عمارة مسجد الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ

دشن صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد والنائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء ورئيس الحرس الوطني في 26 شوال 1421 هـ المبنى الحديث للمحكمة الكبرى بالرياض، ووجه سموه في هذه المناسبة بإعادة إعمار مسجد الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، حيث تولت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض إدارة المشروع ووضع الأسس التصميمية والإشراف على تنفيذ المشروع.

يشكل مسجد الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، الذي اشتهر لاحقاً باسم مسجد دخنة الكبير، ثم بجامع الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ – رحمه الله – مفتي الديار السعودية سابقاً، نموذجاً للمراحل التاريخية العمرانية للمدينة الإسلامية، حيث كانت المساجد تمثل العنصر الأساسي في نسيج المدن الإسلامية التقليدية، وهذه المكانة كانت تتبع من دور المسجد في حياة سكان المدينة، وبالتالي أثر هذا الدور على تصميم المساجد، من حيث اختيار الموقع، والارتباط الوثيق بالبيئة المحيطة، والتمركز في أماكن اجتماع الناس، وملتقياتهم كالأسواق العامة.

ومع انتشار المدنية الحديثة في القرون المتأخرة، فقدت المساجد بعض تأثيراتها الإيجابية في حياة سكان المدينة، وأثر ذلك بالتالي على منهجية تصميمها، فنزع المخططون إلى الحرص على استقلالية المساجد عن بيئتها المحيطة، ما أدى إلى تراجع في بعض أدوار المساجد في حياة السكان الاجتماعية.

ويعطي تاريخ عمارة مسجد الشيخ محمد بن إبراهيم مثالاً حياً لوضع المساجد في العصر الحديث، لذا اعتبرت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض في تطوير المسجد، وإعادة إعماره ضرورة اعتبار الدور الأساسي للمسجد في حياة الناس، والمجتمع المحيط به، وأن تسخر جوانب التصميم المختلفة لتأكيد هذا الدور، وإعادة إحيائه.

كما اعتبر في تصميم المسجد، وتنفيذه : موقعه ضمن نطاق برامج تطوير منطقة قصر الحكم، ووسط المدينة، التي تقوم بها الهيئة، وكذلك المكانة التاريخية، والمعنوية التي يتمتع بها المسجد.

إثر دخول الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود – رحمه الله – مدينة الرياض، شرع الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله –، في عصر الخامس عشر من شهر ربيع الأول لعام 1187هـ في تشييد جامع دخنة، الذي عرف باسم مؤسسته أيضاً، واستقرت تسميته في العقود المتأخرة على أشهر أئمته في ذلك الوقت، الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ – رحمه الله – مفتي المملكة العربية السعودية.

كان هذا المسجد يأتي في المرتبة الثانية بعد الجامع الكبير، واكتسب مكانة علمية خاصة باعتبار المكانة العلميةللمشائخالذين توالوا على إمامته، والتدريس فيه، ومن أشهر من درس فيه أئمة المسجد الذين توالوا على إمامته، وكانوا من كبار علماء المنطقة وهم الشيخ عبد الطيف بن عبد الرحمن بن حسن والشيخ عبد الله بن عبد اللطيف والشيخ محمد بن إبراهيم – رحمهم الله –، كما درس فيه نخبة من العلماء المتخصصين في فنون العلم الشرعي، فدّرس فيه الشيخ حمد بن فارس – رحمه الله – علوم اللغة العربية، ودرس فيه الشيخ عبد الله بن راشد – رحمه الله – علوم الفرائض، وكان كذلك مقرأ لحلقات تحفيظ القرآن، حيث درس فيه كل من الشيخ صالح بن مرحوم المشهور بابن مصيبيح، والشيخ عبد الرحمن ابن ناصر المشهور بابنمفيريج– رحمهم الله –، إلا أن ازدهار النشاط العلمي المكثف، وتوافد طلبة العلم على حلقات المسجد بدأ بعد تولي الشيخ محمد بن إبراهيم لإمامته وخطابته، وتوليه – رحمه الله – لدروس علمية منتظمة، استمرت لخمسين عاماً، بدء من توليه لإمامة المسجد عام 1339هـ، ولذلك صار اسمه علماً على المسجد وبه عُرف، وتبعاً لذلك توافد طلبة العلم من أنحاء المنطقة للمجاورة العلمية، وأنشئت تبعاً لذلك أربطة طلبة العلم حول المسجد، وظل بعضها إلى عهد قريب.

المشائخالذين تولوا إمامة المسجد
عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب 1187هـ
عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن حتى عام 1264هـ
عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ حتى عام 1339هـ
محمد بن إبراهيم آل الشيخ حتى عام 1389هـ
عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ حتى عام 1412هـ
عبد المحسن بن إبراهيم آل الشيخ من عام 1412هـ
محمد بن حسن آل الشيخ من عام 1412هـ
تاريخ عمارة المسجد
التأسيس 1187هـ
الهدم وإعادة البناء على يد عبد الرحمن بن ناصر بن عيدان، على نفقة عبد العزيز السويلم 1261هـ
إعادة الترميم 1376هـ
الهدم، وإعادة البناء، والتوسعة من الجهة الشرقية، واستخدام البناء المسلح الحديث على نفقةلولؤهبنت عبد الرحمن الفيصل 1381هـ
الهدم، وإعادة البناء على نمط عصري حديث ظل باقياً، حتى بداية مشروع التطوير 1402هـ
أمر سمو ولي العهد بإعادة بناء المسجد، وضم أرض المحكمة القديمة للمشروع، وإسناد المشروع للهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض من عام 1412هـ

الخصائص العمرانية لموقع المسجد

يتميز موقع مسجد الشيخ محمد بن إبراهيم بامتيازات كثيرة، اعتبرت في تصميم مبناه الحديث، يأتي في مقدمة هذه الامتيازات، وقوع المسجد في منطقة قصر الحكم التي تعتبر المنطقة المركزية لوسط المدينة، والتي تحوي المقرات الرئيسة لإدارات المدينة والدولة، كقصر الحكم، وإمارة منطقة الرياض، والمحكمة الكبرى، وأمانة مدينة الرياض.

كما يقع المسجد بالقرب من السور الجنوبي لمدينة الرياض القديم، وبالتحديد على مقربة من بوابة دخنة التاريخية، التي رممت ضمن أعمال المرحلة الثانية لتطوير منطقة قصر الحكم، كما يحيط بالمسجد نسيج عمراني، تاريخي يشتمل على عدد من المباني الطينية، والأزقة التقليدية المشهورة بالمحلات التراثية، وتجارة الملابس الرجالية التقليدية، ومنها سوق الزل.

وتقوم الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض بالتطوير العمراني لهذه السوق أيضاً، ما يستدعي ضرورة التناغم بين المشروعين.

كما يقع المسجد على شارع طارق بن زياد، وهو من شوارع المدينة الرئيسة، المتقاطعة مع أهم طرقها ( طريق الملك فهد )، ويعتبر مشروع المسجد حلقة وصل لربط المحكمة الكبرى بمنطقة قصر الحكم، كما يقع في منطقة تجارية حية، تضم عدداً من المحلات، والمركز التجارية المهمة مثل : مركزالمعيلقية، ومركز التعمير، وسوق الزل، وشارعالثميري، إضافة إلى منتزه سلام.

وهناك العديد من الأماكن ذات القيمة التاريخية التراثية بالقرب من المشروع، مثل حي الدحو الذي يشتمل على نسيج كامل من المباني التراثية الطينية القديمة، وقصر المصمك، وقصر الحكم، وبوابات سور الرياض القديم.

ويمتاز موقع المسجد بوفرة الخدمات، وجودة البنى التحتية، فعلى بعد 150 م من المسجد توجد مواقف متعددة الأدوار.

وتحيط بالمسجد عدد من المساجد في مقدمتها جامع الإمام تركي بن عبد الله الذي يبعد عنه حوالي 450 م إلى الشمال، ومسجد دخنة الصغير الذي أمّه قديماً الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ، قاضي الرياض في وقته، ويبعد عنه 250 م، ومسجد آل قباع، الذي يقع جنوب مبنى المحكمة الكبرى حالياً، ويبعد عنه 350 م.

الاعتبارات التصميمية

اعتبرت الهيئة في تصميم المسجد ضرورة إعادة العلاقة بين المسجد والنسيج العمراني المحيط به، من خلال فهم الخلفية التاريخية لوضع المسجد، واستيعاب المستجدات الحديثة على المدينة بشكل عام، ومنطقة وسط المدينة، وقصر الحكم بشكل خاص.

وحددت ملامح هذه العلاقة في عدد من المتطلبات المحددة، كاحترام البيئة العمرانية في منطقة قصر الحكم وضرورة التوافق معها، وربط المشروع بصرياً،ومرورياًبالمحكمة الكبرى، ومنطقة قصر الحكم، وشارع طارق بن زياد، والمنطقة المحيطة بالمسجد، وربطه كذلك بالشوارع الفرعية المحيطة به، خصوصاً المؤدية لسوق الزل.

كما ينبغي أن يتضمن التصميم تنسيق الساحات الخارجية وممرات المشاة، وأماكن الجلوس المظللة، ومواقف السيارات الخاصة بالمصلين، وتوفير عدد كاف منها، وتوفير الإضاءة اللازمة لها.

واعتبر في تصميم مسكن الإمام، والمؤذن أن يكونا بعيدين عن الضوضاء في الشوارع الرئيسة المحيطة، واعتبر في التصميم تفاوت أعداد المصلين في غير يوم الجمعة، وتلافي هدر الطاقة في الإضاءة، والتكييف، من خلال الاستخدام الجزئي للفراغ في الصلوات اليومية، وإمكانية الإفادة من وسائط التكييف الطبيعية.

كما اعتبر في التصميم تحقيق الربط البصري بين شارع الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وشارع طارق بن زياد من خلال ساحة تجمع في الزاوية الواقعة عند التقاء الشارعين، كما اشتمل التصميم على إعادة تصميم الشوارع المحيطة بالمسجد بهدف ضمان حركة مشاة آمنة على الأرصفة، وعند عبور الشارع، من خلال تصميم متميز للأرصفة الجانبية، والوسطى المشكلة للميدان، الذي سيكون رابطاً مهماً بين مبنى المحكمة الكبرى، والمسجد، ومنطقة قصر الحكم

وأضيفت إلى تصميم المسجد محلات تجارية تُوقف عليه، ومكاتب لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وبعد تحكيم المسابقة، وتقديم الأفكار المعمارية لعدد من المكاتب المتنافسة، اختير أفضل التصاميم المقدمة، وجرى تطويره بإشراف الهيئة لاستكمال جوانب النقص، وقد تميز التصميم الفائز بعلاقته الوثيقة بالطابع العمراني للمدن العربية القديمة، وامتاز التصميم بحسن توزيع المنشآت الوظيفية، وسهولة الحركة، وعزل ما يحتاج للعزل عن بقية الحركة، وامتاز التكوين المعماري بالنسب الجيدة، والتكوين الجيد، والاستعمال الحديث للعناصر المعمارية التراثية، واستقلالية كتلة المسجد عن العناصر الأخرى المحيطة بالساحات والممرات، ما أعطى المسجد كياناً مستقلاً.

البرنامج المساحي للمشروع
قاعة الصلاة الرئيسة 1800م2
المكتبة 100م2
مصلى النساء 180م2
صحن المسجد 700م2
سكن الحارث 50م2
دورات المياه 150م2
مستودع 60م2
مكتب الإمام 30م2
إجمالي مساحة المسجد ومرافقته 2600م2
سكن الإمام 500م2
سكن المؤذن 400م2
مكاتب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر 450م2