مستويات العمارة التاريخية في مركز الملك عبد العزيز التاريخي

عوامل رئيسية أسهمت في بلورة الهوية العمرانية التراثية لمركز الملك عبد العزيز التاريخي في مقدمتها المناسبة المئوية التي أنشئ المشروع على هامشها، وطبيعة موقع المشروع الذي كان مقراً لمجمع قصور المربع التاريخية، ووجود بعض العناصر التراثية التاريخية في المشروع، وطبيعة المؤسسات الثقافية التراثية كالمتحف الوطني ودارة الملك عبد العزيز، وأخيراً المنهجية العامة لتطوير وسط المدينة وضرورة التكامل مع برامج التطور في منطقة قصر الحكم، وسعي الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض لبلورة الهوية العمرانية للمدينة عبر الاستفادة من مفردات العمارة المحلية.

يقدم مركز الملك عبد العزيز التاريخي مستويات متفاوتة من العمارة التراثية، فعلى المستوى العام يعيد تصميم المركز إحياء النسيج العمراني التقليدي، كما تستخدم جميع منشآت المركز مفردات العمارة التقليدية المحلية، وتسمح ممرات المركز والمناطق المفتوحة بتطوير حركة المشاة باعتبارها الأساس للتنقل ما يضفي أجواء تراثية حية على المكان.

كما روعي في تجديد العناصر الوظيفية القائمة ضرورة التجانس مع بقية منشآت المركز.

المباني الطينية في المركز خضعت لإعادة ترميم وفق أسس عملية باستخدام المواد المحلية، وهي تمثل عرضاً متحفياً للعمارة المحلية، كما أنها مهيأة لاستيعاب أنشطة ثقافية تراثيةومتحفية، في حين يقدم قصر المربع نموذجاً خاصاً لإعادة الترميم.

تقدم دارة الملك عبد العزيز نموذجاً فريداً في العمارة التراثية حيث أقيمت على مخطط قصر الملك عبد العزيز، وأعادت بناء بعض تكويناته العمرانية، أما المتحف الوطني فهو مبنى حديث يتجاوب بإيجابية مع العمران التراثي السائد في المركز من خلال عدم سيطرة مبنى المتحف على البيئة العامة في الموقع، وتداخلها مع التكوينات الطبيعية والمسطحات الخضراء، وينطبق ذلك على مباني مكتبة الملك عبد العزيز وقاعة الملك عبد العزيز للمحاضرات.

كانت المباني التراثية في بدايات عصر النهضة العمرانية الحديثة مجرد شواهد عمرانية تذكر بالماضي دون أن يكون لها دور فاعل في حياة المجتمع أو أثر في توجيه عمران المدن، غير أن منهجية التعاطي مع العمران التراثي تبلورت عبر عدد من التجارب الناجحة على مستوى العالم، حيث أصبحت للعمارة التراثية أصولها العلمية الدقيقة، وأصبحت المباني التراثية أشبه ببصمة توجه عمران المدينة نحو هوية محددة. يتحدد مستوى ترميم المباني التراثية بعدة اعتبارات منها ما يتعلق بموقع المبنى وأهميته ومتطلباته التطويرية وخصائصه الطبيعية، ومنها ما يتعلق بالمبنى نفسه من حيث قيمته التاريخية وأهميته العمرانية وحالته الإنشائية والاستخدامات المتاحة الملائمة للمبنى بعد ترميمه.

ترمم المباني التراثية وفق المنهجية العلمية الحديثة ضمن عدة مستويات، ففي أعلى هذه المستويات، يأتي تأهيل المبنى وترميمه باستخدام المواد الأصلية التي بني منها في السابق وباستخدام ذات التقنية القديمة، كما يعاد تأثيثه وتهيئته للاستعمال الذي استخدم من أجله قديماً، فإذا كان سكناً استخدم كسكن، كما تحتم أوضاع بعض المستويات يعاد ترميم المبنى على الوضع الذي كان عليه في السابق، لكنه يستخدم لغرض مختلف، مثل ترميم قصر سكني ليكون مكتبة عامة أو متحفاً.

تولي الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض التراث العمراني عناية خاصة، سواء عبر برنامج الحفاظ على التراث التابع للهيئة والذي يتولى مسؤولية توثيق المباني التراثية في المدينة وترميمها، أو عبر المنهجية العمرانية التي تتبعها الهيئة في جميع مشاريعها التطويرية العمرانية، مثل برنامج قصر الحكم، وحي السفارات، ولقد أسهمت هذه المشاريع الحديثة وغيرها في بلوزة الهوية العمرانية لمدينة الرياض، وكان لهذا النجاح الذي حققته هذه المشاريع في مجال تطوير سمة خاصة من العمارة التراثية أكبر الأثر في حفز بقية المشاريع التطويرية الرئيسية على تأكيد هذه الهوية وابتداع نماذج مطورة منها، ولم يقتصر هذا التوجه على المشاريع الكبرى وإنما تعداه ليشمل حتى المباني السكنية الخاصة التي يقدم بعضها نماذج راقية في بلوزة الهوية العمرانية لمدينة الرياض.

مركز الملك عبد العزيز التاريخي الذي قامت الهيئة على تطويره وإنشائه يقدم صورة ديناميكية مفعمة بأنماط مختلفة من العمران التراثي الحديث، ويعتبر أحد الركائز العمرانية الأساسية الموجهة للتطوير العمراني في المدينة، يركز هذا الموضوع على جانب العمران التراثي في مركز الملك عبد العزيز التاريخي ومنهجية التعامل التي سلكتها الهيئة في تطويره.

المتطلبات التراثية في المركز

تأثرت السمة التراثية العمرانية لمركز الملك عبد العزيز التاريخي بعوامل أساسية في مقدمتها طبيعة المناسبة التي أنشئ المركز على هامشها والمتمثلة في مرور (100) عام على استعادة الملك عبد العزيز ـ رحمة الله ـ لمدينة الرياض، كما لعب موقع المشروع وطبيعة منشآته دوراً هاماً في توجيه تصميم منشآت المركز، فأرض المشروع في الأساس هي أرض مجمع المربع الذي عاصر بدايات تأسيس مؤسسات الدولة، وكان أول المباني التي أقيمت خارج أسوار الرياض، وشهد أبرز الأحداث التطويرية الأساسية في البلاد، من تأسيس الوزارات ومؤسسات الدولة، وبدء المؤسسات الخدمية، وتأسيس مشاريع المرافق العامة، كما أن عدداً كبيراً من منشآت المجمع ظلت قائمة، وإن بدرجات متفاوتة من الحالة العمرانية، وفي مقدمتها قصر المربع (ديوان الملك عبد العزيز) الذي يعد أهم العناصر التاريخية في المجمع والذي ظل محافظاً على مبناه وقدراً كبيراً من أثاثه وموجوداته، كما بقيت في المجمع بيوت طينية سكنية كاملة من أشهرها قصر الملك عبد العزيز، فضلاً عن بقاء أجزاء من الأسوار والأبراج والآبار.

وكان لطبيعة المؤسسات الثقافية التي ستقام في المشروع دور تعزيزي نحو الاتجاه التراثي، فالمتحف الوطني مؤسسة ثقافية تعنى بتوثيق تاريخ البلاد عبر العصور، كما أن دارة الملك عبد العزيز التي نقلت إلى المركز هي الأخرى مؤسسة ثقافية تعنى بتاريخ البلاد وتراثها.

يقع مركز الملك عبد العزيز التاريخي في الجزء التاريخي من مدينة الرياض، على مقربة من منشآت قصر الحكم، فكان من الضروري اعتبار عناصر التكامل والتجانس بين منشآت المركز ومنشآت قصر الحكم التي أصبحت بالإضافة إلى مبنى المحكمة الكبرى بالرياض تمثل وحدة عمرانية متكاملة ومتجانسة، وستقوم بدور نقاط التوجيه ومحاور الارتكاز لتوجيه المشاريع العمرانية التطويرية في منطقة وسط المدينة بخاصة، وبقية أحيائها الحديثة بوجه عام.

كل هذه العناصر مجتمعة إضافية إلى منهجية الهيئة في بلورة هوية الرياض العمرانية أدت إلى الطابع المعماري الذاتي لمنشآت مركز الملك عبد العزيز التاريخي.

تختلف منشآت المركز في مستوى العمارة التراثي ومنهجية الترميم وإعادة التأهيل والدور المنوط بهذه المنشآت ما يمثل بيئة منوعة من المناهج العمرانية التراثية المختلفة، وفيما يلي أبرز هذه المستويات والأنماط التراثية.

بلورة هوية المكان

تعطي السمة العامة لمركز الملك عبد العزيز التاريخي ملامح تراثية تتمثل في عدد من الجوانب، يأتي في مقدمتها الإبقاء على النسيج العمراني القديم لمجمع المربع المكون من وحدات سكنية تتخللها أزقة ضيقة ومتعرجة. وعلى الرغم من الحداثة الشاملة لكل منشآت المركز إلا أنه يعكس متطلبات الحي الإسلامي القديم، كما يتداخل المركز مع الأحياء المحيطة به ليشكل وحدة عمرانية متكاملة تخلو من التباين الشديد.

جانب آخر يتمثل في التصميم العام للمباني الذي يعكس مفردات العمارة المحلية بقوة في تصميم المباني وفي الفراغات البينية (بين المباني) ومستويات ارتفاعها المنخفضة نسبياً، واختراق حركة المشاة لهذه المباني من جوانب عديدة، كما تشكل المباني محددات طبيعية للفراغ سواء أكان ميداناً مفتوحاً أو ممراً أو حديقة دون الحاجة إلى أيجادحوائطخاصة تقوم بدور المحدد للفراغ، وهذه الميزة تتماشى مع مبادئ العمارة التقليدية التي تقوم على المشاركة وتبادل الوظائف، والاعتماد التكاملي في القيام بالوظائف العامة للحي القديم.

وتكتمل الصورة التراثية العامة للمركز ببيئة الحركة فهي في مجملها حركة خاصة بالمشاة (حركة السيارات متاحة في حدود ضيقة) تدعمها ممرات مصممة بأنماط مختلفة ومستويات متفاوتة في التجهيز، تنتشر خلالها أماكن الجلوس وبيئة الحدائق ما يعطي الجمهور شعوراً إيجابياً تجاه الحركة الراجلة، كما تفصل حركة المركبات عن حركة المشاة فصلاً تاماً، فلا تكاد ترى في مركز الملك عبد العزيز التاريخي، ما يسهم في بلوزة الصورة التراثية العامة له.

التجديد التكاملي

اشتمل مركز الملك عبد العزيز التاريخي على عدد من المنشآت التي تؤدي دورها بكفاءة وتتمتع بينية معمارية جيدة وهي مسجد الملك عبد العزيز الذي جدد بناؤه عدة مرات ويعكس بناؤه مرحلة مهمة في نمو الرياض، وطريق الملك سعود الذي يمر عبر المركز، وأخيراً برج المياه الذي يشكل عنصراً أساسياً في شبكة مياه المدينة وأحد معالم الرياض، كان لابد من إيجاد صيغة عمرانية لدمج هذه المنشآت ضمن منظومة عناصر المركز مع الاحتفاظ بمقوماتها الحالية وأدوارها الحيوية.

أضيفت للمسجد جدران خارجية على غرار جدران بقية المنشآت الحديثة في المركز، كما أعيد تأهيل المسجد وتجهيزه وتأثيثه بالكامل ليتناسب مع المستوى الذي تتمتع به بقيه عناصر المركز، واعتبر شارع الملك سعود رافداً لتوجيه حركة سكان المدينة عبر جنبات المركز ليشكل المركز جزءاً من الذاكرة اليومية لسكان المدينة، حيث وزعت المنشآت الرئيسية على جانبي الشارع، وأعيد رصفه وتنسيق مرافقه الجانبية، وتجديد إنارته وعناصره الجمالية بما يتناسب مع بقية العناصر الوظيفية والجمالية في أرجاء المركز، واتخذت الإجراءات الكفيلة بضمان حركة المشاة المتقاطعة مع حركة السيارات العابرة من خلاله.

حالياً يجرى الإعداد للإفادة من الميزة العمرانية لبرج المياه المتمثلة في علوه الشاهق نسبياً، وإعادة تجهيز المطعم العلوي فيه، وتطوير الحديقة المحيطة به بنفس منهجية بقية حدائق المركز، وقد أعيد طلاء البرج بألوان تتناسب مع البيئة البصرية العامة لمنشآت المركز.

المعالم التراثية

تعرضت أجزاء كبيرة من أسوار مجمع المربع وأبراجه وبعض القصور للهدم، وبقيت أجزاء يسيرة منها يصعب الاعتماد عليها في تكوين عناصر وظيفية نظراً لذهاب معظم مكوناتها، لذا اعتبر فيها القيام بدور جمالي بصري بين منشآت المركز والاستفادة منها في حدود الأجزاء المتبقية منها، فأعيد ترميم أجزاء من السور، وأحد الأبراج القديمة كما أعيد ترميم إحدى الآبار وجعل المياه الجارية في الحديقة الوسطية تنبع قريباً منها، كما تم الحفاظ على أساسات أحد المباني (البيت الشمالي)في ارتفاع متفاوت لا يتجاوز المتر يساهم في العناصر الجمالية في الموقع ومكان للعب الأطفال، وخريطة حقيقة لنمط البيوت التقليدية القديمة في المنطقة.

المباني الطينية

ظل عدد من القصور السكنية في مجمع المربع محافظة على نسيجها العمراني ووحداتها الوظيفية الأساسية، وقد درست الهيئة عند تصميم المركز وتخطيطه عدة خيارات للتعامل مع هذا الوضع واستقر الأمر على إعادة ترميم هذه المباني وتأهيلها إنشائياً لتصبح كما كانت عليه في ماضيها، ونظراً لحجم هذه المباني الكبير نسبياً ووفرة غرفها وأفنيتها، فهي مهيأة لاستقطاب أنشطة ثقافية موسمية، وقد اتخذت الاحتياطات والتجهيزات اللازمة لتكون مهيأة للعروضالمتحفية، أو عرض الفلكلور الشعبي، كما أن هذه المباني حتى بدون تأثيثها أو شغلها بنشاط معين تمثل معرضاً مفتوحاً للعمارة التراثية المحلية.

قصر المربع

يتمتع ديوان الملك عبد العزيز (الذي اشتهر في مراحل متأخرة بقصر المربع) بمكانة تاريخية عالية، كما أنه المبنى الوحيد في مجمع المربع الذي كان يلقى الرعاية والصيانة الدورية، التي حافظت على معظم مكونات المبنى في حال جيدة، مع الحافظ على قسط وافر من أثاثه وتجهيزاته الأصلية، كما توفرت مادة أرشيفية كافية للأنشطة في القصر وطبيعة الأعمال التي كانت تتم في أجزائه، ويظل قصر المربع جزءاً من ذاكرة الذين عملوا فيه، أو قصدوه سواء لزيارة الملك عبد العزيز ـ رحمه الله ـ أو لمتابعة أعمالهم عند موظفي القصر، حالياً يمثل القصر عنصراً مهماً في مركز الملك عبد العزيز التاريخي، ويقوم بدور متحف مصغر يوثق مرحلة تكوين مؤسسات الدولة، حيث أعيد ترميم مبنى القصر كلياً وفق منهجية علمية، استخدمت فيها المواد المحلية الأصلية، وشارك في الترميم بعض الذين شاركوا في بنائه قديماً. وأعيد تأثيث حجرات القصر بما تبقى من أثاث محفوظ بعد تجديده، وخصوصاً المجلس الصيفي والمجلس الشتوي، وأشهر مكاتب القصر، وبعض الحجرات الخدمية، كما أضيفت خزائنمتحفيةحوت معروضات حقيقية من فترة ازدهار القصر، وأضيفت لها لوحات تعريفية بها وبعناصر القصر، أعيد ربط القصر عبر أحد الجسور الثلاثة التي كانت في الماضي تربطه ببعض المباني والجامع، حيث يصل هذا الجسر إلى مبنى دارة الملك عبد العزيز التي أنشئت على أنقاض قصر الملك عبد العزيز السكني، ويؤدي الجسر مباشرة إلى قاعة الملك عبد العزيز التذكارية في مبنى الدارة التي حوت مكتبة الملك عبد العزيز ومكتبه الخاص وبعض أدواته الشخصية لتشكل القاعة مع قصر المربع وحدة موضوعية متكاملة.

المؤسسات الثقافية

المتحف الوطني أبرز المؤسسات الثقافية في المركز، وهو مبنى حديث بمواصفاتمتحفيةعالمية، تكمن الجوانب التراثية فيه في تناسقه مع البيئة العمرانية للمشروع، ومن ذلك طبيعة المواد المستخدمة فيتكسيةجدرانه، وعدم سيطرة مبنى المتحف بالرغم من ضخامته على أرض المشروع، حيث يسمح المبنى باختراق حركة المشاة له في أكثر من موقع، كما تتداخل مسطحات الحدائق والبيئة الطبيعية مع تكوينات المبنى بما يحافظ على البيئة البصرية الخضراء للموقع.

أما مبنى دارة الملك عبد العزيز فيمثل مستوى مستقلاً من العمارة التراثية، وهو مبنى حديث أنشئ في موقع قصر الملك عبد العزيز السكني الذي كان قد جدد في الماضي وأضيفت إليه أجزاء معمارية حديثة على فترات متلاحقة، وبعد دراسة المبنى تبين عدم أهليته للترميم نظراً لذهاب معظم أجزاءه وضياع قيمته المعمارية التراثية نتيجة لأعمال التجديد المتوالية، لذلك أزيلت أنقاض القصر باستثناء البيت الحجري، وأنشئ مبنى حديث للدارة يقوم على المخطط الأساسي للقصر القديم، ويحافظ على تكويناته الأساسية المتمثلة في الرواق الكبير والأبراج، والحفاظ على نسب أبعاد الفراغات الوظيفية داخل المبنى، كما أعيد ترميم المبنى الحجري الذي يقع وسط فناء الدارة، وجهزت غرفة لأنماط متنوعة من الأنشطة الثقافيةالمتحفيةأو الأنشطة المكتبية.