مراحل النمو السكاني والعمراني لمدينة الرياض

تتفق مجمل الدراسات على أن الرياض قامت على أنقاض مدينة حجر التي كانت عاصمة لمملكة كندة، في العصر الجاهلي وظلت حاضرة اليمامة لقرون عديدة، ثم ضعفت حجر في حوالي القرن العاشر الهجري، وظهرت محلها قرى مثلمعكالومقرن، والعود، والبنية، وفي القرن الثاني عشر الهجري قامت الرياض على محل يجمع القرى السابقة، وفي عام 1187 هـ ضمها الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود لتصبح إحدى حواضر الدولة السعودية الأولى، ثم عاصمة الدولة السعودية الثانية فيما بعد.

وبعد الخامس من شوال لعام 1319 هـ التاريخ الحقيقي لتأسيس الرياض، إثر فتحها على يد الملك عبد العزيز – رحمة الله _- حيث ظلت قاعدة تنطلق منها جيوش البلاد حتى عام 1351 هـ عندما أعلنت المملكة العربية السعودية وعاصمتها الرياض.

كانت الرياض عام 1319 هـ بلدة صغيرة لا تقارب مساحتها الكيلو متر مربع، ولا يتجاوز عدد سكانها العشرةالآفنسمة، وكانت أبرز معالمها العمرانية، السور الذي يحيط بها، وحصن المصمك وقصر الحكم والجامع الكبير وسوق الصفاة، وكانت بيوتها مبنية على الطراز المحلي، ومن المواد ذاتها التي كانت سائدة في المنطقة، واليوم يتجاوز عدد ساكنيها الملايين الأربعة، وتتجاوز المساحة المطورة منها الأف كيلو متر مربع ،ويمكن للمتتبع لتاريخ تطور النمو السكاني والعمراني للمدينة أن يرصد خمس مراحل رئيسية مر بها هذا النمو.

المرحلة الأولى : النشأة وترسيخ البناء

(1319 هـ – 1350 هـ / 1902 – 1930 م)

اتسمت الرياض خلال هذه المرحلة بصغر حجمها العمراني، وتركز النمو العمراني داخل أسوارها، حيث كانت الرياض تتشكل من ساحة مركزية ( ساحة الصفاة ). تحيط بها المعالم العمرانية الرئيسة وهي قصر الحكم، والجامع، والأسواق، وتتفرع من هذه الساحة أربعة شوارع رئيسة تنتهي إلى بوابات الرياض الرئيسة في جهاتها الأربع، ويتفرع من هذه الشوارع طرق فرعية ملتوية تقود إلي الأحياء السكنية و البساتين الموجودة داخل الأسوار، وقدر عدد سكاتها في تلك الفترة بحوالي 19,000 نسمة وبمعدل زيادة سنوية بلغت 1,8 %، وكان أهم تطورات هذه المرحلة إعلان الرياض عاصمة لسلطنة نجد وملحقاتها عام 1338 هـ، وباستكمال توحيد أقاليم البلاد ارتفعت نسبة نمو السكان إلى 4 %، حيث بلغ عدد السكان في أواخر هذه المرحلة 27,000 نسمة تقريباً.

المرحلة الثانية : بداية التوسع

(1351 _ 1370 هـ / 1931 م _ 1950 م)

عام 1351 هـ أعلنت الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية، وبدأ التوسع العمراني خارج أسوارها حيث شيد قصر المربع عام 1357 هـ نحو الشمال، وكان أول مؤشر عمراني بتوسع العمران نحو الشمال، الذي تعزز بامتداد المساكن بينه وبين منطقة الفوطة ببناء عدد من القصور الملكية، وظهر حي الحلة إلى الشرق من وادي البطحاء، ثم توسع العمران في ذلك الاتجاه فظهرت حلة القصمان، كما انتشر العمران في الاتجاه الغربي وتكون حي أم سليموالشميسي، وفي الجنوب ظهرت منطقة سكنية منعزلة سميت عتيقة، كما توسع القلب التجاري على حساب الحزام السكني المحيط به، وبلغ عدد السكان عام ( 1370 هـ _ 1950 م ) 83,000 نسمة بنسبة نمو تجاوزت 10 %، و وصلت المساحة المعمورة إلى 13 كيلو متراً مربعاً بنسبة نمو قدرها 4 % واختتمت هذه المرحلة التي استمرت لعشرين عاماً بقرار إزالة أسوار الرياض عام 1370 هـ.

المرحلة الثالثة : الانطلاق

(1371 _ 1390 هـ / 1951 _ 1970 م)

بلغ عدد سكان الرياض بنهاية هذه المرحلة 350,000 نسمة بمعدل نمو سنوي بلغ 16 %، وشهد عقد السبعينيات الهجرية عدداً من الإنجازات الكبرى، في مقدمتها تشييد شبكة من الطرق تربط العاصمة بالساحل الشرقي والساحل الغربي، وافتتاح السكة الحديد، وإنشاء مطار الرياض عام 1373 هـ وعلى المستوى الإداري نقلت رئاسة مجلس الوزراء، و الوزارات، والدوائر الحكومية إلى الرياض من جدة في نفس العام، وبدأ التعليم الثانوي عام 1371 هـ، وافتتحت الكليات والمعاهد المدنية و العسكرية، وأنشئت جامعة الملك سعود التي عرفت بجامعة الرياض، وعلى مستوى المرافق الخدمية، أدخلت الكهرباء في إنارة الشوارع وحلت محل السرج ومصابيح الكاز، ومدت شبكة الهاتف اليدوي، وعبدت الشوارع الرئيسة، وأمنت مصادر جديدة للمياه من الطبقات الجوفية في وادي نساح وغار والحائر.

وقد راعى المخططون أن تكون الأحياء الجديدة مكتملة المرافق، كما صممت الشوارع على أن يكون عرضها خمسة عشر متراً تسهيلاً للحركة المرورية للسيارات الخاصة، وسيارات الخدمة العامة، واقتضى ذلك هدم قسم من المناطق السكنية لاستيعاب هذه الشوارع، وتغيرت نوعية المساكن الجديدة من الطراز المعماري التقليدي إلى الطراز الخرساني الحديث، وظهرت الفلة كوحدة الإسكان النموذجية للمستقبل.

اتخذ النمو طابعاً سريعاً في ثلاثة اتجاهات، ففي الشمال تدعم العمران بإنشاء المطار، حيث شيد طريق مزدوج يصل المطار بوسط المدينة، وسرعان ما تزايدت أهمية الطريق، فاختيرت المنطقة الواقعة غرب الطريق مقراً لمباني الوزارات الحكومية، واختيرت الجهة المقابلة لتكون مناطق لتكون مناطق تجارية وسكنية حديثة خارج منطقة الوسط التجاري المركزي، وعلى هذا الطريق أنشأت وزارة الدفاع والطيران حي الضباط لإسكان منسوبيها، أما الشمال الشرقي فقد ساهم كل من طريق الرياض _ الدمام ،ومقر السكة الحديد، وشارعالريلالذي استقطب على جانبيه الورش ومحلات قطع الغيار والمعدات، فقد ساهم كل ذلك في توطين الصناعات الخفيفة في هذا الجزء وأصبحت المنطقة الصناعية الأولى، وأطلق عليها حي الصناعية، الذي التحم تدريجياً بالأحياء الناشئة حديثاً كالحلة القصمان، وحي المرقب، ومنطقة البطحاء التجارية.

وفي الشمال الغربي اختيرت منطقة الناصرية مقراً للقصور الملكية وجهزت بكامل الخدمات والمرافق، وصارت بمنزلة مناطق جذب يزحف العمران باتجاهها، كما استمر العمران في الفراغات الواقعة بين الأحياء مثل المربع والفوطة وامتدت جميعها باتجاه الناصرية مشكلة مناطق سكنية راقية.

في الجنوب تمدد العمران باتجاهمنفوحةالجديدة ونشأت أحياء صياح وغبيرة، وفي الجنوب الغربي توسعت أحياءالشميسيوعليشةوظهر حي البديعة، وامتد العمران باتجاه الشرق والجنوب الشرقي وظهرت أحياء الصالحية والخالدية.

ويعد برنامج إسكان حي الملز ( الرياض الجديدة ) نقطة تحول مهمة في تاريخ عمارة الرياض والتأثير على نمطها العمراني المستقبلي، وبلغت مساحته 5 كيلو مترات مربعة، وتكون من 754 فيلا و 180 شقة وقد أنشأته وزارة المالية لموظفي الوزارات المنقولين إلى مدينة الرياض.

المرحلة الرابعة : التخطيط الموجه

( 1391 _ 1405 هـ / 1971 _ 1985 م )

بدأت أول محاولة تخطيطية لمدينة الرياض عام ( 1388 هـ / 1968 م ) واستمر لأربع سنوات، وفي عام ( 1392 هـ / 1972 م ) كان المخطط جاهزاً واقترح للمدينة نظام شبكي مستطيل الشكل،تتوازى فيه الشوارع وتتقاطع مع بعضها بزوايا قائمة، وتحصر بينها أحياء سكنية على شكل بلوكات مربعة، ومما ساعد على اعتماد هذه الخطة سهولة التعامل معها وتنفيذها، بالإضافة إلى طبوغرافية الرياض المنبسطة، غير أن النمو تجاوز خلال سنوات حدود المخطط المقترح، واستدعى ذلك عمل مخطط اَخر لاستيعاب نمو المدينة المتسارع، حيث انجز هذا المخطط ليحكم نمو المدينة وتطورها حتى عام 1420 هـ ( 2000 م ).

ساهمت أول خطة تنموية خمسية في تأسيس البنى التحتية في المدينة ( 1390 _ 1395 هـ، 1970 _ 1975 م ) كتمديد شبكات المياه الجديدة والكهرباء، والصرف الصحي، ومصارف مياه الأمطار والسيول، واستبدال الهاتف اليدوي بالهاتف الاَلي، ورصفت جميع الشوارع الرئيسة والفرعية وزاد عدد المدارس والمعاهد والكليات والمرافق العامة.

كما أسست الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض عام ( 1395 هـ / 1975 م ) لتكون مسؤولة عن رسم وتنفيذ برامج وخطط تنمية المدينة وتطويرها، كما كان لتأسيس صندوق التنمية العقاري عام ( 1394 هـ / 1974 م ) دور كبير في تسارع حركة العمران والتطوير العقاري، حيث ازداد توسع الأحياء السكنية في الاتجاهات السابقة فطوقت أحياء الملز والمربع والوزارات بالإضافة إلى حي السليمانية الحديثة | المطار وبدأ التفكير في نقلة، كما ظهرت أحياء العليا النموذجية والمؤتمرات.

وبنهاية هذه المرحلة عام 1405 هـ بلغ عدد سكان المدينة 1,300.000 نسمة تقريباً.

المرحلة الخامسة : تكامل المرافق

( 1406 _ 1419 هـ / 1986 _ 1999 م )

تميزت هذه المرحلة بالتطور الكبير في وسائل النقل والمواصلات، كافتتاح مطار الملك خالد الدولي، وشيد خط دائري حول المدينة، وأقيمت أعداد من المشاريع المتكاملة المرافق، كمجمعات جامعتي الملك سعود، والإمام محمد بن سعود، والديوان الملكي ورئاسة مجلس الوزراء، ومجلس الشورى، وحي السفارات، والمدينة الرياضية، ومدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، والمنطقة الصناعية الثانية،ومنشاَتالحرس الوطني وغيرها.

كما زودت المدينة بمصادر جديدة لمياه الشرب من ساحل الخليج العربي عبر محطة الجبيل، وقسمت إدارة بلديات المدينة إلى سبع عشرة بلدية فرعية حسب أحياء الرياض.

وقدر عدد سكان المدينة بنهاية المرحلة 3,540,874 نسمة بمستوى نمو بلغ 7,89 % سنوياً، وامتدت رقعتها المعمورة على مساحة بلغت 752 كيلو متر مربع.

اليوم مازالت عجلة نمو المدينة تتسارع، وأصبح عدد سكان المدينة حوالي 4,500,000 نسمة وتتجاوز المناطق المطورة الألف كيلو متر مربع، مما استدعى قيام الهيئة بوضع مخططإستراتيجيشامل يوجه دفة نمو المدينة إلى عام 1442 هـ حيث يتوقع أن تتجاوز مساحة المدينة الألفي كيلو متر مربع ويتجاوز عدد سكانها الملايين العشرة بمشيئة الله.