ساحات قصر الحكم مكانة إستراتيجية وشهرة عالمية

شكلت الساحات على مر العصور مكوناً أساسياً من مكونات المرافق العامة في المدن، تقوم بدور مهم على المستوي الاجتماعي والتفاعل الإيجابي بين سكان المدينة، بالإضافة إلى مرفق تجاري، وملتقى لتبادل السلع، تخصص مع الأيام في الجوانب التراثية والثقافية، كما تقوم بدور مهم وحيوي على مستوى النقل وإدارة الحركة عبر إرجاء المدينة.

في العصر الحديث تأكدت مكانة الساحة كعنصر مهم للقضاء على الظواهر السلبية والضغوط النفسية التي أفرزتها الحياة الحديثة، الساحة، والباحة، والبرحة، والرحبة، والميدان : مترادفات تطلق على الفراغ المستوي المتسع من الأرض، وفي علم العمارة تطلق على الفراغ المحدد بمعالم واضحة بينالمنشاَتوالمباني الذي يخدم الجمهور العام.

وهي عنصر مهم ضمن مجموعة المرافق العامة التي تشتمل عليها المدن، كالشوارع، والأسواق، وتتعدد الوظائف التي تقوم بها الساحات، وقد تتخصص في وظيفة معينة، بحسب طبيعة تكوينها أو بحسب التنظيمات التي تحدد استعمالها كأن تكون مخصصة لاحتفال موسمي معين. في الماضي خدمت الساحات ثلاثة أدوار رئيسية، فكانت الساحة الحاضن للتفاعلات الاجتماعية بين سكان المدينة، فيها تقام الأنشطة الثقافية، وتظهر الوشائج العائلية، والعلاقات الاجتماعية، وحتى المناسبات الدينية والتراثية والسياسية، كما ساهمت الساحة بدور مهم في النشاط التجاري داخل المدن، فغالباً ما أحاطت بها الأسواق، وغالباً ما كان فراغها سوقاً تزدهر فيه حركة البيع والشراء وتبادل السلع، أما الدور الثالث فيتمثل في الجانب التنظيمي للحركة عبر أرجاء المدينة، حيث شكلت الساحات عقد مواصلات تنتهي إليها الشوارع الرئيسية، ومنها تنطلق محاور الحركة الأساسية في المدينة.

منذ نشأة المدن اقترنت بها الساحة كمكون أساسي فيها، حيث تأتي الساحة كنتيجة لطبيعة تنظيم المباني والتكوينات المحيطة بها، والدور الوظيفي الذي تتمتع به المباني المطلة على فراغ الساحة، فغالباً ما كانت الساحات في مراكز المدن وازدياد الكثافة السكانية، تنتشر حولها المباني العامة كالأسواق، والمساجد، ودور القضاء، وقصور الحكم والإدارة، وبارتياد الناس لهذه المباني العامة يتكثف تواجدهم في الساحة ويكون ذلك فرصة لازدهار أنماط التفاعل الاجتماعي، فتصبح الساحة ملتقى لسكان المدينة أو الحي، وبمرور الوقت تتجذر هذه الوظيفة، وتتحدد معالم الساحة مكانياً ووظيفياً، ويزداد تحديد معالمها وضوحاً، فقد تنشأ فيها أماكن الجلوس، ومرافق الخدمات العامة، وتقام فيها التكوينات الجمالية.

ظهرت الطفرة العمرانية التي عمت العلم في بدايات القرن المنصرم ( الميلادي )، ومع تلك الطفرة تضاءلت القيمة الوظيفية للساحة، والمكانة العمرانية لها، فخلت الأحياء من الساحات والميادين العامة، وهجرت الساحات والميادين القائمة في مراكز المدن، وأحيائها القديمة، ويأتي هذا التدهور في مكانة الساحة نتيجة لأسباب عديدة من أبرزها : ظهور السيارة وتطور وسائل النقل الأخرى داخل المدن، ما أدى إلي هجران السكان للمشي والاعتماد على المركبات، وأثر ازدياد الاعتماد على السيارة كوسيلة نقل مفضلة في تصميم المدن وتخطيط الأحياء، فصممت الشوارع لخدمة السيارات والفراغات لإيقافها، دون الاهتمام بحركة المشاة وما يتبع ذلك من توفير بيئة آمنة مشجعة على المشي، كما كان للنمو الاقتصادي المتسارع الذي عم مدن العالم دور رئيسي في تغيير نمط حياة السكان التي قلت فيها العلاقات الاجتماعية، وساهمت الهجرة المكثفة إلى مراكز العمل في المدن إلى ضياع التعارف الاجتماعي، وبالتالي تضاءل التفاعل الاجتماعي بين سكان المدينة، وشغل المخططون لبناء المدن بتوفير المساحات والمرافق الخدمية المباشرة لاستيعاب النمو السكاني في المدن من جانب آخر ساهم تطور وسائل الاتصال من هاتف، وتلغراف، ثم تطور وسائل الإعلام المرئية والمسموعة كل ذلك ساهم في تنامي مظاهر العزلة بين سكان المدينة، وعدم شعورهم بالحاجة للالتقاء بالآخرين، فأدت هذه الظروف مجتمعة إلى غياب الساحة كعنصر حيوي في المدينة يخدم ساكنيها.

الساحة في العصر الحديث :

بدأت الظواهر السلبية لمظاهر المدينة الصاخبة، وإيقاع الحياة الرتيب في الظهور، حيث انتشرت الأمراض الناتجة عن قلة الحركة، والضغوط النفسية، وبدا واضحاً ضرورة تزويد المدن بمرافق كافيةللمناشطالاجتماعية وتشجيع السكان على المشي والحركة، والالتقاء والتفاعل مع بعضهم خارج إطار العمل، وأصبحت الساحة والمكونات المعمارية المشابهة عناصر ضرورية يتحين المخططون الفرص لإيجادها بأعداد كافية، وبتجهيزات متكاملة في أحياء المدن، أو وضعها كعنصر رئيسي في المخططات الحديثة، ولم تعد الساحة عنصراً ثانوياً يتشكل من الفراغ الذي تحيط به المباني فقط كما كانت في السابق، بل أصبحت في كثير من الأحيان عنصراً معمارياً واضح المعالم وربما يمثل العنصر الرئيسي في بعض المشاريع التطويرية وبالنظر إلى تطور علوم العمارة والهندسية الإنشائية تطورت أنماط محددات الساحة، فبالإضافة إلى المباني المحيطة بالساحة، ظهرت محددات أخرى كنوع الأرضيات التي تكسى بها الساحة والتي غالباً ما تكون الحجارة أو الرخام، وكذلك تساهم أنماط الإنارة وتعدد المستويات والارتفاعات، ووجود عناصر إضافية كالعناصر الجمالية، والمجسمات والمسطحات الخضراء، والتكوينات المائية التي أصبحت من أبرز المكونات الأساسية للساحات، كل ذلك يساهم في إبداع أنماط جديدة في تحديد معالم الساحات في العصر الحديث.

كما شمل التطوير الفعاليات التي تقام في الساحات، فبعد أن كانت مقتصرة على اللقاءات العابرة للسكان، طورت البرامج الثقافية و الاجتماعية والتراثية لشغل هذه الساحات وإدخال الجمهور ضمن إطار معين ومحدد منالمناشطالثقافية، أما في النواحي التجارية فاقتصرت الأنشطة التجارية في الساحات على التجارة الثقافية والتراثية، نظراً لوجود مراكز التسوق ووفرة الأسواق.

الساحات في الرياض القديمة

كانت الرياض القديمة صغيرة لا تتجاوز مساحتها كيلو متراً مربعاً، يسكنها بضعة آلاف، تربطهم وشائج الدم والدين والجوار، عبر عشرات السنين. ضمن هذه المساحة المحدودة تراصت مساكن أهل المدينة وفق نسيج معماري محلي اعتمد في موارده على المواد المحلية، وفي تصميمه على المبادئ التي قامت عليها المدن الإسلامية، من حفظ الحرمات، وحسن الجوار، والتعاون، ولم تكن المدينة في حاجة إلى عدد كبير من الساحات، فسكان المدينة يلتقون في الصلوات خمس مرات في اليوم والليلة، وتجمعهم أزقة المدينة في الغدو والرواح، فضلا عن وشائج القربي التي كانت تربطهم، والجوار القديم الذي كان بينهم، كما لم تكن المدينة ذات أهميةإستراتيجيةعلى مستوى المنطقة، فلم تقصدها الوفود، ولا تقاطرت إليها القبائل المهاجرة طلباً للعيش باستثناء نشاط تجاري محدود يتجاوب مع متطلبات الحياة الضرورية لسكان الرياض.

ومنذ بداية عهد الدولة السعودية الحديثة التي أرسى دعائمها الملك عبد العزيز – رحمه الله – عام 1319 هـ، اكتسبت الرياض مكانة سياسية واقتصادية مرموقة، وأضحت مقصداً لوفود التجارة المتنوعة، وتكاثر عدد سكانها بوتيرة عالية، وفي ظل هذا النشاط المدني المحموم وازدهار حركة البيع والشراء فيها، ازدهرت ساحة الصفاة الواقعة بين الجامع الكبير ( جامع الإمام تركي بن عبد الله ) وقصر الحكم، لتشكل ميدان المدينة والملتقى الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لساكنيها وزائريها.

أدت الساحة أدواراً مختلفة، ففي المجال السياسي كانت الساحة محطة للوقود القادمة على الملك عبد العزيز من خارج الرياض، أو من سكان المدينة الذين كانوا ينتظرون مقدمه أو خروجه من قصر الحكم، وفي المجال الاجتماعي كانت ملتقى موعداً لفئات متنوعة من طلبة العلم الذينيؤمونالجامع الكبير، أو المسافرين القادمين، أو أهل المدينة الذين يقصدون الساحة لقضاء حوائجهم أو المرور عبرها، وكانت الساحة مقراً للاحتفالات تقام فيها العرضة السعودية في المناسبات.

كما كان لساحة الصفاة دور حيوي في المجال التجاري، كملتقى للتجار والباعة وشكلت الشوارع المؤدية إليها أسواق ظل بعضها مستمراً إلى سنوات قليلة مضت، وكان للساحة دور مهم في إدارة الحركة والنقل عبر المدينة بسبب موقعها المتوسط تقريباً ووجودها بين أشهر المرافق والمباني في المدينة، وارتباطها بجميع الشوارع الرئيسية في المدينة التي كانت تؤدي إليها من جهة ومن جهة أخرى إلى إحدى بوابات المدينة القديمة الثماني.

ساحات منطقة قصر الحكم الحديثة :

ساحات قصر الحكم ركيزة أساسية في برنامج تطوير منطقة قصر الحكم الذي بدأ عام 1399 هـ، واكتملت مرحلتاه الأولى والثانية، ويجري الإعداد حالياً لمرحلته الثالثة التي بدأت بعض برامجها ( سيعرض برنامج تطوير منطقة قصر الحكم في موضوع مستقل )، تؤدي هذه الساحات أدواراً مهمة في تحقيق الأهداف الأساسية لبرنامج تطوير المنطقة.

وتتكون ساحات منطقة قصر الحكم من :

  • ميدان العدل.
  • ساحة الصفاة.
  • ساحة الإمام محمد بن سعود.
  • ساحة المصمك.
  • ممر الجامع.

وتمثل ساحات منطقة قصر الحكم نموذجاً مركباً من الساحات المستقلة، التي تشكل معالمنشاَتالأخرى في المنطقة وحدة تصميم متكاملة ومتناسقة، على مستوى التصميم والمواد المستخدمة، وتكامل الأدوار الوظيفية والتخطيط العمراني للمنطقة بوجه خاص، وللمدينة بشكل عام.

وتمتاز هذه الساحات بتكامل المرافق وفي مقدمتها عنصر الأمن والسلامة على مستوى المرور والحركة، وعزلها عن حركة المركبات الكثيفة في المنطقة والحد من التلوث الضوضائي الذي تحدثه، بالإضافة إلى توافر الأمن على مدار الساعة، ومراعاة عناصر ومتطلبات السلامة خصوصاً للأطفال في كل أرجاء المشروع.

ويلمس الزائر لهذه الساحات بساطة التصميم في عناصر الساحات وخلوها من التكوينات المعقدة، وكثافة المحسنات الجمالية، والزخرفية، حيث تشكل الفراغات المسطحة السمة الغالبة، كما روعي في وضع التكوينات الجمالية المائية عدم سيطرتها على معظم المساحة أو إعاقة المدى البصري، فوضعت في الأطراف، وتتيح الفراغات المنبسطة الواسعة إمكانية القيامبمناشطمتنوعة على مستوى تنظيم الفعاليات، أو على مستوى السلوك الفردي لزوار الساحات.

تتكون العناصر المحددة لساحات قصر الحكم من مجموعة متكاملة تمنح في مجملها الخصوصية الكافية لهذه الساحات، فهناكحوائطالمباني المحيطة بالساحات وهي ذات مستويات متقاربة، بالإضافة إلى رصف أرضيات القاعات بأنماط مختلفة من حجارة الجرانيت وتجهيزات إضاءة خاصة.

وتتبلور أدوار محددة لساحات قصر الحكم، من أبرزها :

ميدان مركزي

تشكل منطقة قصر الحكم قلب مدينة الرياض وتشكل ساحات المنطقة ميادين مركزية للمدينة على غرار الساحات والميادين المركزية في المدن التاريخية والحديثة، وتظهر هذه الصفة بشكل خاص في ميدان العدل.

معلم تراثي

ساحة الصفاة الوحيدة ذات القيمة التراثية، لكنها مع بقية الساحات الواقعة بينمنشاَتتراثية مهمةكالمصمكوقصر الحكم والجامع وبما تمتاز به من وحدة تصميمية تجسد القيمة الذاتية والرمزية للمنطقة وأهميتها التاريخية.