الأوضاع الراهنة في وادي حنيفة … قضايا بيئية وفرص كامنة

ظلوادىحنيفة لعقود طويلة مصدر أسباب الحياة للتجمعات السكانية التي نشأت على ضفافه، والآن على الرغم من القضايا الحرجة التي يعاني منها مازال قادراً على القيام بدوره السابق.

ينحدر وادي حنيفة من حافة طويق التي تمثل الحدود الشمالية للوادي، ويستمر القاع النهري للوادي مخترقاً الجزء الأوسط، من هضبة نجد حتى ينتهي في السهباء جنوباً، ويصل امتداد الوادي من الشمال إلى الجنوب● ضمن منطقة الدراسة – إلى حوالي 120 كم، ويتراوح عمق مجراه بين 10 أمتار و100 متر، كما يتراوح عرضه بين 100 م وحوالي 1000 م في أقصى اتساع له.

يمثل الوادي مصرفا طبيعياً لمياه السيول والأمطار لحوالي 4000كم2من المناطق المفتوحة المحيطة به، حيث تصب فيه روافد طبيعية من الأودية والشعاب تزيد على 40 وادياً، يصل معدل أطوالها لحوالي 25 كم، من أشهرها من جهة الغرب:الأبيطح،والعمارية، وصفار، والهدية،ووبير، ولبن، ونمار، والأوسط، ولحا، ومن جهة الشرقالأيسن، والبطحاء.

تقسم طبوغرافية الوادي إلى خمسة مكونات ابتداء من مجراه: بطن الوادي الذي يشتمل على مجرى السيل الرئيسي، والسهل الفيضي الواقع على جانبي الوادي، والمكون من الرواسب الطينية التي تغطيها المياه أثناء الفيضان، والمصاطب الرسوبية الأفقية، أو المستوية الأسطح، التي يصلح بعضها للزراعة، أو الرعي لخصوبة تربتها ووفرة المياه، والجروف التي تمثل الأجزاء شديدة الانحدار من جانبي الوادي، التي تلي المصاطب الرسوبية، وتصل الوادي بحوافه العلوية، والأودية والشعاب الرافدة التي تعتبر أكثر أجزاء الوادي انخفاضاً، والتي تمثل شبكة التصريف المائي للحوض.

ظل وادي حنيفة محافظا على توازنه البيئي إلى التسعينيات الهجرية من القرن المنصرم، حيث بدأت بعد ذلك تتراكم الظواهر السلبية فيه، إلى أن تحولت إلى قضايا حرجة تستدعى إجراءات فاعلة لعلاجها، وترجع معظم القضايا الحرجة والسلبيات التي يعاني منها الوادي إلى عدم ملاءمة الأنشطة السكانية والعمرانية والاقتصادية القائمة فيه، وإلى استنزاف موارده، وقدراته التعويضية، وتتلخص أبرز القضايا الحرجة التي يعاني منها الوادي في الآتي:

تغير طبوغرافية الوادي، وتكويناته:

تشكلت مظاهر السطح في وادي حنيفة عبر آلاف السنين، وحددت مياه السيول المتدفقة اتساع بطن الوادي وعمق وشكل روافده، هذه الصورة لطبيعة الوادي الطبوغرافية ظلت مستقرة لآلاف السنين، ولم تشكل الأنشطة البشرية عوائق أمام استمرار هذا التوازن. في العقود الأخيرة أصبح الوادي مقراً لعدد من الأنشطة الصناعية وخصوصاً في مجال مواد البناء، كما ازدهر العمران في مدينة الرياض، وامتد إلى أجزاء كبيرة من الوادي، دون مراعاة لطبيعته، ومتطلبات العمران فيه، وتتمثل أبرز الإشكالات في هذا الجانب في: أعمال تجريف التربة على نطاق واسع، حيث أدى هذا النشاط إلى خلل كبير في وظيفة الأودية والشعاب الرافدة، حيث ردم بعضها، وتشكلت حفر كبيرة في البعض الآخر، وهذا أدى إلى تكون المستنقعات، وما ينتج عنها من مظاهر التلوث، كما أضرت هذه الأعمال بحواف الوادي الطبيعية، وهي في الأصل على شكل مدرجات من طبقات طينية، شكلت عنصراً مهماً في جمال الوادي، وتكوينه الطبيعي، من جانب آخر ساهمت الأسوار والملكيات الخاصة التي نشأت في بطن الوادي في التأثير على مجرى الماء الرئيسي الذي أغلق في مناطق كثيرة، ما ينذر بخطر الفيضانات وإغراق الممتلكات الخاصة في هذه المناطق، كما أدى ذلك إلى تضييق مجرى المياه بشكل كبير، وهذا سيؤدي إلى جريان السيول بشكل أسرع، ما يؤدي إلى جرف التربة، والتأثير على الغطاء النباتي والتوازن الطبيعي، فضلاً عن المخاطر التي تتهدد الأرواح والممتلكات الخاصة، والمرافق العامة في بطن الوادي.

النظام المائي:

يمثل وادي حنيفة مصرفاً طبيعياً لمياه السيول لمساحة من الأرض تزيد على 4000كم2، تتجمع فيه مياه السيول عبر عدد من الشعاب والروافد، ونظراً لظروف المنطقة الجافة تتفاوت كميات المياه المتدفقة بحسب معدل هطول الأمطار.

تغذي هذه المياه المخزون المائي للوادي، وتساعد على تجديد التربة، وإثراء الحياة النباتية والفطرية، ونشأ توازن بين قدرات الوادي الاستهلاكية، وكمية المياه المتدفقة فيه عبر العقود الماضية. حالياً يعاني الوادي من استنزاف لمياهه الجوفية في أجزائه الشمالية نتيجة للأنشطة الزراعية، التي أصبحت تعتمد وسائل فعالة في رفع المياه، وعدم استخدام وسائل ترشيد الري الحديثة، كما أدت عمليات نقل التربة، والأنشطة العمرانية في مجاري السيول إلى تضييق هذه المجاري، ما سيؤدي إلى جريان المياه – في حال هطول الأمطار – بسرعة أكبر، وهذا يزيد من عمليات جرف التربة، واستحداث ممرات مائية جديدة، وتدمير الطرق والأسوار، وقد تتعرض المزارع والمنشآت السكنية في الوادي لأخطار كبيرة، كما أن زيادة جريان المياه يقلل من استفادة الوادي من هذه المياه في رفع المخزون المائي في بطن الوادي، وبالتالي سيؤثر هذا على النباتات الطبيعية، والحياة الفطرية فيه.

أما في الأجزاء الجنوبية من الوادي فقد ارتفع منسوب ومخزون المياه فيها بشكل كبير نتيجة للجريان الدائم لمياه الصرف الصحي المعالجة والمياه المعروفة من شبكة تخفيض منسوب المياه الأرضية المنفذة في المدينة، وتقدر كمية المياه المصروفة حاليا إلى الوادي بما يزيد عن 600000 م3/اليوم، ويتوقع أن تصل إلى حوالي 2000000 م3/اليوم عام 1442هـ، وقد أدى صرف هذه المياه إضافة للتعديات في رمي المخلفات من المسلخ والمدبغة وغيرها إلى زيادة نسبة تلوث المياه الجارية في الوادي بما يهدد الأنشطة الزراعية وصحة البيئة فيه. وبالنظر إلى زيادة نسبة الملوثات في المياه المصروفة، وزيادة كمياتها عن القدرات الطبيعية للوادي في مجال معالجتها وتخزينها، كما يتوقع أن تتفاقم مشاكل التلوث في الأجزاء الجنوبية من الوادي.

البيئة والتلوث

تختلف نوعية المياه المتدفقة عبر الوادي – بالنظر إلى نسبة تلوثها – من موقع لآخر وفقا لمصدرها، وبشكل عام فإن هذه المياه أصبحت في نهاية المطاف ملوثة وتتجاوز معدلات التلوث المتعارف عليها، حيث تزيد نسبة الملوثات عن خمس أضعاف المعدلات المقبولة، وهذا في أقلها تلوثاً حيث تحتوي المخلفات العضوية، وبعض العناصر الكيميائية الضارة مثلالكبريتياتوالنترات والنيتروجين، وتعتبر مياه المستنقعات شمال الوادي، والمياه المتدفقة إلى بحيراتالحايرفي جنوبه مناسبة لتكاثر الحشرات والطحالب والبكتيريا، كما أن معظم شبكات المرافق العامة في الوادي أصبحت مغمورة بالمياه الأرضية الملوثة، ويترتب على ذلك زيادة في تكاليف صيانتها، واحتمال تعرضها للتلوث.

نظراً للخلل في النظام البيئي، وبسبب الأنشطة المخلة ببيئته الطبيعية نجم عن ذلك نمو أنواع من الشجيرات والأعشاب غير الملائمة لطبيعة الوادي، وأصبحت مناسبة لإيواء الحشرات والقوارض، كما اختفت أنواع كثيرة من الثدييات والزواحف والطيور التي كانت تستوطن الوادي، ومع تكون المسطحات المائية جنوب الحائر استوطنت أنواع جديدة من الحيوانات الفطرية من الأسماك والطيور المحلية والمهاجرة.

تشكل مسطحات المياه في الوادي والمستنقعات مصادر دائمة للأضرار البيئية، خصوصاً مع الاستخدام المباشر لها في الأنشطة البشرية، كاستخدامها في ري المزروعات، أو الصيد فيها والسباحة، فضلا عن تهديدها لشبكات المياه، كما تعتبر المستنقعات والمياه الآسنة بيئة ملائمة لتكاثر أنواع مختلفة من البكتيريا والفيروسات وناقلات الأمراض كالبعوض والذباب، وكذلك القوارض، كما تؤثر هذه المظاهر البيئية السلبية على الأنشطة الحضارية في المدينة، ويشتد أثرها السلبي على الأحياء المجاورة لها، التي تعاني من كثافة البعوض والذباب، والروائح الكريهة، وقد تكون هذه البيئة السلبية مسببة لكثير من الأمراض الوبائية مثل: التهاب الكبد الوبائي، والنزلات المعوية والتيفوئيد والبلهارسيا والكوليرا.

جانب آخر في اختلال التوازن البيئي وازدياد الملوثات يتمثل في النفايات الصلبة، حيث استخدمت شعاب الوادي كمقالب لمخلفات البناء والنفايات الصلبة، وتساهم الأنشطة الصناعية في الوادي بقدر كبير من التلوث المزمن لبيئة الوادي، من خلال التخلص من مخلفات المحروقات وزيوت التشحيم في تربة الوادي، ومن المعلوم أن هذا النوع من التلوث يجعل الأرض غير صالحة للزراعة لعقود طويلة من السنين، كما زادت معدلات تلوث الهواء في محيط الوادي نتيجة حركة الشاحنات الكثيفة، وإزالة الطبقة السطحية للتربة، ما زاد من نسبة العوالق الصلبة ومركبات الكربون والكبريت في الهواء.

المستوى الحضري

تمثل القرى والبلدات القائمة في الوادي نمطاً من العمران والنشاط السكاني الفريد، الذي يقوم على توازن دقيق بين التكوين الطبيعي للوادي وموارده الطبيعية، والأنشطة السكانية لمستوطني الوادي، فشكلت المناطق المرتفعة وحواف الوادي أماكن لبناء المساكن، وشكل بطن الوادي أماكن للزراعة والرعي. كما أن معظم العمران في البلدات القديمة – كالدرعية -يعد من النموذج التراثي، نظراً لأصالة تصميمه، وطبيعة المواد المستخدمة في بنائه، وقد تعرض هذا التراث في الفترة الأخيرة للاندثار، حيث هجر سكان هذه القرى والبلدات منازلهم، واتجهوا إلى المدن الحديثة، وتعرضت منازلهم، وما بقي من عمران هذه القرى للاندثار، كما لم توضع معايير ملائمة للعمران الحديث في هذه القرى والبلدات بما يتوافق مع القيمة التاريخية للوادي، والمقومات والخصائص الطبيعية له، حيث غلبت على المباني الحديثة والممتلكات الخاصة ملامح العمران الحديث السائد في مدينة الرياض.

الإمكانات والفرص المتاحة

ينعم وادي حنيفة بقدر وافر من المقومات والموارد التي تمثل فرصا سانحة فيما لو استغلت بما سيعود بالنفع على سكان مدينة الرياض والقرى والبلدات الواقعة في الوادي، ويطور في الوقت ذاته بيئة الوادي، كما أن السلبيات والقضايا الحرجة التي يعاني منها الوادي ما زالت قابلة للمعالجة والتحول إلى إيجابيات. وتتلخص أبرز الإمكانات والفرص المتاحة في الآتي:

التكامل مع مدينة الرياض

تعتبر مدينة الرياض أكبر الحواضر المدنية الواقعة على ضفاف وادي حنيفة، وإذا كان النمو السكاني المتسارع للمدينة وما يصاحبه من تمدد أحيائها السكنية باتجاه الوادي يهدد بيئة الوادي، فما زال هناك قدر كبير من التمايز الطبيعي والعمراني بين وادي حنيفة ومدينة الرياض، هذا التمايز مؤهل لنشوء علاقة تكاملية بين العمران الحديث وسكان مدينة الرياض من جهة، وبين بيئة وادي حنيفة وعمرانها الريفي من جهة أخرى، فإذا ما أعيد استغلال التكوينات الطبيعية لوادي حنيفة، واتخذت الإجراءات اللازمة لتأكيد العناصر الطبيعية في الوادي، فإن الوادي سيصبح المتنزه الترويحي الأكبر لمدينة الرياض.

التطوير الاقتصادي الزراعي

خلال السنوات العشر القادمة ستزداد كمية المياه المصروفة عبر الوادي لتصل إلى أكثر من مليوني متر مكعب يوميا، وإذا ما اتخذت الاحتياطات الكافية المعالجة هذه المياه بمستويات جيدة فإنها ستشكل موردا مهما لمدينة الرياض في مجال ري المسطحات الخضراء، والحدائق كما ستمثل الأساس لنهضة زراعية كبرى في الوادي، تساندها طبيعة الوادي الزراعية، وغلبة السمات الريفية على معظم أجزائه، كما أن حجم أسواق مدينة الرياض، واستمرار نموها المستقبلي سيزيد من القيمة الاقتصادية للاستثمارات الزراعية في الوادي.

التطوير السياحي والثقافي

معظم البلدات والقرى الواقعة على وادي حنيفة تكتسب قيمة تراثية تاريخية، إما لتاريخ بعضها وارتباطها بأحداث مهمة، أو لوجود منشآت تراثية وأثريه قائمة، وبعض هذه المواقع التراثية المنتشرة على طول الوادي تكتسب قيمة تراثية على مستوى عالمي، ما يجعل الوادي-فيحال وضع برنامج لرعاية هذه المنشآت التراثية وتطوير آليات لإفادة الجمهور فيها – نقطة جذب سياحي ثقافي على مستوى المنطقة والدول المجاورة. إن تأهيل المناطق الطبيعية، وتوفير المناطق المفتوحة لتوفير المستلزمات الترويحية في إطار التكامل مع مدينة الرياض، يشكل في الوقت نفسه رافداً للسياحة الثقافية والترويحية، وكذلك تساهم التنمية الزراعية في زيادة القيمة السياحية للوادي.