تصميم المتحف الوطني هيبة فكرية في إهاب إنساني حميم

المتحف الوطني أحد المعالم المعمارية البارزة في مدينة الرياض، وعلى مستوى المملكة، يعطي قراءة جديدة للأصالة العمرانية، ومثالاً للجمع بين الاحتياجات الوظيفية المتخصصة، والاحتياجات الجمالية العامة.

يأتي المتحف نتيجة لعدد من الاعتبارات الأساسية التي وجهت عملية التصميم، والتفصيلات الإنشائية، والتجهيزات التقنية، فشكلت المناسبة الوطنية: مرور مائة عام على توحيد المملكة، وموضوع المتحف الذي يعني بتاريخ الجزيرة العربية، والحضارة الإسلامية، وسيناريو العرض المتحفي المحور الأساسي في تشكيل فراغات المتحف، حيث أنبط بمبنى المتحف أن يسهم بجانب رمزي في تجسيد بعض مضامين العرض المتحفي وإبرازها، إضافة إلى تقديم الفراغ الوظيفي عالي التجهيز لاستيعاب العرض المتحفي.

كما شكل موقع المتحف في مركز الملك عبد العزيز التاريخي بعداً آخر في تصميم المتحف، من حيث اعتبار متطلبات تطوير منطقة وسط المدينة، وبرنامج تطوير منطقة قصر الحكم، وطبيعة المؤسسات والمنشآت القائمة في المركز، والبيئة المفتوحة التي تهيمن على معظم أجزائه.

يشتمل مبنى المتحف على عشر قاعات للعرض المتحفي تتباين في شكلها وحجمها والممرات التي تربطها، ويتيح المتحف أنماطاً مختلفة من الحركة العابرة من خلاله عبر أرجاء المركز، أو دخله، والمتعلقة بالعرض المتحفي.

كما يسهم التصميم الخارجي لمبنى المتحف في تكوين المناطق المفتوحة والحدائق، من خلال الممرات المظللة، والتكوينات الجمالية، والتكوينات المائية، وأماكن الجلوس.

وعلى الرغم من الحداثة التي يتمتع بها مبنى المتحف إلا أنه ينسجم معمارياً مع المستويات المختلفة من العمارة التراثية التي يزخر بها مركز الملك عبد العزيز التاريخي.

تتسم منشآت المتاحف ومبانيها بطبيعةمتحفية، فمبنى المتحف غالباً ما يمثل متحفاً في حد ذاته.

لذلك تحظى مباني المتاحف بعناية تصميمية كبرى، وتسخر لها أحدث المعطيات التقنية في صناعة البناء، وهي مجال رحب للإبداع المعماري، وإظهار القدرات التقنية الإنشائية، وتتربع على رأس قائمة المنشآت المعمارية من حيث الجودة، والقيمة الحضارية العمرانية، إضافة إلى قيمتها الوظيفية كوسيلة تعليمية حديثة، وعنصر مجسد للقيم الاجتماعية والمعنوية التي يعتز بها المجتمعويأتلفونحولها.

يأتي تصميم مبنى المتحف المعماري خلاصة للجمع بين وظيفتين:

الوظيفة الأولى: متعلقة بالعرض المتحفي حيث تتسم بالبساطة، والاستجابة المباشرة صورها لمتطلبات سيناريو العرض المتحفي، واحتياجات الحركة داخل المتحف، والوظائف الأخرى، فقاعات العرض لا يستدعي في النواحي المعمارية أكثر من فراغات لا تفرض أي وجود منافس للعرضالمتحفي،والذيغالباً ما يكون من خلال معروضاته، وما تحتاجه من وسائط ومؤثرات بيئية بصرية، تلغي وجود الجانب المعماري للقاعة في نظر الزائر للقاعة، هذه البساطة تجعل قاعات المتاحف مرنة في استيعاب أنواع مختلفة من العروضالمتحفية.

إضافة إلى البساطة التي تتسم بها فراغات العرض المتحفي (القاعات والممرات) ينبغي أن تكون مؤهلة تقنياً وفنياً وإنشائياً لاستيعاب احتياجات العرض الفنية، والخدمات المساندة، كالتكييف، وأنظمة إطفاء الحرائق، وأنظمة النقل، وهنا قد تظهر احتياجات مختلفة، فالقاعات التي تحوي مؤثرات صوتية وبصرية، وعروضاً للوسائط المتعددة، تحتاج لتجهيزات تقنية وإليكترونية تختلف باختلاف موضوع العرض.

الوظيفة الثانية: متعلقة بدوره العمراني والحضري في الوسط المحيط به، (التصميم الخارجي للمتحف) ويندرج تحتها عدد من المتطلبات، فالمناسبة التي أنشئ من أجلها المتحف قد تشكل أحد أبعاد التصميم، كما أن طبيعة العرض المتحفي التي لا تؤثر بشكل بالغ في تصميم داخل المتحف (القاعات) غالباً ما تؤثر في التصميم الخارجي للمتحف، أما أقوى المؤثرات في التصميم الخارجي للمتحف فتكمن في موقع المتحف، وطبيعته العمرانية والحضارية، وهوية المدينة العمرانية، واحتياجات الجوار المحيط في الجانب التخطيطي، إضافة إلى البعد الجمالي، والتفرد المعماري لمبنى المتحف الذي يجعله أحد معالم المدينة، هذه الاعتبارات والأبعاد تضع أمام المصمم المعماري تحديات كبيرة، وتتيح له في الوقت نفسه مجالات رحبة للإبداع والجمع بين هذه المتطلبات.

هذه المتطلبات الوظيفية المختلفة، والأبعاد المعمارية التي ينبغي استيعابها في تصميم المتاحف تجعل من المتاحف مباني عالية الجودة، متفردة معمارياً، تشكل علامات بارزة على عمران المدن، وتجعل من التصميم في حد ذاته قيمة جمالية حضارية تزداد بمرور الوقت.

الاعتبارات التصميمية في المتحف الوطني

أخذت جملة من الاعتبارات والمجددات في وضع التصاميم المعمارية الأولية للمتحف الوطني، والتصاميم النهائية التنفيذية لمبنى المتحف ومنشآته، والجوار المحيط به.

يأتي إنشاء المتحف الوطني كأبرز عناصر مركز الملك عبد العزيز التاريخي ـ بمناسبة مرور مائة عام على تأسيس المملكة العربية السعودية، إلا أنه أعتبر في الاحتفاء بهذه المناسبة تأكيد المكانة العالمية والدولية لأرض الحرمين، وتوظيف المناسبة في تطوير مقومات النمو الثقافي، والتآلف الاجتماعي من خلال مؤسسات ثقافية من ضمنها المتحف الوطني.

لذا اعتبر في تصميم المتحف أن يكون بمستوى يعكس المكانة الدولية التي تتمتع بها البلاد.

في الجانب التقني ينبغي أن يكون مبنى المتحف مؤهلاً لاستيعاب الجوانب التقنية للعروضالمتحفيةالحديقة، وأن يوفر بيئة عرض بمقاييس عالمية تجعله مؤهلاً لاستقبال العروض العالمية الزائرة، ومتطلبات سيناريو العرض المتحفي.

كما يتسم موقع المشروع بعدد من الخصائص، فالمركز يقام على أرض قصر المربع الشهير، الذي ما تزال أهم عناصره الوظيفية والمعمارية قائمة (قصر المربع).

ومن حيث الجانب الوظيفي فمركز الملك عبد العزيز التاريخي ستقام عليه عدد من المؤسسات الوطنية، والمنشآت التاريخية كدارة الملك عبد العزيز، وفرع مكتبة الملك عبد العزيز العامة، ووكالة الآثار والمتاحف، وقاعة الملك عبد العزيز للمحاضرات، وجامع الملك عبد العزيز، إضافة إلى الحدائق، والمناطق المفتوحة.

لذلك أعتبر في مبني المتحف الوطني، ألا يكون في وضع تنافسي مع بقية منشآت المركز وعناصره، ومؤسساته، فلا يطغى مبنى المتحف على بقية العناصر، أو يلغيها، بل يكون في وضع تكاملي معها، وأن توظف سماته العمرانية الحديثة، لإظهار التباين مع الملامح العمرانية التراثية لبقية العناصر في إطار إيجابي متناسق.

واعتبر فيه ـ على ضخامة المبنى ـ أن يستهلك أقل قدر ممكن من المساحة، ليتيح مجالاً أوسع للمسطحات الخضراء، والمناطق المفتوحة، التي تشكل بيئة المركز العامة، ليس هذا فحسب، بل ينبغي أن يكون حضور مبنى المتحف ودوداً، يزيل مشاعر الرهبة التي قد تتولد لدى زوار المناطق المفتوحة، وأن يسهم في إكمال مرافق الحدائق المفتوحة، من أماكن الجلوس المتنوعة، والمنشآت الخدمية، والتكوينات الجمالية، وألا يعيق محاور الحركة العامة المفتوحة عبر أرجاء المركز في جميع الاتجاهات.

كما اعتبر في تصميمه، وتصميم بقية عناصر مركز الملك عبد العزيز التاريخي أن يتكامل مع التصميم المعماري، والتخطيط الحضري لمنشآت منطقة قصر الحكم، بحيث تشكلان معاً طرفي محور التطوير الحضري والعمراني الذي سينفذ لاحقاًَ في المنطقة التي تفصل بينهما، ومنها حديقة الفوطة، والنسيج العمراني في منطقةالغراوية.

العرض المتحفي

اعتبرت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض ـ عند صياغة سيناريو العرض المتحفي ـ أن يتسم بالقيمة الفكرية التثقيفية التربوية العالية، من خلال الشمول الذي لا يقتصر على التاريخ الحديث للجزيرة العربية والدولة السعودية، وإنما يذهب بعيداً ليحكي قصة متصلة منذ تكون سطح الكرة الأرضية، وبدايات الوجود الإنساني في جزيرة العرب، ومن خلال التميز في منهجية معالجة الأحداث التاريخية، ووضعها في سياق العرض حسب أولويتها، فالعرض المتحفي يستند في محاكمته للتاريخ من خلال مقاصد الشريعة، والمبادئ الشرعية الثابتة في الحكم على الأحداث، وتقويم التجارب البشرية غير الأزمان، وبدلاً من الاقتصار في تصميم فراغات المتحف الوظيفية على مجرد تقديم فراغات محايدة لاستيعاب مواضيع القاعات، اتجهت الهيئة إلى ضرورة أن يسهم تصميم قاعات المتحف في إبراز الجوانب الموضوعية في العرض المتحفي، وأن يقدم حلولاً لبعض التحديات التي تضمنتها العرض.

فالعرض المتحفي يعالج جميع الفترات التاريخية، وضمن هذا المدى الزمني الطويل جداً تكمن مراحل تاريخيةثرية،تستوعبكل واحدة منها متحفاً مستقلاً، ومثل هذا العرض المطولالملئبالمحطات يفرز عدداً من التحديات من أهمها: الملل والإرهاق الذي يصيب الزوار عند التنقل بين مواضيع المتحف الكثيرة، فكان لزاماً أن تتسم قاعات المتحف بالتنوع المعماري، الذي يجعل رحلة الزائر عبر تاريخ المتحف متصلة التشويق والإثارة، وأن تسمح في الوقت ذاته بمستويات مختلفة من الحركة، كالحركة العابرة عبر جميع المواضيع، والحركة المتفحصة لمواضيع محددة، وان يتاح للزوار بدء الرحلة في وقت، وإكمالها في آخر، وعدم اشتراط الانطلاق من البداية في فهم مواضيع قاعات محددة.

كما اعتبر في التصميم أن يسهم في إبراز بعض الجوانب المعنوية والموضوعية في العرض التاريخي، فالمعروضات التاريخية التي لا تنتمي إلى فترات زمنية محددة، وضعت خارج القاعات في مناطق بيئية، والصعود عبر سلم متحرك من قاعة العرض التاريخي لفترة الجاهلية إلى قاعة العرض التاريخي للبعثة النبوية يجسد للزائر السمو الذي رفع الله به البشرية بالإسلام من حماة الجاهلية، ويجسد الجسر المعلق الذي يربط بين كتلتي المتحف إلى حادثة الهجرة النبوية، التي كانت بداية ظهور الإسلام، وفاصل مهم في تاريخ البشرية جميعاً، منذ أن وقعت إلى يوم الدين، فكانت همزة الوصل بين زمنين: زمن الجاهلية وزمن الإسلام، وكذلك يشير مبنى المتحف في وضع القاعات المتعلقة بما قبل البعثة والهجرة النبوية في جهة والقاعات التي تليها في الجهة المقابلة.

الهوية العمرانية

سعت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض في بلورة الهوية العمرانية لمدينة الرياض، إلى تطوير نماذج عمرانية تستلهم مفهوم الطابع العمراني التراثي لمدينة الرياض الذي جسدته المباني الطينية القديمة، وتكون قادرة على استيعاب المتطلبات الوظيفية، والطابع الحضري الحديث للمدينة.

وذلك من خلال نظرة أكثر عمقاً لمفهوم الهوية العمرانية من مجرد تكرار الملامح التراثية الشكلية في المباني والمنشآت الحديثة، فالهوية المعمارية هي أعلى درجات التناغم والتكامل بين المعمار والمكان والسكان في ذلك المكان، فإذا كان المعمار يراعي الظروف المناخية، والجغرافية للمكان، ويوظف مواده، وموارده، ويستوعب احتياج المستخدمين في ذلك المكان، وفق ثقافتهم وعاداتهم، ويقوم بالواجبات الوظيفية، فتلك هي الهوية العمرانية للمكان، إنه معمار يصعب تقبله خارج بيئته، وفي الوقت نفسه يشكل أعلى درجات التكامل والتناسق مع بيئته ومحيطه.

مثل هذه المنهجية والعمق في النظر لمفهوم المعمار التراثي والهوية المعمارية لا يشكل عالقاً أمام الحداثة والتقنية، ويتيح مجالاً واسعاً من التنوع والإبداع، فمنشآت قصر الحكم، ومنشآت حي السفارات، ومنها قصر طويق، ومنشآت مركز الملك عبد العزيز التاريخي ـ على اختلافها ـ يشكل التناغم مع المكان قاسماً مشتركاً بينها، وتعكس جميعها هوية موحدة، يمثل المتحف الوطني أحد العناصر الرئيسية المشكلة للهوية المعمارية لمدينة الرياض، فقد أنشئ إلى جوار عدد من المباني التاريخية المتفاوتة في القيمة التراثية، والمختلفة في منهج المعالجة المعمارية، والمتحف إضافة إلى المكتبة وقاعة المحاضرات منشآت إضافية حديثة إلى مركز الملك عبد العزيز التاريخي، وأكثرها حداثة وتقنية المتحف الوطني، فاعتبر في تصميمه أن يعطي قدراً من التباين مع المباني التراثية في الموقع، وخصوصاً مبنى دارة الملك عبد العزيز، الذي أعيد بناؤه على حدود قصر الملك عبد العزيز في المربع، هذا التباين بين المنشآت تربطه وتوحده عوامل كثيرة من أهمها: تجانس البيئة المحيطة بجميع المنشآت، والمتمثلة في الحدائق والمناطق المفتوحة، إضافة إلى تجانس كتل المباني وأبعادها الإنسانية، التي تجعل الزائر والناظر لا يشعر باختلاف أكان في المتحف أو الدارة، ويدعم هذا التجانس استخدام مواد إنشائية موحدة،وتكسياتداخلية وخارجية متجانسة، إضافة إلى طبيعة الاتصال بين المنشآت القائمة في المركز، فتعد محاور الحركة واختراقها لمعظم المباني، فضلاً عن تقاربها مؤكدات للتجانس بين هذه المنشآت، على الرغم من التباين الكبير بينها في التصميم والوظيفة.

الفكرة العامة للتصميم

صمم مبنى المتحف الوطني، ليكون أحد المعالم العمرانية للمدينة، يجسد هويتها المعمارية، والحضارية.

مساحة أرض المتحف 17000 م2، وتزيد مساحة مبانيه عن 38000 م2، إلا أن حجمه الكبير نسبياً لا يطغى على بقية العناصر المعمارية والمنشآت المؤسسية الأخرى في مركز الملك عبد العزيز التاريخي، في تباين تكاملي مع تصميم هذه العناصر.

تشكل واجهات المتحف،وحوائطهالخارجية محددات للمناطق المفتوحة وحدائق المركز، وعناصر مكملة لها، نظراً لما تتسم به من تكوينات جمالية، تحمل قدراً من الرمزية، أو بما توفره من مرافق، وممرات، وتكوينات مائية، وأماكن للجلوس.

يتكون المتحف من عشر قاعات عرض كبرى، تتسم في الجملة ببساطة التصميم، وتوفير الفراغ الفسيح الذي يستوعب أنماطاً متعددة من العروضالمتحفية، تمتاز قاعات المتحف بقدر من الاختلاف في الشكل والحجم والمداخل والممرات وطريقة الاتصال بعضها ببعض، ما يعطي قدراً من الرمزية، وتأكيد بعض الجوانب الموضوعية التي تضمنها العرض المتحفي، والقيم التي يسعى لإبرازها، وهذا التنوع يضفي أجواء متصلة من التشويق، والإثارة المتجددة أثناء تجول الزوار عبر قاعات المتحف.

كما يشتمل المتحف على فراغات وظيفية وخدمية أخرى، فهناك المستودعات، وأماكن حفظ المعروضات، ومعامل معالجة المعروضات التراثية وصيانتها، إضافة إلى مكاتب الموظفين والإدارة، وتجهيزات الخدمات، كالأنظمة الكهربائية، وأنظمة التكييف والأمن، إضافة إلى أنظمة العرض، حيث زود المتحف بشبكة إليكترونية مترابطة بالألياف البصرية.

ويتصل مبنى المتحف من الخارج . بمبنى مكتبي من دورين خصص مقراً لوكالة الآثار والمتاحف , يتسم مبنى الوكالة بالبساطة, كما يتصل عضوياً بمبنى المتحف عبر عدة أروقة, تذكر بالأروقة القديمة التي كانت تربط مباني قصور المربع, وتشكل أحد العناصر الجمالية في المركز . ومحدداً بصرياً لميدان المربع, فضلاً عما توفره من ممرات مظلمة, وأماكن لجلوس الزوار .

الحركة في المتحف

يتيح مبنى المتحف أنماطاً مختلفة من الحركة حوله وداخله, فمن الخارج يتيح مبنى المتحف- الكبير نسبياً- مرور الحركة العابرة عبر المركز في الاتجاه الشرقي الغربي, عبر البوابة الرئيسة للمتحفظ, وهذا الممر متاح معظم الوقت, دون أن يؤثر على حركة زوار المتحف وقاصديه, ونظراً لاتساع مركز الملك عبد العزيز التاريخي, وتوزع مواقف السيارات في جهاته الأربع, وضع المدخل الرئيسي للمتحف مع البهو الرئيسي في وسط المتحف، وتكوين هذا المدخل مع قاعته الفسيحة يتيح اتصالا مباشراً بالمناطق المفتوحة والحدائق من ثلاث جهات، فيمكن للزائرين الوصول إلى بهو المتحف من عدة مداخل، مرتبطة بالمنتزه العام، من الجهات العربية والجنوبية والشرقية، وجميعها قريبة من مواقف السيارات، ولا تضطر الزوار لحركة التفاف طويلة حول مباني المتحف للوصول إلى مداخله، كما أن المدخل المتوسط للمتحف (البهو)، يتوسط أيضاً سيناريو العرض المتحفي، ويتيح للزائر الانتقال بشكل مباشر إلى القاعة التي يريدها، دون الحاجة للسير وفق التسلسل المنهجي لقاعات المتحف.

من الداخل يتيح المتحف أنماطاً مختلفة من الحركة، فيوفر تصميم المتحف ممرات خليفة ومداخل مستقلة تقود العاملين في المتحف إلى مكاتبهم، ومن خلال الاتصال الآخر بين مكاتب الموظفين وقاعات العرض المتحفي يتاح للعاملين الوصول إلى القاعات، انطلاقاً من مكاتبهم، دون الحاجة للخروج من المبنى، أما الحركة المتعلقة بالعرض المتحفي، فتنقسم إلى ثلاثة أنواع، الأول: المعني بالحركة العابرة بين القاعات، وهي تتيح للزوار السير وفق التسلسل الموضوعي، بدءاً من القاعة الأولى، وانتهاء بالقاعة الأخيرة، أو الاتجاه مباشرة إلى قاعة محددة، وتمتاز الممرات الواصلة بين القاعات بالتغير في الشكل، والتصميم والحجم، وتشكل في حد ذاتها مجالاً للعرض المتحفي، كالممر الموصل بين القاعة الأولى، والقاعة الثانية: الذي يشكل بالنظر إلى اتساعه، ووفرةمعرضاته، وتفرد وسائط العرض فيه قاعة مستقلة، ومثل هذا ينطبق على الجسر المتحرك الذي يربط القاعة الثالثة (قاعة العصر الجاهلي) بالقاعة الرابعة (قاعة البعثة النبوية)، وكذلك جسر الهجرة الذي يربط القاعة الرابعة (البعثة النبوية) بالقاعة الخامسة (الإسلام والجزيرة العربية) كل هذه الممرات تمتاز بتصميم مختلف، وتحوي معروضات ووسائط عرض تشكل جانباً مهماً من العرض المتحفي، وتسهم بدور كبير في ترابط سيناريو العرض المتحفي، وإبراز الفكرة الأساسية من العرض التاريخي للمحتوى المتحفي.

النوع الثاني من الحركة المتعلقة بالعرض المتحفي، تكون داخل القاعات، فكل قاعة إضافة إلى اتصال موضوعها بالقاعة التي تليها، والقاعة التي تسبقها تتضمن سيناريو عرض متحفي مستقلاً بها، فالقاعة الأولى ـ على سبيل المثال ـ يبدأ سيناريو عرضها المتحفي بتكوين الكون، والقوى المشكلة لسطح الأرض، ثم الأدوات البشرية الأولى، ثم بيئات الجزيرة العربية وتختم ببدايات النقوش الإنسانية، ومثل هذه السيناريوهات المستقلة توجد في جميع القاعات.

النوع الثالث من الحركة المتعلقة بالعرض المتحفي، وهي تتم ـ أيضاً ـ داخل القاعات، ولكنها ضمن الجوانب الموضوعية الجزئية في سيناريو العرض الخاص بالقاعة، فالموضوع الأول في القاعة الأولى المتعلق بنشأة الكون والمجرات، ثم حركة القارات، ثم القوى المشكلة لسطح الأرض، ثم تكوين القشرة الأرضية والمعادن،، وهكذا.

وبعد فتصميم المتحف الوطني يجمع بين البساطة والتفرد، والوضوح الوظيفي مع الجمع بين مستويات مختلفة من الوظائف والأداء، كما أنه من الخارج يبدو منسجماً مع الجوار المحيط المتمثل في طبيعة المركز الخضراء ومنشأته الثقافية، وكأنه أقدم هذه المنشآت في الموقع، وكأنما صممت بقية العناصر للانسجام معه، وهو على مكانته المعنوية العالية، وما يضفيه على الزائر ببيئات مشوقة، وإطلالات متجددة، وهو من الخارج يبدو مألوفاً بأبعاده الإنسانية، لا يشكل نهايات صارمة للبيئة المرحة المحيطة به، بل من أسواره وكتله تبدأ البيئة الترويحية، التي تغلب على مركز الملك عبد العزيز التاريخي.