المواصفات والقواعد الإرشادية لتخطيط الأحياء السكنية

التخطيط العمراني والحضري للأحياء السكنية بسهم بفاعلية في تطوير أدائها، اجتماعياً واقتصادياً، حيث يتضمن التخطيط الحضري مواصفات، وقواعد إرشادية عامة، تعمل كمحددات، وأهداف المشاريع العمرانية التطويرية في الأحياء السكنية، تأتي هذه المواصفات والقواعد ضمن وثائق المخططالإستراتيجيالشامل لمدينة الرياض.

تواجه الأحياء السكنية في مدينة الرياض تحديات كثيرة في تخطيطها الحضري، فعلي مستوى استعمالات الأراضي، تعاني كثير من الأحياء السكنية من غياب الهوية، وعدم مشاركة السكان في تطوير أحيائهم، ورتابة التخطيط العمراني للأحياء، وتباعد المسافات بين المساكن، وأماكن العمل، وعلى مستوى الحركة تبرز مشاكل السلامة، وانتشار محفزات السرعة العالية، وغياب مرافق المشاة الآمنة، وتوغل الحركة العابرة داخل الأحياء السكنية، وعلى مستوى الخدمات هناك نقص في المدارس، والمنشآت الطبية، والمناطق المفتوحة، كما يمثل التوازن بين الخصوصية والتفاعل الاجتماعي بين سكان الحي تحدياً آخر.

لتجاوز هذه التحديات أعدت مجموعة من القواعد الإرشادية، والمواصفات الضرورية لتحديد أولويات عمليات تطوير الأحياء السكنية، من هذه القواعد المهمة : اعتبار متطلبات المكان وخصائصه الطبيعية، والتناغم مع استعمالات الأراضي المجاورة، وتحديد الحجم الأنسب للأحياء السكنية، وإعادة الطبيعية، والتناغم مع استعمالات الأراضي المجاورة، وتحديد الحجم الأنسب للأحياء السكنية، وإعادة هيكلة الأحياء بما يخدم متطلبات السلامة والأمن، وإيجاد حلول عملية لتحقيق متطلبات الخصوصية، والتفاعل الاجتماعي الإيجابي.

هذه القواعد تأتي كعنصر تفصيلي للمخططات الهيكلية المحلية، وهي بدورها أحد عناصر المخطط الهيكلي لمدينة الرياض، الذي تضمنه المخطط الاستراتيجي الشامل لمدينة الرياض.

ملاءمة التضاريس

ينبغي احترام المجاري الطبيعية للمياه، وأنواع التربة، والأوضاع الجيولوجية، ومناطق الحياة الفطرية، واعتبار النواحي الطبوغرافية في تخطيط الحي، وتصميم المباني، واستعمالات الأراضي، كما تجب المحافظة على المقومات الطبيعية الرئيسة، ودمجها في شبكة المناطق المفتوحة.

ملاءمة المناخ

لا يعتبر التخطيط العمراني القائم متطلبات مناخ البيئة الصحراوية، ومن الضروري توظيف تخطيط الحي وتصميم مبانيه للحد من الآثار السلبية للحرارة، والعواصف الرملية، ومن الإجراءات المفيدة زيادة الظلال عن طريق رفع الكثافة العمرانية، وتبني رفع نسبة المبنى إلى المفتوح، وتجميع المباني لتقليل تعرضها لأشعة الشمس، وتكوين أعلى نسبة ظل على مسطحات المباني، والفراغات المفتوحة، ومحاولة توجيه ما يمكن من الشوارع شمالاً وجنوباً، لتوفير الظلال في الشوارع معظم فترات النهار، وحماية حركة المشاة، وزيادة التشجير.

هذا فضلاً عن التوسع في استخدام المواد الحديثة العازلة للحرارة، والضوء باستخدام المواد الحديثة، أو القديمة كالطين وفق طرق حديثة، واعتبار متطلبات التهوية في المبانيكالملاقف، والبروج الهوائية.

اعتبار الاستعمالات المجاورة

يجب الأخذ في الاعتبار استعمالات الأراضي المجاورة، والتجاوب معها كجزء من العملية التخطيطية، مع ضرورة الفصل بين استعمالات الأراضي التي لا تتلاءم مع بعضها كإقامة المناطق العازلة بين الأحياء السكنية، والمناطق الصناعية، وتدعيم الترابط التكاملي بين الاستعمالات المتجانسة أو المتقاربة، أو التي يخدم بعضها بعضاً، كالربط بين المناطق المفتوحة المحلية والأحياء السكنية.

حجم الحي

حددت المخططات السابقة للرياض أحجام الأحياء بمساحات متساوية ( 2×2 كم )، ودلت كثير من الدراسات والتطبيقات العالمية أن هذا الحجم كبير جداً، وأن معدل المساحات المسطحة الملائمة هو 1كم2 فقط، التي تحوي وحدات سكنية تتراوح بين 500 و 650 وحدة سكنية، وعدد سكان يتراوح بين 3000 و 4000 نسمة.

السلامة

ترتبط دواعي السلامة بحركة المرور، ومحاولة التوازن بين الحاجة إلى الاتصال بالسيارة ضمن الحدود المعقولة، مع التحكم في حركتها لتجنب الإضرار بحياة السكان ( المشاة )، وتدلالمسوحاتالميدانية أن أكثر ما يقلق سكان مدينة الرياض يتمثل في حركة المرور التي تستبيح جميع شوارع الحي، ولا توفر أية ممرات آمنة للمشاة، ومن أهم الأسباب المؤدية لذلك : التخطيط الشبكي النافذ للشوارع، فاستقامة الشوارع، وتقاطعاتها المتعامدة، شجعت على زيادة السرعة، واختراق الأحياء من قبل الغرباء، ما ينتج عنه معدلات حوادث دهس مرتفعة، مع أن غالبية السكان يمنعون الصغار من الخروج للشوارع.

وهناك عدد من الإجراءات التي من شأنها زيادة مستوى السلامة المرورية داخل الأحياء السكنية، من هذه الإجراءات إعادة النظر إلى الشارع، لا على أساس أنه مجرد ناقل لحركة المركبات، ولكن كجزء من البيئة المفتوحة العامة في الحي السكني، وهناك أنماط متعددة من الشوارع تختلف في التوازن بين متطلبات حركة المركبات، ومتطلبات سكان الحي وسلامتهم، وقد وجد أن نمط شارع الميدان المغلق يوفر أعلى درجة من الحماية الأمنية، والخصوصية للسكان، ليعد واجهات المنازل، وسهولة مراقبة الفراغ القائم أمام المنازل، وقدرته على تقليص الحركة العابرة للمركبات، كما وجد أيضاً أن أفضل مستويات السلامة تتحقق من نظام التخطيط المغلق، ويتكون من شوارع متدرجة، تنتهي بشوارع مغلقة، ويلي ذلك الهيكل الحلزوني، المحتوي على شوارع حلزونية نافذة، توازن بين حاجة الاتصال، والمحافظة على سلامة السكان، بينما يبقى المخطط الشبكي الأفضل من حيث الاتصال، وتوازن كثافة الحركة.

عامل آخر يؤثر في السلامة يكمن في اتصال الحركة من الطرق الشريانية، حتى طرق الاتصال بالوحدات السكنية، ففي الوضع الراهن يتعدد الاتصال بين الحي، والطرق الرئيسة المحيطة بمعدل يصل إلى 45 مدخلاً، هذه المداخل تشجع سهولة الاختراق، وتهدد سلامة الحي، لذا يفضل تحديد مداخل تؤدي الغرض من ناحية خدمة سكان الحي، وتحد من حركة المرور العابرة.

كما ينبغي وضع مناطق عازلة بين المساكن وحركة المرور، كما يفضل إقامة الوحدات السكنية الأعلى كثافة كالعمائر حول مركز الحي، أو الشوارع الرئيسة داخله.

وقد وجد أن استخدام دوائر الحركة المرورية، بدلاً من التقاطعات المتعامدة، يوفر قدراً كبيراً من السلامة للمشاة والمركبات، خصوصاً مع عدم شغل الأركان المحيطة بالتقاطع بالبناء، وجعلها مناطق خضراء مفتوحة تزيد من مدى الرؤية البصرية، وتساعد عناصر تهدئة السرعة في توفير الأمان، وخصوصاً للأطفال وكبار السن، حيث ينبغي ألا تتجاوز سرعة المركبات في الشارع السكني 18كم/ساعة، ومن أهم النواحي التخطيطية المؤدية لهذا الغرض التدرج في حركة المرور، واستخدام ميول الشوارع، أو عن طريق تحديد مسارات المشاة، وعمل المطبات، ورفع مستوى الشارع في ذلك الموقع.

وتتطلب سلامة حركة المشاة والتجمعات من أخطار المركبات، إقامة ممرات خاصة بهم، وجزء مفتوح أمام مراكز التجمع، يحول دون وصول السيارات إليهم، أما الأماكن التي يصبح اختلاط المشاة بالمركبات فيها ضرورة فلا بد من اتخاذ التدابير الكافية لخفض سرعات المركبات إلى أقل من 18كم/ساعة.

الأمن

يساعد انفتاح الأحياء الحالية، وضوابطها العمرانية، وما تؤدي إليه من خفض الكثافة السكانية، وضعف التفاعل الاجتماعي بين الجيران، كل ذلك يؤدي إلى زيادة معدلات حدوث الجريمة في الأحياء السكنية، فكثرة مداخل الحي، ونفاذية الشوارع، وانحسار النشاط الاجتماعي في الأماكن العامة، كل ذلك يسهل من فرص اقتراف الجريمة.

ومن أهم المبادئ التي تساعد على الحرص من انتشار الجريمة : المراقبة الذاتية للحي، ومشاركة السكان في مسؤولية الحماية،ومن الملائم توجيه تقسيمات الأراضي، واستعمالاتها، وتصاميم الشوارع بما يناسب طبيعة السلوك الإنساني الاجتماعي، ويحتاج ذلك إلى توفير أماكن خاصة بالنساء، والأطفال، وكبار السن، والرجال، وحمايتها من تهديد حركة المرور، وحرارة الشمس، وتوفير الخصوصية اللازمة لها، كل ذلك يحفر الحيوية، وظهور السكان، والإحساس بالانتماء، والاطمئنان، وبالتالي إزالة الأجواءالمهيئةلحدوث الجريمة، من خلال المراقبة الذاتية.

كما أن العزل بين الاستخدام السكني، والخدمات التجارية الاستهلاكية، والخدمات الأخرى داخل الأحياء السكنية، يقلل من أجواء الرقابة العامة في الحي، وعليه فلابد من درجة معتبرة من الاختلاط بين السكن، وبعض الاستخدامات العامة، خصوصاً في مراكز محددة، وإيجاد محلات تجارية صغيرة، واستعمالات أخرى داخل الحي، تخضع لضوابط معينة من ناحية العاملين.

وينبغي أيضاً توزيع الخدمات العامة في الحي بما يساعد على ردع الجريمة من خلال زيادة الحضور السكاني في مرافق الحي، وزيادة مستويات الرقابة الذاتية، والخدمات الحالية في الأحياء تمتاز بكبر حجمها، ووقوعها على شوارع كبيرة، وتكون محاطة بحركة مرورية كثيفة، تعمل على عزل السكان عنها، وتساعد النطاقية في تنظيم عناصر الحي في زيادة نسبة الآمن في الحي، ويقصد بالنطاقية، أن يكون هناك تدرج واضح بين مكونات الحي، وطبيعة الأنشطة السكانية، والعلاقات العامة والخاصة، حيث إن الوضع الراهن يفتقد لهذا التدرج بين الخاص والعام، فالخاص جداً يتمثل في منازل السكان، والعام جداً في الشارع، بدون تنسيق، أو تدرج، أو فواصل فراغية، ولذا لا بد من توفير التدرج بين الخاص والعام، فيبدأ من السكن، ثم الممر، والمنطقة التحويلية بين مجموعة من المساكن، والفراغ الخاص بمجموعات الأحياء، إلى المناطق شبه العامة، والعامة.

وتشكل المداخل المتعددة للحي، والنظام الشبكي النافذ لكل مناطق الحي عاملاً آخر في إضعاف الحالة الأمنية، والسكينة الاجتماعية في الأحياء السكنية، فالنظام الشبكي، وكثرة المداخل تجذب حركة الغرباء العابرة إلى داخل الحي، وتزيد من احتمالية حدوث الجريمة، وقد وجد أن الأحياء المغلقة، أو قليلة المداخل تتمتع بدرجة أمان أعلى من تلك ذات المخططات الشبكية.

الخصوصية

تتوفر الخصوصية في الأحياء السكنية من خلال القدرة على التحكم في الاتصال مع الآخرين، وتنسيق درجة الانغلاق، والانفتاح بين المسكن والحي، وتتأثر الخصوصية بدرجة التجانس والتقارب، والعلاقات الاجتماعية، فكلما زادت درجة التجانس قلّت الحاجة للخصوصية، والعكس بالعكس، فكلما قلّ مستوى التجانس ازداد الشعور بالغربة، وتولد إحساس أقوى بالحاجة إلى الخصوصية.

ويعاني سكان الأحياء الحالية من أثر ضوابط البناء المطبقة حالياً على خصوصية الأحياء السكنية، حيث إن انفتاح الأحياء وشوارعها، وخدماتها المفتوحة جعلت السكان يشعرون بالغربة، والفرقة داخل شوارعهم، على الرغم من شيوع نمط الفلل السكنية، التي تمتاز بكثرة الواجهات، إلا أن نمط توزيعها يقلل الاستفادة منها، فتظل معظم الشبابيك والستائر مغلقة إلى درجة ضارة صحياً.

ومما يسهم في زيادة الخصوصية داخل الأحياء السكنية، وبالتالي تشجيع السكان على الإفادة من الفراغ المحيط بهم، وتكوين العلاقات الاجتماعيةالايجابية، إعادة تنظيم المسافات بين المنازع، وتوجيه الفتحات فيها.

ويطبق هذا التوجه – أيضاً – على قطع الأراضي وتوزيعها، بحيث تتخالف بشكل أفضل في التوجيه، وكذلك فتحات الأبواب، انطلاقاً من خصوصية المداخل، وتخالفها في الأحياء الإسلامية القديمة.

إن توفير الخصوصية في المسكن، يتيح لساكنيه الإفادة من الأفنية المحيطة بالمباني، والفراغات المفتوحة، خصوصاً وأن الأجواء في مدينة الرياض تكون مواتية للاستفادة منها ما لا يقل عن ثمانية أشهر في السنة، في أوقات مختلفة من الليل والنهار.

كما تحتاج الفراغات الخارجية المحيطة بالمساكن ( الأفنية ) إلى تنسيق بمنح تجاوزها، ويتيح للسكان الإفادة منها.

ومن المهم أيضاً إضفاء بعض الخصوصية على الشارع السكني، لإعطاء الفرصة لتعدد نشاط سكان الحي خصوصاً النساء والأطفال خارج المسكن، وذلك من خلال إيجاد مواقع وممرات شبه خاصة في الشارع السكني، لاستخدام النساء والأطفال، ترتبط مباشرة بمداخل المنازل، وملاعب الأطفال الصغار، وتكون أشبه بفراغ عام لمجموعة من المباني السكنية المحيطة به.

الخدمات العامة

تعتبر الخدمات من أهم العناصر المؤثرة في رفع المستوى الحضري للحي السكني وإحدى أهم الوسائل المتاحة والفعالة في توجيه نشاط سكان الحي، والسيطرة على إيقاع الحياة فيه، ويتسم توزيع الخدمات العامة في الأحياء القائمة، بالتركز حول مراكز الحركة الكثيفة، ولا تتسم هذه الخدمات بالتدرج في قدراتها، وفي توزيعها، ما يحرم كثيراً من سكان الحي من الإفادة المباشرة واليومية منها، ومن جهة أخرى يجعل هذه الخدمات المركزة مركز استقطاب من خارج الحي، وهذا بالتالي يؤدي إلى تغير استعمالات الأراضي حول تجمع الخدمات، ويجعلها أشبه بأماكن الاستعمالات المختلطة، وأعصاب الأنشطة، ما يزيد من معاناة السكان المجاورين لها.

للإفادة بشكل أمثل من الخدمات لابد من تصميم هذه الخدمات من حيث قدراتها الاستيعابية، وعدد المستفيدين منها وفق تدرجات مختلفة، ليكون منها ما يفيد مجموعات قليلة من المساكن، ويكون توزيعها في متناول المساكن المحيطة بها، ضمن مسافات يمكن قطعها سيراً على الأقدام.

أما الخدمات العامة على مستوى الحي، التي يحتاجها السكان على فترات متباعدة، كالجوامع، والسوبر ماركت، فتحتاج أن تكون في مناطق مركزية، متوسطة بين تجمعات مساكن الحي، ومعزولة عن الجوار السكني المحيط بها.

ويفضل أن تكون الخدمات الملائمة للحي مرنة، متفاوتة، ومتكاملة مع المساكن، ومبنية على رغبات السكان، ونوعياتهم، ومتناسبة مع الموقع، وتكون أكثر كثافة لذوي الدخل المنخفض، كما يجب استغلال الفرص الكفيلة بتحقيق تفاعل إيجابي بين الاستعمالات المختلفة، ومثال ذلك تجنب الفصل الشامل بين الاستعمالات التجارية والسكنية، حتى لا تهجر المناطق التجارية خارج أوقات العمل، وبالتالي لابد من مزج بعض الكثافات السكانية المتوسطة إلى العالية ضمن الاستعمالات التجارية، عن طريق إقامة الشوارع الموجهة لاستخدام المشاة، وتشجيع الأنواع التجارية المكملة، وتجنب الشوارع المزدحمة التي تقلل من حركة المشاة.

وينبغي أن تطور المناطق المفتوحة للحي بحيث ترتبط بالشبكة الموجودة على نطاق المدينة.

تأتي قواعد تصميم الأحياء السكنية ضمن المنظومة الشاملة للخطط الاستراتيجي الشامل لمدينة الرياض، حيث ينبغي أن تتكامل مع بعضها، بدءً من أنماط تخطيط الأراضي، إلى أساليب تطويرها، وتوفير ما تحتاجه من خدمات، وذلك وفقاً للضوابط العمرانية، وأنظمة البناء المعتمدة، ومن ضمنها القواعد الإرشادية للتصميم العمراني.