مسجد المدي صرح معماري فريد بين خضرة وجوار ثقافي

مسجد المدي أول منشأة عمرانية عامة، تبنى باستخدام الطوب المضغوط، وفق أسس عملية تخصصية حديثة.

أمر الملك عبد العزيز ـ رحمه الله ـ في بداية الستينات الهجرية بإنشاء سبيل ماء (حوض سقيا، يُسمى مدي) على حافة طريقالمربع (كانت تسمى سكة المربع آنذاك). ليكون قريباً منالماره. كان يزود المدي بالماء من آبار مجمع قصور المربع، إذ لم تكن في الرياض ـ آنذاك ـ شبكة للمياه. وكانت إقامة المدّي (جمع مدي) وسُبل الماء لسقيا الناس من أعظم المبرات.

ازدهرت المنطقة المحيطة بالمدي، فكانت تقام فيها الاحتفالات، والعرضة الشعبية. بمرور الوقت، وما أفاء الله به على هذه البلاد من نعم لا تحصى، وما شهدته مدينة الرياض من تكامل المرافق والخدمات، لم يعد الناس بحاجة لمدي المربع فاندثر، وأقيم في موقعه مسجد، ظل بنائه الشعبي لحين افتتاح مركز الملك عبد العزيز التاريخي عام 1419هـ، ثم هدم بعد ذلك ضمن مشروع تطوير الواجهة الشرقية للمركز.

وضمن جهود الهيئة لتطوير مدينة الرياض لاستكمال مرافق مركز الملك عبد العزيز التاريخي، أزيلت الملكيات الخاصة الواقعة في الجهة الشرقية للمركز، واعتمد تحويل أراضيها إلى حدائق، وإعادة إعمار مسجد المدي، بما يليق ومكانة المسجد ويتلاءم مع المستوى المعماري والحضاري لمنشآت مركز الملك عبد العزيز التاريخي.

استكمالاً للمرافق الحضرية، والمناطق المفتوحة في مركز الملك عبد العزيز التاريخي اعتمدت الهيئة العليا إزالة الملكيات الخاصة القائمة في شرق المركز، وتحويلها إلى مناطق مفتوحة، وحدائق يتحقق من خلالها اكتمال تداخل النسيج العمراني للمركز بالنسيج العمراني للأحياء المحيطة به، وتسهم هذه الإضافة في استكمال ما يحتاج إليه وسط المدينة من مناطق مفتوحة وميادين، وخصوصاً على ضفاف محاور الحركة الكثيفة، ومنها شارع الملك فيصل.

في هذه الجهة كان مسجد شعبي قديم، لا يعرف وقت بنائهعلى وجه التحديد، بني في مكان المدي (سبيل الماء) الذي كان يمد بالمياه من آبار قصور المربع. وعرف المسجد باسم المكان.

لم يكن لمسجد المدي قيمة تاريخية، أو صبغة معمارية تراثية. إلا أن وجوده ضمن مركز الملك عبدالعزيز التاريخي يستدعي إعادة عمارته بما يليق بالمسجد، ويجعله في مستوى معماري يتناسب مع المستوى المعماري والعمراني لمنشآت مركز الملك عبدالعزيز التاريخي، كما أن الحاجة لإقامة مسجد آخر على الجهة الشرقية للمركز أصبحت ملحة، خصوصاً بعد فتح حديقتي المدي والجسر، وكثافة الحركة المرورية على شارع الملك فيصل، إضافة إلى ما يشهده مركز الملك عبدالعزيز التاريخي من إقبال جماهيري على مؤسساته الثقافية، ومناطقه المفتوحة.

لذا اعتبرت الهيئة في إعادة عمارة مسجد المدي أن يسد حاجة المصلين من مرتادي المركز، وحركة المرور العابرة، وأن يجهز بالمرافق الخدمية الكافية، من مواقف ودورات مياه، وأن يكون بمستوى معماري يليق بالمسجد، ويتناسب مع المستوى العمراني لمنشآت مركز الملك عبدالعزيز التاريخي، كما اعتمدت الهيئة العليا في عمارة المسجد تطبيق تقنية حديثة في بناء المسجد بالتربة المحلية كتجربة عملية للبناء بالطوب المضغوط.

تصميم المسجد:

تم تصميم مسجد المدي على النمط التقليدي للمساجد في مدينة الرياض، وقد تأثر تصميم المسجد بعاملين رئيسين، الأول: موقع المسجد في مركز الملك عبدالعزيز التاريخي، وما ينبني على ذلك من ضرورة تناسب عمارة المسجد مع عمارة منشآت المركز، من حيث المستوى والجودة، ومن حيث المفكر والمضمون، حيث تقدم منشآت مركز الملك عبدالعزيز التاريخي أنماطاً متعددة من العمارة التقليدية، فهناك المباني الحديثة عالية التقنية مثل المتحف الوطني، وهناك المباني الحديثة المبنية على نمط المنشآت التقليدية كمبنى دارة الملك عبدالعزيز، وهناك مستويات مختلفة من إعادة تأهيل، وتوظيف المباني القديمة، من فترات مختلفة، جميع هذه المنشآت ـ على ما بينها من تفاوت في نمط العمارة التراثية ـ تربط بينها روح تصميم موحده، وقد اعتبر في تصميم مسجد المدي أن يشكل إضافة معمارية إلى هذه المستويات المختلفة من العمارة التراثية. العامل الثاني المشكل لتصميم المسجد تمثل في تقنية البناء، ومادته. واستخدام الطوب المضغوط. يفرض معالجات معينة لإقامة البناء كاستخدام الأقواس، والقباب، كما أنها تقدم امتيازات كثيرة إمكانية ترك المنشآت إلى إنهاء (تشطيب) داخلي وخارجي، فالطوب المضغوط يتمتع بمظاهر جمالية لا تحتاج إلى مزيد من المعالجات.

يحمل مسجد المدي ملامح المعمار المحلي التراثي في بناء المسجد، سواء في العناصر الوظيفية، أو في نسب أبعادها، ونظام اتصالها، فالمسجد من بعيد لا يختلف عن المسجد المحلية التراثية من وجود السرحة الخارجية (صحن المسجد المكشوف) والمنارة المتصلة بدرج خارجي مؤدياً إليها، إضافة إلى تكوينات جمالية تضاهي الأنماط الزخرفية التراثية في المباني الطينية، انعكس في عمل أحزمة بارزة ترمز إلى الحداير.

أثر الجانب التقني في المسجد يظهر في مجموعة الأقواس التي تظهر بأحجام مختلفة في كل نواحي المسجد، فجميع حوائط المسجد تظهر فيها الأعمدة الثخينة المتقاربة المبنية من الطوب داخل صحن المسجد، تنتهي من الأعلى بأقواس تربطها ببعضها، وهي جميعاً تحمل سقف المسجد، المكون من عدد من القباب، والقبوات.

هذه الأقواس التي تسيطر على البناء فرضتها طبيعة مادة البناء، وقدرتها العالية على تحمل قوى الضغط، ونظام الأقواس يزيد من قوى الضغط بين عناصر البناء، ويخفف قوى الشد التي يتعرض لها هيكل المسجد.

كثافة بناء المسجد من الداخل بسبب كثرة الأعمدة الثخينة، وكثرة الأقواس تجعل المسجد في حاجة إلى مزيد من مصادر الإضاءة الطبيعية لا توفرها النوافذ الجانبية، لذلك أضيفت عدد من النوافذ الشريطية في أقواس سقف المسجد لمزيد من الإضاءة.

كما اتخذت عدد من الإجراءات الاحتياطية لزيادة العمر الافتراضي للمسجد، فأبقيت دورات المياه في مبنى مستقل غير متصل ببناء المسجد، كما وضعت آلات التكييف على الأرض بدلاً من وضعها على السقف، واستخدام نظام الميازيب الطويلة لتصريف الأمطار عن السقف لإبعادها قدر الإمكان عن حوائط المسجد.

تقنية البناء:

أنشئ مسجد المدي بنظام الحوائط (الجدران) الحاملة، والطوب المضغوط من التربة الطينية. تتمتع هذه المادة بملاءمتها البيئية، وخصوصاً في منطقة الرياض، وانخفاض كلفتها، وخصائصها الميكانيكية والفيزيائية الجيدة، من حيث مقاومتها للمياه، وحفاظها على الطاقة. يصنع الطوب المضغوط من التربة الرملية، وهي خليط من البحص (15%)، والرمل (50%)، والطفلة (15%)، والطين (20%). يتميز الطوب الرملي المضغوط بقوة ضغطه العالية، ومقاومته للماء ويعد مسجد المدي من أوائل المنشآت المعمارية في المملكة العربية السعودية التي تبنى بهذه التقنية، ويأتي استخدام الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض لهذه التقنية في بناء مسجد المدي في معرض اهتمامها بالإفادة من التقنيات التي تيسر الاستفادة من المواد المحلية في البناء، مع تطوير طرق تصنيعها، حيث أثبتت جدواها الاقتصادية، ومرونتها التنفيذية، وكفاءتها التشغيلية، بما يعود بالنفع على قطاع الإنشاءات والعمران، ويسهم في دعم مسيرة التطوير الحضري لمدينة الرياض.

عدد المصلين 500 مصلي
أبعاد المسجد 25م × 14م
السرحة الخارجية 21م × 14م
ارتفاع المئذنة 18م
وزن الطوب المستخدم 161.370 طن من 38 نوعاً
مدة التنفيذ الفعلي للهيكل الإنشائي (بناء الطوب) 7 أسابيع