المرحلة الأولى من النقل العام … استعادة دور حيوي بعد طول غياب

يأتي مشروع المرحلة الأولى من النقل العام الذي تقوم الهيئة العليا على إنجازه كخطوة تأسيسية لتفعيل استراتيجية النقلاتعامالتي تبنتها الهيئة في المخطط الاستراتيجي الشامل لمدينة الرياض، ويمثل النقل العام خياراً استراتيجياً لتجاوز الكثير من القضايا الحرجة التي تعاني منها المدينة في مجال النقل.

أوضحت الدراسات التشخيصية والتحليلية التي أجرتها الهيئة العليا لخصائص النقل في المدينة مدى الاعتماد الكبير على السيارة الخاصة، حيث تبين أن ما يزيد عن 93% من الرحلات اليومية تتم بواسطة المركبات الخاصة، بينما تقارب رحلات حافلات النقل العام 2% فقط من مجموع الرحلات اليومية المتولدة في المدينة.

تشير الدراسات الحالية إلى أن عدد الرحلات اليومية المتولدة حاليا يقارب 5,5 ملايين رحلة، وسيتجاوز هذا الرقم خمسة عشر مليون رحلة يوميا حسب التوقعات الإحصائية إذا ما استمرت وسائط النقل على وضعها الحالي بعد عشرين سنة من الآن، ما يستدعي النظر- في سبل تطوير نظام النقل في المدينة، وإدارته، والبحث عن بدائل فاعلة للسيارة الخاصة، ومن بينها وسائط النقل العام.

في ضوء ذلك بدأت الهيئة الإعداد لمشروع المرحلة الأولى للنقل العام، يبحث في نظام نقل عام حديث وفاعل يقام على أحد محاور المدينة الأساسية.

يستهدف المشروع سكان الرياض بجميع فئاتهم، ولن يكون مقتصرا على فئة معينة، أو الذين لا يملكون سيارات خاصة، ما يجعل التحديات التييواجههاالمشروع كبيرة.

عدة خيارات مكانية رشحت لإقامة الشروع في مقدمتها محور العليا وطريق الملك فهد، بالإضافة إلى بدائل أخرى مثل طريق الأمير عبدالله وشارع المدينة المنورة وطريق الملك عبدالعزيز كما نوقشت بدائل عدة للوسائط المناسبة مثل قطارات الأنفاق، وقطارات السكة الخفيفة، والحافلات بأنواعها الحديثة المختلفة.

إن ما يعانيه قطاع النقل العام حاليا من محدودية المشاركة وسيطرة السيارة الخاصة على حركة النقل اليومية بين جنبات المدينة كان نتيجة طبيعية لظروف خاصة ساهمت في بلورة هذا الوضع عبر عقود مضت، هذه الحالة التي يعاني منها النقل العام تسهم بقدر كبير من القضايا الحرجة، بدئ باستفحال الاختناقات المرورية التي باتت ظاهرة مألوفة على المحاور الرئيسة في المدينة – على الرغم من الكفاءة العالية لهذه المحاور – وما يصاحب ذلك من مشاكل التلوث، وانتهاء بضعف التواصل الاجتماعي بين سكان المدينة الذين يندر بينهم الاحتكاك الحسي، والتقارب في مراحهم ومآبهم عبر هذه المدينة الشاسعة.

غياب النقل العام عن المشاركة الفاعلة ضمن بقية المرافق الخدمية في المدينة يرجع لعدد من الظروف التي تستدعي قدراً كافياً من الدراسة والتحليل، قبل إجراءات المعالجة، أهمها:

النمو العمراني المتسارع:

يعد النمو العمراني السريع لمدينة الرياض الذي أدى إلى تضاعف حجم المدينة لأكثر من مائة مرة خلال عقود قليلة سببا رئيسا حال دون تطور وسائط النقل العام، فالانتشار الشبكي المنخفض الكثافة العمرانية لأحياء المدينة، وكثرة الأراضي البيضاء (غير المبنية)، وصلت نسبتها لحوالي 50% من إجمالي المساحة العمرانية المطورة قبل سنوات قليلة (حالياً أقل من 25%)، هذان العاملان أديا إلى انخفاض كثافة النقل عبر محاور المدينة الرئيسة منها والثانوية، ولم تصل هذه الكثافة إلى الحدود الدنيا المواتية لإطلاق مشاريع نقل عام استراتيجية، سواء على مستوى القطاع الحكومي، أو على مستوى القطاع الخاص، الذي يمتاز – عادة – بالمبادرة والفاعلية، واغتنام الفرص وتطويرها.

التركيز على شبكة الطرق:

على الرغم من النمو التسارع للمدينة في بنيتها العمرانية، وعدد سكانها، إلا أنها بفضل من الله تهيأ لها نمو مكافئ في المرافق الخدمية العامة، والبنى التحتية، وفي مقدمتها شبكات الطرق، فظلت الطرق في تطور مستمر بشكل مواكب لعمران المدينة، وفي كثير من الأحيان يتقدم عليه، وعلى احتياجاته في مجال النقل.

كما لم تتخذ إجراءات فاعلة في تصميم الأحياء، وشبكة الطرق لتهيئه البيئة الملائمة لازدهار مبادرات النقل العام، وظلت الوصفة الأساسية لاستيعاب متطلبات النقل المتنامية في المدينة التي كانت تطل بين فترة وأخرى، يتمثل في زيادة كفاءة شبكة الطرق، من خلال شق الطرق الجديدة، ورفع كفاءة القائم منها.

هذه الإجراءات بدأت تفقد فاعليتها في استيعاب متطلبات النقل في المدينة، خصوصا في وسطها وأحيائها القديمة نسبيا، نظراً لمحدودية هامش التطوير المتاح لشبكة الطرق القائمة، ولعدم إيلاء عناية كافية لبقية عناصر النقل الأخرى، ومقدمتها مولدات الحركة، ووسائط النقل المختلفة.

الوضع الراهن لوسائط النقل في المدينة
حافلات الشركة السعودية للنقل الجماعي حافلات خط البلدة
  • 10 خطوط خدمة + 24 حافلة + 23 رحلة يوميا.
  • 7000 راكب أسبوعيا + 10000 راكب يوم الجمعة.
  • 2,8 مليون راكب / سنوياً.
  • يتباعد زمنالتقاطربين الحافلات.
  • الأجرة 2 ريال/راكب.
  • وجود الحافلات على الطريق غير ملحوظ.
  • تغطى الخطوط الناجحة لشركةسابتكو.
  • تسيطر على الجزء الأكبر من سوق الحافلات.
  • عدد الركاب غير معروف.
  • تكلفة التشغيل منخفضة.
  • الأجرة 2 ريال / راكب.
  • خدمة عاليةالتقاطرلكن غير منتظمة.
  • انخفاض مستوى السلامة المرورية.
  • تدنى في مستوى الخدمة.
  • لا تعمل تحت إشراف جهة مستقلة.
سيارات الأجرة (الليموزين) حافلات الشركات الخاصة
  • كثيرة العدد منخفضةالإركاب.
  • وجود ملحوظ على الطرق.
  • سوق غير محدد وغير منظم.
  • لا توجد مواقف محددة.
  • غير واضح التأثير.
  • الأجرة منضبطة نظرياً.
  • تلبى احتياجات مجموعات محددة للتنقل.
  • يمكن الاعتماد عليها ومعقولة التكلفة.
  • محدودية الإشراف من قبل الجهات المسؤولة.
  • بديل مناسب لخدمات الحافلات العامة الضعيفة.
  • ذات قيمة عالية للجهات المالكة.

التحول السلوكي:

أسهم الازدهار الاقتصادي الذي عم البلاد في تغيير نمط الحياة لسكان مدينة الرياض، خصوصاً الذين طغت عليهم ملامح الحياة المدنية، ومظاهر الرخاء والرفاهية، وأصبحت السيارة الخاصة متاحة لمعظم سكان المدينة، ولم يقتصر استخدامها على ما ليس منه بد، حيث استخدمت فيما لا يحسن استخدامها فيه في التنقلات القصيرة جدا مما يفضل قضاؤه سيرا على الأقدام، بل أصبحت السيارة وسيلة الترفيه المفضلة لفئات كثيرة من مجتمع المدينة.

الظروف المناخية:

المناخ الصحراوي المتقلب، والتفاوت الشديد في درجات الحرارة خلال اليوم الواحد، وعبر الفصول، وزيادة نسبة الملوثات والعوالق الترابية في أجواء المدينة، كل هذا جعل استخدام وسائط النقل العام وسيلة غير مفضلة، فوسائل النقل العام لا تصل إلى كفاءة السيارة الخاصة في حماية الركاب من المناخ غيرالمواتي، ما لم تكن على مستوى عال من الجودة والتجهيز وكفاءة التشغيل، وتحقيق هذه المعايير يؤثر بشكل بالغ في جوانب الجدوى الاقتصادية لهذه المشاريع.

النقل العام في المخطط الاستراتيجي

علاج القضايا الحرجة المترسخة عبر عقود متتالية يستدعي برامج تتسم بالنظرة الاستراتيجية، واستيعاب مسببات هذه القضايا وفق إجراءات فاعلة، وبرامج تنفيذيه مرحلية، وقد لا تظهر ثمار هذه البرامج إلا بعد سنوات عديدة.

النقل العام في مدينة الرياض يواجه تحديات كبيرة، في مقدمة هذه التحديات الجانب الاقتصادي الذي يعد الأساس لإقامة مشاريع النقل، وإذا كانت بعض مشاريع المرافق العامة تمول من قبل القطاع العام ولا تستدعي نفقات تشغيل عالية، فإن خدمة النقل العام لابد وأن تقام على أسس مالية سليمة، وهذا يرجع إلى نفقات التأسيس الضخمة، وكذلك نفقات التشغيل التي تستدعي فرقاً على مستوى عال من الأداء والاقتدار، بما يضمن أداء منضبطا، وقدرة عالية على معالجة الأزمات والمخاطر، تزداد الأمور صعوبة بالنظر إلى مناخ مدينة الرياض الذي يستدعي مستوى راق من وسائط النقل العام، كما أن هذه الوسائط ينبغي أن تتمتع بجاذبية عالية تجعلها قادرة على منافسة السيارة الخاصة في إنجاز قدر معقول من الرحلات اليومية.

يعالج المخطط الاستراتيجي الشامل لمدينة الرياض متطلبات النقل من خلال محورين. الأول يتسم بطبيعة غير مباشرة، يهدف إلى توفير بيئة مواتية لقيام مشاريع النقل العام، ومحور آخر يتعاطى بشكل مباشر مع متطلبات النقل العام يهدف إلى استكمال عناصر النقل العام على مستوى الأجهزة التشغيلية، والبنى التحتية، والمتطلبات التنظيمية، وتتلخص أبرز ملامح منهجية المخطط الاستراتيجي في مجال النقل العام علي الآتي:

النمو المدمج:

يهدف المخطط إلى زيادة الكثافة العمرانية من خلال إعادة تطوير الأراضي البيضاء، وزيادة كفاءة مخططات الأحياء وفق اعتبارات دقيقة لا تؤثر على مستوى أداء المرافق الخدمية والبنى التحتية، وتشكل زيادة الكثافة السكانية، وما يتولد عنها من زيادة في الأنشطة بيئة ملائمة لنمو مشاريع النقل العام.

تكاليف أنماط النقل العام المختلفة (بنية تحتية + وحدات متحركة) لكل كيلومتر
8 ملايين ريال تأمين أفضلية سير للحافلة
19 مليون ريال مسار محدد للحافلة
38 مليون ريال مسار لحافلة متكاملة
56 مليون ريال سكة حديد خفيفة تقف عند التقاطعات
113 مليون ريال سكة حديد خفيفة حرة (أنفاق وكباري عند التقاطعات)
489,75 مليون ريال مترو الأنفاق

تطوير أعصاب الأنشطة، والمراكز الحضرية:

ستشكل أعصاب الأنشطة نظراً لكثافة منشأتها والأنشطة القائمة فيها البيئة المثلى لنجاح برامج النقل العام، لذلك اعتبر في أعصاب الأنشطة تجهيزها بمرافق النقل العام، كما تشكل المراكز الحضرية، وهى مناطق كثافة عالية، ومراكز أعمال أساسية مصدراً لإمداد وسائط النقل العام المتنقلة بين هذه المراكز بكثافةالإركابالمطلوبة لنجاحها، وستشكل المراكز الحضرية مع أعصاب الأنشطة محاور أساسية لنجاح خطوط النقل العام، وقاعدة أساسية لنمو أنماط أخرى من النقل العام المتفرعة منها.

استيفاء متطلبات النقل العام:

يستلزم قطاع النقل العام مرافق أساسية، واعتبارات تجهيزية لإقامة برامج ناجحة للنقل العام، تتمثل في أنواع مختلفة من المحطات، وترتيبات خاصة لحركة وسائط النقل، ومحطات الوقوف، ومتطلبات الصيانة والتشغيل، وأصبحت تجهيزات النقل مواصفات أساسية في تخطيط الأحياء وشبكات الطرق الأساسية في المخطط الاستراتيجي.

وسائط نقل متنوعة:

لضمان قدر كاف من المرونة تستوعب اختلاف مستويات الطلب على وسائط النقل العام، وضعت عدة أنماط من وسائل النقل العام تشمل خدمات سريعة ذات سعة عالية بين المدن، ونظاماً ذا سعة عالية يخدم المحاور عالية الكثافة كأعصاب الأنشطة والمراكز الحضرية، وخدمة الحافلات طويلة المدى داخل المدن، والخدمات الدائرية، وخدمة الباصات المغذية قصيرة المدى، كما سينشأ تكامل بين وسائط النقل العام، والخاصة، من خلال زيادة كفاءة الإدارة المرورية.

تشجيع الحركة الراجلة:

حركة المشاة والنقل العام قرينان لا يفترقان، متى وجد أحدهما وجد الأخر، ذلك أن طبيعة النقل العام تحتم قدراً من الرحلة على الأقدام (بين المقصد النهائي للراكب وبين نقاط النقل العام)، كما أن وسائط النقل العام تزدهر في بيئة تزدهر فيها الحركة الراجلة. اعتبارات كثيرة تضمنها المخطط الاستراتيجي لتشجيع السكان على المشي، من خلال توفير متطلبات هذه الحركة، وتأمينها من المخاطر التي قد تعترض جميع مستخدمي ممرات المشاة، وخصوصا الصغار، من خلال تطوير تصميم الأحياء السكنية وتوزيع المرافق الخدمية، والمرافق الترفيهية والثقافية، وجعلها في متناول الحركة الراجلة القريبة.

مشروع المرحلة الأولى للنقل العام

إقامة مشاريع تنفيذيه للنقل العام في قطاعات محددة من المدينة يعتبر أحد محاور منهجية تطوير النقل العام في المخطط الاستراتيجي، وتهدف هذه المشاريع إلى علاج المتطلبات الملحة والمستعجلة في مجال النقل في بعض أجزاء المدينة، كما تهدف هذه المشاريع إلى اختبار البرامج التخطيطية عملياً، واستخلاص النتائج الميدانية، حالياً بدأت الهيئة العليا الإعداد لمشروع المرحلة الأولى للنقل العام في مدينة الرياض على أحد محاورها الرئيسة، أو في إحدى مناطقها المكتظة، تتكون الدراسات الخاصة بالمشروع من عدة مراحل تبدأ بالدراسات التحليلية لعناصر النقل العام من حيث الطلب على النقل، ووسائل النقل المتوفرة، والمؤسسات المسئولة عن النقل، والبيئة التنظيمية للنقل والمرور في المدينة، بعد ذلك تبدأ مرحلة تصميم بدائل للمشروع، والمفاضلة بينها للخروج بالخيار المفضل، تتبعها أبحاث تحليل جدوى المشروع وأسسه المالية، ومشاركة القطاع العام، والقطاع الخاص في المشروع، تليها مرحلة تتضمن إعداد خطة لتسويق المشروع، وخطة لمراقبة الأداء، ومراجعة نواتج الدراسات السابقة، وتنتهي الدراسة بمرحلة إعداد التصاميم النهائية للمشروع.