الحرف التقليدية بين الطموح الثقافي والتحدي الاقتصادي

شهدت المملكة العربية السعودية – بفضل الله – نقلة هائلة في نمط الحياة خلال عقود قليلة، تمثلت في مظاهر المدينة الحديثة التي صبغت أوجه الحياة للمجتمع في جميع النواحي، فأثرت على طبيعة أعماله بظهور حرف جديدة امتهنها الناس، كالعمل الإداري في القطاع الحكومي والخاص، وازدهرت التجارة وقفزت إلى أعلى مصادر الدخل، وازدهر الاقتصاد الصناعي الذي كان للنفط دور كبير في انتشاره وازدهاره، كما تأثرت أنماط الحياة الاجتماعية نظراً لتغير معطيات الحياة المدنية الحديثة وازدهار وسائل الاتصال، وتمتع الناس بوسائل الراحة والحياة الرغيدة، وانتقلوا إلى المدن والحواضر العمرانية الحديثة التي لا يسمح نمط الحياة فيها بامتهان الزراعة والرعي والحرف التقليدية، وإذا كانت الزراعة قد استعادت قدراً كبيراً من مكانتها الاقتصادية على الرغم من التغير الجذري الذي طرأ عليها إلا أن الحرف التقليدية والصناعات اليدوية عموماً كانت أكثر المتضررين من هذا الازدهار ولم يعد يمتهن الصناعات الحرفية التقليدية إلا أعداد محدودة من الناس، ما دفع القائمين على الأنشطة الثقافية التراثية إلى دراسة سبل إحياء هذه الحرف وإعادة القيمة التراثية والاقتصادية لها، ولعل من أبرز الجهود في هذا المجال مهرجان الجنادرية الذي يعمل وفق برنامج سنوي لإعادة الاهتمام بالحرف التقليدية ولفت الانتباه إليها.

تعرف الحرف التقليدية على أنها مهارات فنية يدوية تشكل مهنة ومصدر رزق أساسياً لأشخاص عرفوا بها، يمتازون بمهارة عالية وأسلوب تقليدي،وتستخدم المواد المحلية أو ما يقوم مقامها لإنتاج مصنوعات لم يتغير وصفها الأساسي أو وظيفتها منذ القدم. وتتمثل أبرز الحرف التقليدية في المملكة في المصنوعات الخزفية، والمنتجات الخشبية والنجارة، والحدادة، والسمكرة، والحياكة، والنسيج، وصناعة الأدوات المنزلية من مشتقات المواد الزراعية، وصناعة الدباغة والخرازة والمصنوعات الجلدية، وصناعة القوارب ومستلزمات صيد الأسماك، وحرفة البناء والصياغة، وصناعة العطور.

يعتمد انتشار الحرف وتحديد طبيعتها على عدد من العوامل، في مقدمتها توفر المواد الأولية التي لها دور حاسم في توطين الحرفة في مكان معين، فعلى سبيل المثال ازدهرت الصناعات الفخارية في الإحساء وجنوب الجزيرة نظراً لتوفر الطين الأحمر الصلصالي المناسب لصناعة الفخاريات، كما ازدهرت صناعةالخوصيات(منتجات سعف النخيل)في مناطق زراعة النخيل، واشتهرت الطائف بصناعة منتجات العطور منذ القدم، كما تتأثر الصناعات الحرفية بالمواسم خصوصاً إذا كانت المواد الأولية للصناعات الحرفية تتأثر بالمواسم، فتزدهر صناعة الجلود والدباغة في مواسم تكاثر الماشية، ويكثر الطلب على الأدوات الزراعية في المواسم الزراعية الوفيرة، ومن أبرز مقومات الصناعات الحرفية في الماضي توفر الأسواق، سواء الأسواق الدائمة في المدن، أو تلك الموسمية التي تقام بين القرى والهجر، حيث تشكل الأسواق المركز الرئيسي لتسويق منتجات الحرف التقليدية، فيقصدها البدو ليستبدلوا ما معهم من منتجات حيوانية بما يحتاجونه من أدوات وملابس ومتاع، وكذلك الحال بالنسبة للمزارعين، ولساكني المدن أنفسهم.

وكان لقرب بعض أسواق الجزيرة ببعض الأسواق الخارجية الشهيرة، أو طرق التجارة المهمة دور كبير في ازدهار الصناعات الحرفية، فقد كان لقرب منطقة الإحساء من مراكز التجارة على شواطئ الخليج واتصالها بجنوب شرق آسيا والهند دور حيوي في ازدهار الصناعة في منطقة الأحساء بشكل فاق بقية مناطق المملكة.

أما الصناع الذين هم أساس هذه المهنة، فقد كان تجمعهم في مناطق معينة وتوارثهم لهذه المهن عبر الأجيال الضمانة الأساسية في انتقال الخبرة والحنكة في هذه المصنوعات عبر الأجيال، وما إن عم الرخاء أطراف البلاد حتى تفرق هؤلاء الصناع ووجدوا فرصاً أفضل خارج ما تعلموه من مهن، وقل اهتمامهم بنقل الحرف التي تعلموها لأبنائهم وبذلك اندثرت هذه الحرف وتلاشت ولم يبق إلا نفر قليل ممن يتقنون بعض تلك الصناعات الحرفية في المملكة.

مقومات تطور الحرف التقليدية

إحياء صناعة الحرف التقليدية والمهن اليدوية بعامة لتعود بنفس المكانة التي كانت عليها في السابق من حيث الكم والانتشار مع اختلاف في الأهداف تفرضه معطيات الواقع، يحتاج لتهيئة عدد من المقومات الأساسية لضمان تنمية مستدامة ونجاح ذاتي للحرف التقليدية، أول هذه المقومات يتمثل في الجانب الاقتصادي، فمبدأ العرض والطلب هو المحرك الأساسي لكل نشاط صناعي تجاري.

إن ازدياد الطلب على المنتجات الحرفية التقليدية سيمثل المحصلة النهائية لعدد من العوامل الجزئية، في مقدمتها النشاط السياحي، فالسياح يعتبرون في العصر الحديث المشتري الأول للمنتجات التقليدية والحرفية، خصوصاً إذا اعتبرنا أن كثيراً من المنتجات الحرفية التقليدية فقدت أدوارها الوظيفية في حياة الناس، وسيظل تعلقهم بها لجوانب ثقافية وتراثية، أو حتى لجوانب فينة جمالية، والسياح يمثلون السوق الأولى لهذه المنتجات، والواقع يشهد بذلك فالمحلات التي تبيع التذكارات والمصنوعات الحرفية القديمة يمثل السياح جل زبائنها، كما أن جميع أو معظم المناطق السياحية تزدهر فيها محلات تجار المواد التراثية والتذكارات والمصنوعات الحرفية التقليدية، ويتمثل الشق الثاني من الجمهور المستهدف للمنتجات الحرفية التقليدية في المجتمع المحلي.

وقد يبدو للوهلة الأولى أن المجتمع استغنى بالكلية عن المنتجات الحرفية التقليدية وأنه لم يعد مستعداً للالتفاف إليها، ولا يمكن أن يمثل قوة شرائية محركة لنشاط هذه السلع، غير أن هناك مؤشرات ودلائل تتعارض مع هذه الفرضية، فالمجتمع المحلي لديه ولع بالماضي والتراث، كما أن ما يتمتع به من رخاء اقتصادي يتيح له الفرصة للإنفاق على الجوانب الثقافية التراثية ولو على سبيل الاقتناء والتجمل، ويدل الواقع على قوة هذا التوجه، فمدينة الرياض ـ على سبيل المثال ـ تشهد نزعة عمرانية حديثة في السنوات الأخيرة الماضية تميل نحو الأصالة المعمارية، وإبراز ملامح الهوية المعمارية للمنطقة، وهذا ليس مقتصراً على مباني المؤسسات العامة، بل أصبح سمة بارزة في مساكن الناس الخاصة، ومثلاً يدل على قوة التمسك بالهوية المحلية، والرغبة في التميز الثقافي، كما أن كثيراً من عادات المجتمع وسلوكياته ما زالت قائمة، ومثل هذه العادات في مجال الضيافة كانت ولا تزال ف حاجة ماسة لمنتجات حرفية تقليدية، يضطر السكان للاستعاضة عنها بما تنتجه المصانع العالمية التي أصبح ذوق المجتمع معتبراً في تصاميمها، لذلك تنتشر في الأسواق منتجات حديثة بمستويات جودة عالية مصنعة في الخارج، تحاكي المنتجات المحلية وتلقى رواجاً كبيراً ومن ذلك الأحذيةوالعباياتوالملابس النسائية، وأدوات الضيافة المنزلية، وأدوات الزينة، غير أن الصناعات الحرفية التقليدية تحتاج أن تتطور في مجال التسويق، وكثافة المنتجات، وجودة المنتجات، وبرامج إعلامية ملائمة، حتى تواكب طموحات السكان في هذا المجال.

من المقومات الأساسية لنهضة الحرف التقليدية إحاطتها بنوع من الرعاية الخاصة تتمثل في إقامة مراكز حديثة لرعاية هذه الحرف، ومعاهد لتعليمها على أسس اقتصادية تجارية، وإدخال بعض التحسينات على وسائل الإنتاج والمواد المستخدمة ووسائل التسويق لتتمتع بقدرات تنافسية مكافئة للمنتجات المستوردة المشابهة.

الحرف التقليدية في برنامج تطوير الدرعية

يتركز برنامج تطوير الدرعية في نطاقها التاريخي وأحيائها القديمة، والذي ينطلق من مقومات المدينة التاريخية، وما تمتلك من مميزات وخصائص سكانية وعمرانية وبيئية، وتراثية، اعتبر في برنامج تطوير الدرعية أن يقوم على مبادئ التنمية المستدامة ومن الاعتبارات اللازمة لتحقيق هذا المبدأ قيام البرنامج على أسس اقتصادية ناجحة، سواء من حيث الخدمات التي ستقدمها المدينة التاريخية لساكنيها أو لمدينة الرياض، أو على المستوى السياحي الوطني والعالمي.

تضمن البرنامج التطويري للدرعية إقامة مركز للحرف التقليدية، ومعهد للحرف التقليدية، ويهدف مركز الحرف إلى إيجاد مرجعية إدارية تسويقية، تتولى دعم الحرفيين، وأنشطتهم الحرفية، وتوفر لهم أنماطاً من الدعم والرعاية للحفاظ على هذه الحروف وإكسابها الفاعلية التسويقية الكافية لجذب أنظار المشترين إليها من جهة، وإعادة اهتمام الحرفيين بمهنهم من جهة أخرى، وسيقوم معهد الحرف بالتركيز على عدد من الحرف التقليدية ذات الجودة الحرفية العالية والتي يمكن أن تنافس في السوق الحديثة بشكل قوي، ما يجعلها مصدر رزق ودخل لعدد من الشباب والهواة، يقدم المعهد برامج تدريبية مكثفة، يتكامل فيها الجانب النظري، مع الجانب التطبيقي العلمي، يتأهل بعدها الخريجون للعمل في السوق وتقديم منتجاتهم الحرفية للجمهور, ويتكامل المركز مع المعهد بشكل قوي، فالمعهد سيقدم الكفاءات والخبرات المؤهلة، في حين يتولى المركز تسويقها ودعمها ميدانياً وإحاطتها بالرعاية.

تقدم الدرعية لهذا المشروع (المركز والمعهد)امتيازات كثيرة، فالدرعية تمثل نقطة جذب سياحي على المستوى الوطني والدولي خصوصاً بعد اكتمال برامجها التطويرية، وستكون نقطة جذب لجمهور عريض من الراغبين في اقتناء التحف والمصنوعات الحرفية، كما أن طبيعة الدرعية بنسيجها التراثي العمراني الأصيل الذي سيزداد تأصيلاً مع برنامج التطوير تشكل بيئة تراثية ملائمة لاحتضان أنشطة تراثية حية كالحرف التقليدية، كما يتضمن برنامج تطوير الدرعية عدداً كبيراً من البرامج التراثية والثقافية والاجتماعية ذات الطبيعة المؤازرة للأنشطة الحرفية كالمتاحف التراثية، والفعاليات الفلكلورية، والمباني التراثية، وبرامج التنشيط الثقافي والترويج السياحي.