نظام المعلومات الجغرافية أساس نظام المعلومات الحضرية في الهيئة

كان لعلماء المسلمين الريادة في تطوير علوم الجغرافيا، وأصبحت اكتشافاتهم وإبداعاتهم الأساس المعرفي للنشاط الأوروبي الاستعماري والتجاري في عصور النهضة الأوربية، ومن أبرز ما أضافه علماء المسلمين في علوم الجغرافيا تحديدهم لدوائر العرض، وقياس محيط الكرة الأرضية بفارق لا يذكر مع القياس الحديث، ورسمت خرائط دقيقة للأقاليم والطرق البرية والبحرية، ولعل بعض ما تبقى من الخرائط المسطحة والمجسمة التي أبدعها الإدريسي خير شاهد على هذه الريادة.

في العصر الحديث تطورت علوم الجغرافيا، وبشكل خاص علم الخرائط (Cartography)نظراً لتطور وسائل العلم والمعرفة في مجال علم المساحة، وتطور الوسائل التقنية للرصد وخصوصاً في مجال الطيران، حيث كان للتصوير الجوي آنذاك ـ مازال ـ دور حاسم في النقلة الهائلة التي شهدها علم الخرائط، وقد أدى ازدهار وسائل النقل والمواصلات إلى أنواع متعددة من الخرائط، وتزايدت أهمية الخرائط كوسيلة متفق عليها بين الباحثين والمختصين في شتى المجالات، بل تجاوز الأمر إلى عامة الناس الذين تيسر حصولهم على الخرائط ذات المعلومات المبسطة المفيدة لهم في أمور حياتهم الخاصة.

غير أن التطور الهائل الذي شهده علم الخرائط لم يتجاوز نقاط الضعف الأساسية التي تعانيها الخرائط المطبوعة (على الورق أو غيره من وسائل العرض) ، وتتمثل أبرز جوانب الضعف فيها في محدودية المعلومات المعروضة على الخريطة لجعلها مفهومة ويسهل التعامل معها، كما يواجه مستخدمو الخرائط المطبوعة مصاعب كثيرة في استخلاص المعلومات وربطها ببقية المعلومات المكانية غير المبينة على الخريطة، فضلاً عن التكاليف الباهظة في إعدادها وطباعتها ونشرها، ومع ازدياد الحاجة إلى إضافة معلومات ذات طبيعة متغيرة تصل إلى المستوى اليومي ازدادت جوانب القصور في الخرائط المطبوعة التي يصعب تحديثها وتطويرها لمواكبة المعلومات المتغيرة باستمرار.

نظام المعلومات الجغرافية

أدى اكتشاف الحاسب الآلي وتطوراته المتسارعة إلى ثورة في علم المعلومات، حيث أصبح بالإمكان التعامل مع كميات هائلة من المعلومات ومعالجتها وتحليلها واستخلاص مدلولاتها، بجهد ميسر وفاعلية عالية، وبهذا التطور في علم المعلومات تطور الاقتصاد المعلوماتي الذي يعتبر من الصناعات التقنية المتقدمة.

من التطبيقات المهمة في علم المعلومات نظام (نظام المعلومات الجغرافيةGeographical information System) ويعرف على أنه أحد تطبيقات نظم المعلومات الحديثة يعنى بالمعلومات المكانية (كالأنهار والجبال)وغير المكانية (كالتنظيمات الإدارية والسياسات)المرئية وغير المرئية لمنطقة جغرافية محدودة، حيث يتم في هذا النظام جمع المعلومات ومعالجتها وتحليلها ودراستها وعرضها وتجسيدها من خلال وسائط مصممة لهذا الغرض.

يقوم هذا النظام على ركائز مهمة في مقدمتها التجهيزات الفنية (Hardware)التي تشمل آلي متطورة وأجهزة مسح وتصوير، وأجهزة إدخال أنماط متعددة من المعلومات النصية والرقمية والخطية كالخرائط والصور، بالإضافة إلى برامج حاسب آلي متطور (Software)لمعالم هذه المعلومات، وقدرات بشرية مؤهلة، وبيئة تنظيمية إدارية ملائمة.

تتنوع مصادر المعلومات الجغرافية لتشمل الخرائط الطبوغرافية الطبيعية والإدارية التي تظهر الملكيات والتنظيمات الإدارية والتسميات واستعمالات الأراضي، والمخططات المستقبلية وشبكات المرافق العامة والبنى التحتية، بالإضافة إلى صور الأقمار الاصطناعية خصوصاً مع التطور الكبير في دقة وضوحها، ونظام تحديد المواقع العالميGPS. بالإضافة إلى التصوير الجوي،والمسوحاتالميدانية، وكل المعلومات والبيانات ذات الطبيعة المكانية (تتعلق بمكان محدد وتظهر تبايناً دقيقاً وثابتاً بتغير المكان) .

يقدم نظام المعلومات الجغرافية وخرائطه الرقمية امتيازات كثيرة لا تتوفر في الخرائط المطبوعة، في مقدمتها القدرة العالية على حفظ كميات هائلة من المعلومات، وهذا الحفظ يتم عبر أنظمة دقيقة، كما يمتاز النظام بسرعة استعادة المعلومات، وسهولة معالجتها وسرعة الحصول على نتائج هذه التحاليل والمعالجات، غير أن أعظم مميزات الخرائط الرقمية ونظم المعلومات الجغرافية يتمثل في القدرة العالية على تجسيد المعلومات والظواهر ضمن أنماط ذات دلائل معبرة وعالية الدقة، تمتاز بالوضوح والقدرة على إظهار العلاقات التبادلية بين شتى المعلومات المدخلة، ويصل الأمر ف هذا المجال لحد القدرة على تجسيد الحلول والمشاريع التطويرية المستقبلية، واستقراء الظواهر المستقبلية وأوضاعها ومسبباتها الحالية.

ونظراً للخصائص الإيجابية الكثيرة لنظم المعلومات الجغرافية تتنوع استخداماتها وتطبيقاتها، وتصبح مفيدة لقطاع عريض من المستخدمين لا يقتصر فقط على العلماء والمتخصصين في علوم الجغرافيا وتخطيط المدن، وإنما يصل إلى مستوى عامة الناس الذين يستفيدون من الكميات الهائلة من المعلومات المعروضة بيسر وسهولة ما يجعلها مفيدة للإنسان العادي في تدبير شؤون حياته واحتياجاته اليومية، ومن أبرز تطبيقات هذا العلم الحديث استخدامه في التخطيط سواء على المستوى الوطني أو على مستوى المحافظات والمدن الكبيرة والصغيرة وحتى على مستوى القرى والأحياء السكنية، كما يستخدم بفاعلية في التخطيط الحضري للمدن، وإدارة شبكات المواصلاتوالاتصالات،والأجهزةالأمنية والتنظيمية في المدينة، ويكون لنظم المعلومات الجغرافية دور أساسي في تحديد الاحتياجات المستقبلية في مجال المرافق العامة والمواصلات والبنى التحتية والخدمات الأساسية، كما تساهم في استقراء النمو السكاني، ووضع الحلول لمعالجة الظواهر السلبية لهذا النمو بعد رصدها وتحديد عوامل نشوئها، في مجال البيئة تعتبر نظم المعلومات الجغرافية جهاز الإنذار الأساسي في مجال رصد التلوث والإنذار بحلول الكوارث البيئية، وفي السنوات الأخيرة أصبحت نظم المعلومات الجغرافية ذات فائدة قصوى في إدارة الكوارث كالزلازل والفيضانات ومحاولة السيطرة عليها وإدارة الأزمات الناتجة عنها كالنزوح السكاني والخلل الديمغرافي ودمار البنى التحتية.

وتمثل الخريطة الأساسية الرقمية تمثل المنتج الأساسي لنظم المعلومات الجغرافية، وهي الشكل النهائي للمعلومات الجغرافية التي يتعامل المتعلقة بهم المجسدة على الخريطة وتعرف على أنها بيئة معلوماتية رقمية مصممة عبر برامج حاسب آلي خاصة، تجسد وترمز المعلومات المكانية المرئية وغير المرئية، الثابتة والمتغيرة لنطاق جغرافي محدد في شكل طبقات من الرسوم والأشكال ثنائية الأبعاد وثلاثية الأبعاد، مترابطة ومتفاعلة معلوماتياً، وتتجدد هذه البيئة بحسب التغير الذييطرأعلىمداخلاتها الأولية. إنها أشبه بالشفرة الوراثية التي تخزن فيها جميع المعلومات المتعلقة بالمدينة وتطويرها كل بحسب تخصصه ويتولون كذلك تطويرها بـ (حسبما)يستجد لديهم من معلومات ضمن مجالهم.

نظام المعلومات الحضرية في الهيئة

بدأ العمل في إنشاء نظام المعلومات الحضري لمدينة الرياض عام 1405 هـ بدراسة وتقويم نظم المعلومات لاختيار أكثرها ملائمة لظروف مدينة الرياض وقضايا النمو الحضري فيها حيث جرى في ضوء ذلك توصيف أجهزة الحاسب الآلي وبرامجه التي شغلت في أواخر عام 1407 هـ، وقد أسس النظام على قاعدتين متكاملتين ومترابطتين هما قاعدة المعلومات الجغرافية وقاعدة المعلومات الوصفية.

كان الجهاز التنفيذي للهيئة قد شرع في تلك الفترة في إجراء دراساتومسوحاتميدانية لتكون نواة نظام المعلومات الحضرية لمدينة الرياض.

شملت هذه الدراساتوالمسوحاتاستعمالات الأراضي والسكان والاقتصاد والنقل وأسعار الأراضي والعقارات، والمعلومات الأساسية عن المرافق والخدمات العامة ومصادر المياه والمعلومات الخاصة بمخططات تقسيمات الأراضي، وضمنت المعلومات المتعلقة بالخصائص الجيولوجية والهيدرولوجية لمختلف أجزاء المدينة، كما ضمن نظام المعلومات الحضري خارطة أساسية للمدينة أعدت بناء على المخططات الأساسية بالاعتماد على الصور الجوية وصور الأقمار الصناعية وإضافة المعلومات البيانية والإحصائية والوصفية إليها.

مثال تطبيقي

ترغب شركة استثمارية في إقامة منتزه ترفيهي يحوي حديقة حيوان وملاهي وملاعب متنوعة وقد حددت اشتراطات الأراضي الملائمة للمشروع كما يلي:

  • ألا يزيد ارتفاع الأرض عن 500 م عن سطح البحر.
  • ألا تكون في المناطق المنحدرة والمنخفضة.
  • أن تبعد عن المناطق السكنية بما لا يقل عن 500 م.
  • أن تبعد عن المناطق الصناعية بما لا يقل عن 1000 م.
  • أن تبعد عن الطرق الرئيسة بما لا يقل عن 400 م.
  • أن تبعد عن الطرق الفرعية بما لا يقل عن 200 م.