخمة للمباني التراثية الطينية. كما تتخذ الإجراءات الكفيلة بتهوية المباني لتقليل نسبة الرطوبة بداخلها واستخدام المبيدات الحشرية ومبيدات الأشجار ومصائد القوارض لإخلاء المباني من مسببات تلفها المباني، ويعد النمل الأبيض من الأخطار التي تحتاج إلى معالجة فعالة لحماية أخشاب المباني في الأسقف أو ضمن مكونات الجدران من التآكل بفعل النمل الأبيض ويتم ذلك عادة بالمبيدات الحشرية بطريقة التبخير ورش الأخشاب بمواد تحول دون استخدام النمل الأبيض لها.

التنظيمات والإجراءات المستعجلة

تهدف هذه المجموعة إلى منع الإتلاف البشري للمباني الطينية ووضع إجراءات دقيقة ومنظمة للتعامل مع هذه المباني لتجنب تعريضها للضرر، فقد يكون من الإجراءات الضرورية تسييج منطقة المباني التراثية لمنع ارتياد الناس لها أو استخدامها كمقلب للنفايات، ووقف الأنشطة البشرية التي تؤدي إلى إتلاف هذه المباني أو تشكل خطراً عليها وعلى بيئتها ومن ذلك مشاريع الحفر والصناعات الثقيلة، وقد تغير هذه الإجراءات في وقت لاحق وذلك في إطار وضع خطة شاملة لإعادة تأهيل هذه المباني والإفادة منها.

كما تتضمن هذه المجموعة عدداً من الإجراءات والتدابير الموجهة للمقاولين العاملين في المناطق الأثرية تضمن اتخاذ الحيطة والحرص على سلامة المباني والأطلال ومن ذلك منع استخدام معدات حفر ذات اهتزازات عالية، وعدم استخدام معدات نقل وأجهزة بين المباني والاعتماد على العمالة اليدوية ما أمكن وعدم استخدام المياه في التنظيف إلا تحت إشراف المختصين ويدخل ضمن ذلك بخاخات الهواء ذات الدفع العالي، كما تحول هذه الإجراءات دون استخدام المباني من قبل المقاولين لأنشطتهم الإنشائية كالتخزين أو ورش العمل الميدانية. ويحظر عليهم نقل الموجودات داخل هذه المباني إلا بإشراف وإذن المختصين.

تدعيم المباني

يتضمن ذلك عدداً من التجهيزات الميكانيكية تحول دون انهيار الأسقفوالحوائطوالقواعد ولا تعني بالضرورة أنها جزء من عملية الترميم النهائية، وهذه الإجراءات مهمة جداً خصوصاً عند القيام بأعمال مهمة في هذه المباني كأعمال الرفع والتنقيب، حيث تشكل المباني الطينية مصدراً للخطر بتعرضها للانهيار الفجائي وإصابة العاملين فيها أو الزوار الذين قد يتاح لهم المرور بين هذه المباني.

وتشمل هذه الإجراءات تدعيم الأسقف المهددة بالانهيار باستخدام دعائم رأسية من الحديد أو الخشب على مسافات متساوية ولا تزيد المسافة بين الدعائم عن مترين وتستخدم الطريقة ذاتها في تدعيم الجسور وأعتاب الأبواب والشبابيك.

وتدعمالحوائطذات الارتفاع البسيط باستخدام الدعائم الرأسية من الخارج وإذا تعذر تدعيمها من الخارج تدعم من الداخل بنفس الطريقة كما في الشكل (3)، أماالحوائطالعالية فتدعم باستخدام أبراج التدعيم من الخارج والداخل كما في وكذلك تدعم الأعمدة المتوقع انهيارها بدعائم مائلة.

كما يتضمن التدعيم الأجزاء السفلية منالحوائطالمتأثرة بالماء، حيث يتم تنظيفها ثم تعبأ باللبن والمونة وتدعم بأكياسالرمل،أماالحوائطالمتآكلة بمستوى يرتفع عن الأرض فتدعمبغرز أوتاد خشبية في الجدران ذات نهايات هرمية للخارج ثم يعبأ الفراغ بالطين والمونة.

كما تعاد تسوية أرضيات المباني وفرشها بطبقة جديدة تتضمن انحداراً يجرف المياه بعيداً عن أساساتالحوائطوالأعمدة.

تدعيم مباني حي الطريف

مع بداية الفصل الدراسي الأول لهذا العام بدأ حي الطريف في استقبال الزوار من الجمهور والزيارات المبرمجة وبدأت فعاليات المرحلة الأولى من الخطة التنشيطية لحي طريف. ونظراً لكثافة المباني الطينية في الحي وأهميتها التاريخية بحيث ستمر مدة طويلة من البحث والدراسة لاختيار الأسلوب الأنسب للإفادة منها في إطار برنامج تطوير الدرعية، فقد اتخذت عدة إجراءات عاجلة لتدعيم المباني الطينية في الحي تضمنت:

*إغلاق الممرات والشوارع الضيقة خصوصاً التي بين المباني العالية والتي يتعذر فيها توفير وسائل الأمن والسلامة للجمهور وستظل هذه المناطق متاحة للزيارات العلمية والباحثين وفريق العمل في المشروع.

  • تدعيم المباني القائمة على جوانب الممرات الأساسية في الخطة التنشيطية ويشمل التدعيم تدعيمالحوائطوإغلاق الفتحات المؤدية لداخل المباني.
  • الإشراف على الأعمال الإنشائية في الموقع والتأكد من عدم إضرارها بالمباني الطينية فيه.