المختار من إبداعات الخط العربي

أصدرت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض بمناسبة إقامة معرض الخط العربي عام 1420 هـ هذا الكتاب، الذي تضمن توثيقاًلنفائس مخطوطة شملت 29 مصحفاً، و 32 مخطوطة علمية، ومسكوكات نقدية، ومشغولات معدنية، ومنسوجات ونقوشاً حجرية.

الخط العربي إحدى سمات الحضارة الإسلامية التي تفرد بها المسلمون على بقية الأمم وشعوب الأرض، وإذا كان الخط العربي قد ظهرت أولى دلائله في القرن التاسع قبل الميلاد، فإنه اكتسب في العهد الإسلامي مكانة خاصة، فالإسلام يحض على التعلم، وأول ما نزل من القرآن كان سورة ” اقرأ “، ولا شك أن الكتابة محطة العلم الأولى، كما أن الله شرف اللغة العربية فأنزل بلسانها القرآن الكريم، وبالخط العربي، وتحسينه، حتى احتل مكان الصدارة بين الفنون الإسلامية، وافتتن بجماله من لا يعرف اللغة العربية، ولا يكتب حرفها.

ومازال الخط العربي، والحروف العربي يكتب بهما عدد من اللغات الأعجمية كالفارسية، والتركية، والهندية، والأوردية، ولم يغير حرف بعضها إلا في سنوات متأخرة على يد الاستعمار الغربي.

يقدم كتاب ” المختار من إبداعات الخط العربي ” عرضاً موجزاً لتطور الخط العربي في العصور القديمة، حيث تطور الحرف العربي من الكتابةالسينيائية، ثم يعرض في لمحات موجزة للخطاطين العرب في التاريخ الإسلامي، وأدوات الكتابة، أما الجزء الأكبر من الكتاب فيمثل توثيقاً لتاريخها، ويعرض بعض محاسنها، كما يشتمل الكتاب ملحقاً باللغة الإنجليزية يتضمن تلخيصاً لمواد الكتاب.

تنقضالمسوحاتالأثرية، واكتشافات الدارسين، ما تزعمه بعض المؤلفات من أن العرب أمة ليس هوية حضارية، وأنهم لا يعدونكونهم تجمعات بدوية تنتقل هنا وهناك خلف مواسيهم بحثاً عن الكلأ في الصحراء، دون أن يكون لهم دور يذكر، أو تأثير واضح في بناء الثقافية والحضارة الإنسانية.

وتؤكد هذه الدراسات أن العرب لم يكونوا صانعي حضارات عريقة، ومتلقين للتأثير الحضارية الوافدة فقط، وإنما كانوا مجددين، ومبتكرين في مسار الحضارة الإنسانية، وخير مثال الكم الهائل من الوثائق، والكتابات التي تؤكد حقيقة اهتمام العرب في جزيرتهم بأدوات الثقافة، وتأصيلها.

وتطور الخط العربي من الكتابةالسينيائيةالقديمة، وبعد خط المسند من أوائل الخطوط العربية التي ظهرت في الجزيرة العربية من بداية القرن التاسع قبل الميلاد، وتلته خطوط أخرى مثل خط الزبور، والخطالثمودي،والداداني، واللحياني،والصغوي، ومع بدايات القرن الثالث ظهرت بواكير الخط العربي الحديث، وهو الذي كتب به القرآن الكريم.

مع ظهور الإسلام اكتسب الخط العربي مكانة مرموقة فبه نسخ القرآن الكريم، ثم وثقت به السنة النبوية المطهرة، ومن هنا اشتغل به عدد كبير من الفنانين والمبدعين، كما كان لظهور الحضارة الإسلامية دور آخر في تطوير الخط العربي الذي أصبح محور الفن الإسلامي، حيث اتجه الفنانون المسلمون إلى التفنن في الخط العربي، واستخدامه في زخرفة العمارة، وأدوات الحياة، فضلاً عن الكتب، وظهر أفذاذ من الخطاطين العرب الذين أبدعوا في عصور مبكرة في معظم أنواع الخط العربي.وما زالت بعض مآثرهم قائمة إلى اليوم.

وكان لهذه الحضارة الإسلامية، ودخول الناس في دين الله أفواجاً دور في تحول لغات الشعوب الإسلامية إلي كتابة لغاتها بالحرف العربي، ومن تلك اللغات : التركية، والفارسية، والهندية، وأبدع في الخط العربي من لا يعرف اللغة العربية، ما يدل على مستوى الجمال، والإبداع الذي يتمتع به الخط العربي.

وأهم الخطوط العربية : خط الجليل (الكوفي) وخط النسخ، ومن خط النسخ اشتق خط الثلث الشهير، وخط الإجازة، والرقعة، والتعليق، والديواني، وجلي الديواني، ومن الخط الكوفي ظهر الخط الكوفي البسيط، وذو الزخارف الهندسية، والمورق، والمزهر، وذو الشريط الزخرفي، والمعماري، والمظفر والمجدل، وكتب الخطاطون الأوائل على العسيب وهي جريدة النخيل المستقيمة، والجلود المدبوغة، والرقوق، وهي الجلود المرفقة، والقراطيس، (بما تكون ورق البردي المصري)، والأقتاب، والخشب، والزجاج، والمعادن، والحجر، والجص.

وبعد أن عرف العرب صناعة الورق في أواخر القرن الهجري الأول انتشر استخدامه في مختلف الأقطار الإسلامية، وساهم ذلك في كثرة النساخ، وازدهار الكتابة، والخط العربي.

الخطوط العربية القديمة
المسند انتشر من القرن 9 ق . م . ويحوي 29 حرفاً إضافة إلى رمز فاصل بين الكلمات
الزبور انتشر في جنوب الجزيرة العربية، وهو مشتق من المسند، ويمتاز بسهولة تحرير حروفه واتصالها مع بعضها
الثمودي انتشر من القرن 6 . ق . م . واستمر حتى القرن الرابع الميلادي، حظي بانتشار واسع تعدى الجزيرة العربية والعالم القديم، حيث وجدت نصوص منه في ولايةكلورادوبالولايات المتحدة الأمريكية .
الداداني يتألف من ثمانية وعشرين حرفاً، وتكتب نصوصه الرسمية من اليمين إلى اليسار، أما النقوش القصيرة فلا قاعدة تضبطها .
اللحياني انتشر من القرن 4. ق . م . إلى القرن الأول ق. م . يكتب من اليسار إلى اليمين، وهو مطور من الخطالداداني.
الصفوي انتشر ما بين القرن الأول ق . م . والقرن الثالث الميلادي، تبلغ حروفه ثمانية وعشرين، ولا توجد قاعدة ثابتة لكتابة نصوصه .

المصاحف الشريفة

كانت المصاحف الأولى مكتوبة بالقلم الحجازي ثم بالقلم الجليل المعروف بالكوفي لا شكل فيها ولا نقط.

ومع مراحل تطورها، وهي مرحلة الشكل والإعجام بعد ما لوحظ من فساد الألسن، وتفشي اللحن نتيجة لاختلاط العرب بمن دخل في دينهم من الأجناس الأخرى، وماتطلبتهضرورة ضبط القرآن الكريم، إلا أن فنون الزخرفة لم تعرف طريقها إليه إلا متأخرة، ولعلها في القرن الثالث الهجري على أقل تقدير، إذ أنهم كانوا خلال القرنين الأولين من تاريخ الإسلام يتحرجون من أن يجددوا في المصحف، أو أن يضيفوا إليه ما ليس منه، فلم تكن هنالك فواصل بين الآيات، أو علامات تعشير، كما لم تكن الفواصل بين السور إلا مساحات بيضاء، وقليلاً قليلاً بدأت الزخارف تأخذ طريقها إلى المصاحف، وتتخذ مكانها في الصفحات الأولى والأخيرة، وفي الفواصل بين السور، وفي نهاية الآيات الكريمة، ومواضع السجدات.

وفي القرن الخامس الهجري وما بعده بدأت الزخارف تتجاوز هذا النطاق المحدد، وتتخذ شكل إطارات، أو جداول زخرفيه تحيط بالمساحة المكتوبة من الصفحة،وحلياتمستطيلة مذهبة، وملونة تمتد بطول الأسطر المكتوبة، تنتشر داخلها زخارف دقيقة، وأشكال هندسية، ونباتية للفصل بين السور، وتحمل بداخلها أسماء السور، وكذلك وجودحلياتجانبية رسمت في الهوامش الخارجية،وحلياتصغيرة مستديرة، أوكمثريةالشكل للفصل بين الآيات الكريمة، ما يدل على الدقة الرائعة في الرسم، واستعمال الألوان.

كما كان المصحف أول مخطوط عربي جلد بالمعنى الواسع لكلمة التجليد، ومن ثم تطور فن التجليد الإسلامي إلى أن وصل حداً من الرقي كانت تشكل فيه شرائط الزخارف النباتية إطاراً لا غنى عنه في زخرفه المخطوطات، ثم جاءت الزخارف الهندسية لتملأ الفراغ الأوسط في جلدة المخطوط، وتختلف دقة، وجودة التجليد باختلاف الفنانين، وعصورهم، كما استعمل ما يعرف باللسان، وهو امتداد في الجلدة اليسرى يثني بحيث يغطي أطراف الأوراق،ويقيهاعوامل التمزق، والتآكل، والبلى.

المخطوطات

تعد المخطوطات من الكنوز النادرة التي تميزت بها الحضارة العربية الإسلامية عبر رحلتها الطويلة، والمضنية، والتي امتدت لأكثر من أربعة عشر قرناً، هي عمر المخطوطة الإسلامية التي تعد في رأي العلماء أغنى، وأثرى المخطوطات في العالم قاطبة، ولا وجه لمقارنتها بالمخطوطات الغربية، أو غير الإسلامية.

استمرت جهود الخطاطين حتى ابتدعوا خطاً أسهل كتابة، وهو خط النسخ العربي بعد أن كان أول ما كتبوا به هو الخط المكي، ثم المدني، ثم الجليل (الكوفي) غير المنقوط، أو المشكول، كما ابتكروا فكرة النقط والشكل، وفي سعيهم لتجميل الخط، وتحسينه، وتجويده، وتباريهم في ابتكار أنواع جديدة، كان خط الطاؤوس، والريحاني، ثم تلت ذلك فكرة تزيين النسخ الخطية، فظهر التذهيب، والتلوين، والرسومات المختلفة .ونظراً لما شاع من كراهية تصوير الكائنات الحية، زينت الهوامش، واللوحات بالرسوم النباتية.

ومع تطور فنون الخط، والتصوير، والتذهيب، والتلوين، والتجليد، تطورت صناعة المخطوط العربي فشمل ذلك إدخال كتابة عناوين الفصول، والعناوين الجانبية، وتمييزها بلون مغاير للون المداد الذي كتب به النص، إلى جانب مراعاة الهوامش، والتسطير، ووضع علامات الفصل، والترقيم .والاهتمام كذلك بما يثبت في أوائل المخطوطات، وأواخرها منتمليكات، وسماعات، وإجازات ،وغيرها من صور التوثيق لأهميتها البالغة لمن يؤرخون للمخطوط إذ تساعد هذه المعلومات في تحديد تاريخ المخطوط، والكشف عن قيمته، ومدى اهتمام الناس به في عصره، وبعد عصره، بل ومدى الثقة به، وبمؤلفه، وهي في آخر الأمر تعطي صورة للحركة العلمية، ومدى انتشار الثقافة، بل ومدى عمقها في عصر من العصور.

المسكوكات

تمثل العملة مجالاً لدراسة تطور الخط العربي، وغيره من فنون الزخرفة النباتية، والهندسية على السكة رغم أن صغر حجم العملة، وتقعد مراحل صناعتها ،ومشكل إنتاجها بكميات هائلة قد ضيق فرصة الإبداع في هذه المجالات، إلا أن ذلك لا يقلل من أهميتها في دراسة تطور الخط، وغيره، لأنها إلى جانب احتوائها على مكان الضرب، فهي تحتوي على تاريخ الضرب المرتبط بتسلسل أسماء الحكام، وفترات حكمهم، مما يعيننا في دراسة هذا التطور خلال فترة زمنية متصلة، دون فجوات زمنية تقطع هذه الدراسة، كما هو الحال بالنسبة لغيرها من المقتنيات الأخرى المعاصرة لها.

وبالنظر إلى نوعية الخطوط المنقوشة على النقود الإسلامية، نجد أن الخط الجليل

(الكوفي) كان أكثرها استعمالاً حتى بداية القرن الخامس الهجري، بعده شهد الخط العربي تطوراً كبيراً باعتباره العنصر الرئيسي، والعمود الفقري الذي قامت عليه صناعة المسكوكات الإسلامية منذ بداية ظهورها، فبرز الخط (الجليل) المورق، والمزهر، ثم سادت خطوط أخرى خلال العصور الإسلامية المختلفة، مثل خط النسخ، وخط الثلث، والطغراء،والنستعليق، في درجات عالية من الجودة، والإتقان والجمال، والتناسق من حيث مراعاة المسافات بين الكلمات، وما بين السطور، وكذلك ما بين الحرف والحرف الذي يليه، وفي عملية وصل الحروف، وفصلها، ودمجها، خصوصاً بعد زيادة عدد النصوص على القطعة النقدية ذات المساحات المحدودة.

مشاهير الخطاطين العرب
الاسم تاريخ الوفاة
قطبة المحرر 154 هـ
إسحاق بن حماد الكاتب 154 هـ
الخليل بن أحمد الفراهيدي 175 هـ
محمد بن علي بن مقلة 328 هـ
على بن هلال البغدادي (ابن البواب) 413 هـ
ياقوت بن عبد اللهالمستعصمي 698 هـ
حمد الله الأماسي 926 هـ
الحافظ عثمان 1110 هـ
مصطفى راقم 1181 هـ
محمد مؤنس أفندي زاده 1290 هـ
عزيز أفندي 1352 هـ
محمدعبدالعزيز الرفاعي 1353 هـ
محمد الصالح الخماسي
ممدوح طاهرالكرديسيدإبراهيم
حامدالآمدي
هاشم البغدادي