توسعة مكتبة الملك فهد الوطنية … تصميم مضياف لوظيفة تخصصية

التوسعة المستقبلية لمبنى مكتبة الملك فهد الوطنية توظف إمكانات المبنى القائم حاليا، وتستكمل بقية الوظائف من خلال مبنى جديد؛ يلتف حول المبنى القائم، ويوظف الفراغ الناشئ بين المبنيين لوظائف متنوعة. وتكمن أبرز امتيازات تصميم توسعة المكتبة في قدرتها على توفير أكبر قدر ممكن من الساحات العامة لخدمة الجمهور، والنسيج العمراني المحيط، مع الوفاء الكامل بالمتطلبات الوظيفية المستقبلية للمكتبة.

تتسم مكتبة الملك فهد الوطنية، بقيمة عالية على مستوى المملكة، اعتبارا لدورها في توثيق التراث الوطني، والإنتاج الثقافي المحلي، كما تمثل أحد أهم معالم مدينة الرياض العمرانية.

وقد أخذت الهيئة في إعادة تطوير المكتبة بعدد من الاعتبارات المتعلقة بمباني المكتبات، من حيث القدرات الميكانيكية، والاحتياطات الخاصة بالحركة، والإدارة، والأمن والسلامة، والمرونة والقابلية للتوسع المستقبلي. كما اعتمدت الهيئة: ضرورة توظيف مبنى المكتبة القائم، وما يتمتع به من خصائص، مع مباني التوسعة الجديدة. وحرصت على أن تكون المكتبة مؤهلة للقيام بدورها الوطني، وأن تكون قادرة على خدمة الجمهور. أما الجوار الحيط بالمكتبة فسيعاد تصميمه بما يكفل توفير مساحات مفتوحة حديثة، تسد جانبا من احتياجات موقع المكتبة بكثافته العمرانية العالية، وتعدد استعمالاته، وبما يتناسب مع تصميم المكتبة الحديث، ودورها الريادي في ثقافة المجتمع.

ظهرت أول مكتبة عامة في مدينة الرياض في عام(1363 هـ) ، أسسها الأمير مساعد بن عبدالرحمن، ووضع فيها صالحا من الكتب، وخصص لها جناحا من قصره للمطالعة، وخصص لها موظفا يعتني بشؤونها، وجعلها متاحة للعامة. وفي عام (1371 هـ) أمر الملك سعود رحمه الله – وكان ولياً للعهد حينها – بإنشاء مكتبة الرياض، بناء على توصية مفتي البلاد آنذاك سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ.

ويوجد في مدينة الرياض – حاليا – ما يزيد على عشرين مكتبة ، ما بين عامة، ووطنيه، وجامعية أكاديمية، أو تابعة لبعض المؤسسات الحكومية، فضلا عن مكتبات المساجد، ومكتبات العلماء، وطلبة العلم، والمثقفين، ومكتبات المدارس والمعاهد.

وفي عام (1403 هـ) بادر أهالي مدينة الرياض بتأسيس مكتبة عامة تحمل اسم خادم الحرمين الشريفين، الملك فهد بن عبدالعزيز، وبدئ في تنفيذ المشروع في عام (1406 هـ)، واعتمد تصميم مبناها، وتقسيم عناصرها الوظيفية والإدارية على أنها مكتبة عامة، توجه خدماتها للأسرة بالدرجة الأولى، وتكون محفظة للثقافة، والتراث السعودي. وبتوصية من صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز، رئيس مجلس أمناء مكتبة الملك فهد، صدر قرار مجلس الوزراء في عام (1410 هـ) ، بتحويلها إلى مكتبة وطنية، وتكون الأولى بذلك على مستوى المملكة. تتضمن المكتبة قاعدة معلومات المملكة العربية السعودية، والأرشيف الوطني للصور الفوتوغرافية، وإدارة التسجيل والترقيم الدولي، وفيها يطبق النظام العالمي، من خلال الرقم الدولي المعياري للكتب والدوريات، وإدارة الإيداع النظامي الذي طبق نظامها في عام (1404 هـ)، وبموجبه يلزم الناشرون بإيداع نسخ من إنتاجهم في المكتبة الوطنية.

يقع مبنى المكتبة ضمن العصب المركزي للمدينة، ويطل على طريق الملك فهد. وتشكل الحديقة العامة الواقعة شرقه عنصراً مكملا، وفراغا مستقبليا للتوسع، ويمتاز مبنى المكتبة بجودته، وكفاءة إنشاءاته، وملاءمتها لوظائف المكتبات؛ من حيث القدرة على تحمل الأوزان العالية، ومن حيث أنظمة السلامة والإدارة. وكان تصميم المكتبة فيالاساسموجها لاستخدام الجمهور، وللأسرة تحديدا، فاشتملت على مكتبة للأطفال، وأخرى للنساء، ومطعم يستوعب ثلاثمائة شخص، وفراغات شائقة، توفر أجواء بهيجة تساعد على التثقف، والاطلاع لعموم أفراد الأسرة.

إلا أن تحويلها إلى مكتبة وطنية، وعنايتها برصد الإنتاج الثقافي الوطني، وحفظه، وتوثيقه، واقتصارها على خدمة الباحثين فقط، أدى بمرور الوقت إلى صعوبة استيعاب الزيادة الدائمة في حجم أوعيتها المعلوماتية، ومحفوظاتها التوثيقية، التي تتزايد يوميا، وبالنظر إلى حجم الزيادة المتوقعة في هذهالاوعية، والأدوار الحديثة التي ينبغي أن تقوم بها المكتبة الوطنية، قرر مجلس أمناء المكتبة توسعة مبنى المكتبة الحالي، والإفادة من أرض الحديقة العامة المجاورة (شرقا)، وأسندت المهمة التطويرية للهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض، وحددت القدرات الوظيفية الاستيعابية المطلوبة، والموارد المالية المتاحة.

اعتبارات التطوير

يتسم مشروع تطوير مكتبة الملك فهد الوطنية بخصائص تكسبه قدرا كبيرا منالاهمية، من حيث النظر إلى أبعاد المشروع المحلية، والوطنية. فالمكتبة الوطنية إحدى واجهات الدولة، والمجتمع الثقافية، ومن حيث النظرة العمرانية الحضارية، فالمكتبة الوطنية يفترض أن تشكل أحد معالم المدينة الأساسية لما لذلك من أثر فعال في تمكينها من تحقيق وظيفتها الأساسية في تثقيف المجتمع، من خلال استيعابها لكل عناصر الجذب والتشويق الممكنة، إلى جانب الجودة، والقدرات الوظيفية العالية.

وقد شكل الجمع بين الموارد المالية المتاحة، والقدرات الاستيعابية الوظيفية، في ظل اعتبارات التطوير المتاحة تحدياً كبيراً أمام المشروع، فالتصاميم الأولية بناء على متطلبات التطوير تجاوزت ما يمكن توفيره للمشروع من موارد، ما استدعى إعادة تصميم المشروع ضمن سقف محدد من الموارد المالية، ووفق اعتبارات التطوير التي وضعتها الهيئة، وتكمن أبرز هذه الاعتبارات التطويرية في التالي:

  • الاحتياجات المعمارية للمكتبات

تصنف المكتبات ضمن المنشآت عالية الكلفة، والتي تستدعي قدرات تصميمية عالية للوفاء بمتطلباتها الأساسية، فالمكتبات من المباني المعمرة نسبياً، ما يعنى جودة المباني والمنشآت. وهي أيضا في توسع دائم، وذلك يستدعي قدرات تصميمية عالية لتيسير التوسع مع الحفاظ على الجودة والكفاءة.

يتضمن تصميم المكتبات عددا كبيرا من التحديات، من حيث اختلاف طبيعة الاستعمالات، وحاجتها إلى تجهيزات إنشائية مختلفة، فرواد المكتبة والقراء في حاجة إلى الفراغات المفتوحة ذات الأجواء الشيقة، المساعدة على الاطلاع والقراءة، أما الكتب ووسائط المعلومات فتحتاج إلى العزلة عن الضوء، وقدرات الاستيعاب العالية، مع سهولة البحث والتفتيش في كل المجموعات المخزنة، فضلا عن أنظمة خاصة للأمن والسلامة، لحفظ المجموعات الثمينة والنادرة، والمراقبة العامة، وأنظمة خاصة لمكافحة الحرائق. كما أن إدارة حركة المستخدمين في المكتبة تطرح هي الأخرى جملة من التحديات، فأعمال النقل والتخزين والاستقبال والتصدير أنشطة شبه يومية، وبالنسبة لأوعية المعلومات فمنها المتاح للجميع، ومنها المخصص لفئات معينة. وبالنسبة للمستخدمين فهناك النساء والرجال، وربما الأطفال، فضلاً عن الأنشطة الموسمية والمناسبات، كالندوات، والمعارض.

وكل هذه الاستعمالات تستدعى متطلبات تصميمية عالية الجودة، لتيسيرها، والتحكم فيها، ويضاف لكل هذا التتبع في أوعية المعلومات، ومحفوظات المكتبات، التي لم تعد تقتصر فقط على الكتب، فهناك المحفوظات السمعية، والوسائط البصرية، وتقنيات الاتصال، والمكتبات الافتراضية، فضلاً عن المجموعات النادرة، وحتى القطع الأثرية الثمينة: كالأسلحة والعملات.

  • وظيفة المكتبة الوطنية

الوفاء بمتطلبات استيعاب أوعية المعلومات الثقافية أدى إلى ضرورة التخصص في الأعمالالمكتباتية، فهناك مكتبات مخصصة للأطفال فقط، وأخرى للأسرة، وأخرى للأكاديميين والباحثين، وبعضها يتخصص في مجالات محددة من المعرفة، أو أوعية معلومات محددة: كمكتبات ذوي الاحتياجات الخاصة من المكفوفين أو الصمم والبكم. ومن الوظائف التخصصية الحديثة للمكتبات: المكتبات الوطنية، وهي تعنى بحفظ، الإنتاج القومي الثقافي للوطن في كل الأوعية المعلوماتية المتاحة وتوثيقه، وهذا النوع من المكتبات غير معني بخدمة الجمهور، باستثناء الباحثين، وذوي الدراسات التخصصية العليا، وضمن هذا التخصص تصنف مكتبة الملك فهد الوطنية. واحتياجات امع من المكتبات، تتمثل بالدرجة الأولى في: قدرات استيعابية عالية، لشتى الأوعية المعلوماتية، والتي غالباً ما تكون غير متاحة لأيدي العامة، وتقدم للباحثين، تحت إشراف موظفي المكتبة. أما المكتبات العامة، فهي وإن كانت في حاجة إلى قدرات استيعابية عالية لأوعية المعلومات، إلا أن هذه الأوعية ينبغي تيسير الوصول إليها من قبل الجمهور، كما أن كثافة زوارها، وتنوعهم تستدعي تجهيزات مساحات واسعة للقراءة والاطلاع، فضلا عن ما يحتاجه هذا الجمهور من مرافق خدمية من استراحات، ومطاعم خفيفة، ومحفوظات للأمانات، ومواقف سيارات متعددة، وتجهيزات لذوي الاحتياجات الخاصة.

وقد اعتبرت الهيئة العليا في تصميم مكتبة الملك فهد الوطنية أن تكون مؤهلة لأداء دور المكتبة الوطنية، وأن تقدم خدمة ثقافية عامة للجمهور، نظراً لحاجة المدينة إلى المرافق الثقافية، واهمها المكتبات، ونظرا لامتيازات الموقع المتوسط الذي تكثر فيه الاستعمالات المتعددة، ويشكل مقصدا دوريا لمعظم سكان المدينة، ما يتيح الفرصة لإفادتهم من المكتبة.

  • الإفادة من المبنى القائم

يمتاز مبنى المكتبة الحالي الذي يعد من معالم الرياض بجودة منشآته، وكفاءتها، وملاءمتها للاحتياجات المكتبية، وقد رأت الهيئة أن ابتكار تصميم يدمج المبنى القديم في مشروع التطوير، سيسهم في ترشيد الموارد، والإفادة من المقدرات القائمة إلى أقصى مدى. إلا أن التحدي يكمن في أن تصميم مبنى المكتبة القائم لم يعتبر في تصميمه في الأسس قابليته للتوسع المستقبلي.

  • المتطلبات الحضرية لجوار المكتبة

تقع المكتبة ضمن عصب الأنشطة المركزي في المدينة، الذي يمتاز بكثافة عمرانية (يسمح فيه بارتفاع المباني إلى 30 طابقا)، وتعدد الاستعمالات، وتشكل حديقة العليا القائمة إلى الشرق من المكتبة أهم المناطق المفتوحة في الموقع، وتشهد إقبالا كثيفا أثناء فترة فتحها طوال أيام الأسبوع. وبالنظر إلى عدم قابلية المبنى القائم للتوسعة، وإمكانية الاستفادة من أرض الحديقة في إنشاء مبنى التوسعة. إلا أن الهيئة رأت ضرورة الحفاظ على الحديقة، وتطويرها إلى ساحة عامة متميزة على مستوى المدينة، وإبداع حلول معمارية للتوسعة، لا تستهلك أرض الحديقة.

  • القابلية للتوسع

سيقدم تصميم المبنى الحديث للمكتبة قدرات استيعابية عالية، ستفي باحتياجات المكتبة لسنوات قادمة، إلا أن ارتباط المكتبات بالتوسع الدائم يحتم أخذ الاحتياطات الكافية لتوسعه المبنى الحديث مستقبلاً، اعتبر في هذه التوسعة ألا تلجأ لخيار التمدد الأفقي، على حساب الحديقة والفراغ العام المفتوح.

فكرة التصميم

تقوم الفكرة على توظيف معظم فراغات المبنى القديم في تخزين معظم محتويات المكتبة، في المجلدات، وهي تشكل معظم موجودات المكتبة، واستيعاب بقية المتطلبات الوظيفية في مبنى جديد على شكل رواق مربع، يحيط بالمبنى القديم، وسيوظف الفراغ الناشئ بين المبنيين بعد سقفه كصالات للقراءة، وتوفير بعض ما تحتاجه المكتبة من مساحات مفتوحة داخلية.

ومن فوائد التصميم مضاعفة حماية الكتب من الضوء، وتوفير الإضاءة والفراغات المفتوحة لبقية الخدمات الإدارية، والتشغيلية، واحتياجات رواد المكتبة من تجهيزات القراءة، وخدمات المطاعم، ودورات المياه.

سيتم – مستقبلا – إنشاء دور رابع لاستيعاب التوسع المستقبلي للمكتبة. أعيد تصميم الحديقة العامة الشرقية المجاورة للمكتبة، لتكون ميدانا مفتوحا يجمع بين الرصف، والنوافير، وبين المسطحات الخضراء، والتكوينات المائية، ويمتاز هذا التصميم عن تصميم الحديقة الحالي بإمكانية فتحه أمام الجمهور طوال الوقت، كما أنه يشكل عمقا متصلا بالمكتبة، ومدخلا مضيافا بالزوار، خصوصا، وأن المدخل الرئيس للمكتبة سينقل من الجهة الغربية على طريق الملك فهد، إلى الجهة الشرقية من جهة الحديقة العامة. ويتيح التصميم للساحة والمكتبة محورا للحركة بين المكتبة والساحة بالاتجاه الشمالي الجنوبي.

كما جرت معالجة احتياجات المواقف، بإخفائها تحت أرض الميدان، الذي يؤكد دور المشروع كرابط عمراني للمنطقة، يتيح الحركة من الشمال إلى الجنوب، ويسهم في جذب السكان، ويعدد خيارات الدخول إلى المكتبة، من الجهة الشرقية، والشمالية، والجنوبية، بدلا من المدخل الرئيس، الذى كان على طريق الملك فهد، ما يؤدي إلى تخفيف الاختناقات على طريق الخدمة المحاذي للمكتبة على طريق الملك فهد، مما يلي المكتبة. وفصل مداخل العاملين، عن الزوار المستفيدين وعن مداخل الخدمات والشحن والتفريغ. وتشكل الساحة بتصميمها الجديد امتدادا مناسبا للمعارض، والمناسبات الاحتفالية، يتصل بالفراغ المخصص للمعارض في الجهة الشرقية، من الدور الأرضي. يوفر التصميم الجديد للمكتبة فراغات كبيرة للمجموعات المكتبية، وأوعية المعلومات غير المتاحة بشكل مباشر للجمهور، وفراغا لمكتبه النساء، مع قاعات القراءة، وفراغا للمجموعات المتاحة للجمهور، وقاعات واسعة للقراءة، كما يوفر فراغات واسعة للأعمالالمكتباتية، والأنشطة الثقافية المتعلقة بها، مثل: قاعات المجموعات الخاصة، ومعامل تجهيز الكتب، وقاعة للندوات، وأخرى للمحاضرات، وقاعات الأوعية السمعية والبصرية، إضافة إلى مكاتب العاملين في المكتبة، ومقر جمعية المكتبات السعودية، ومقر مجلس أمناء المكتبة، ومن المرافق الخدمية المضافة: مطعم، وصالة طعام، ومحلات قرطاسيه، والمكتبات التجارية، وصالة للمعارض، ستشكل مصادر إضافية لموارد المكتبة المالية. وستشكل الفراغات المتكونة بين المبنى القديم، والتوسعة فراغات شائقة، تتسم بالانفتاح والشفافية، والإيحاء المضياف بالجمهور.

سيحيط بجدران المكتبة من الخارج غلاف من المظلات الصغيرة، المصنوعة منالتفلون، وستكون مهمته عزل فراغ المكتبة عن المناخ الخارجي، مع إتاحة الفرصة لإضاءة فراغات المكتبة المفتوحة طبيعيا.