نماذج عملية في تنسيق مواقع البيئة الصحراوية

أصبح تنسيق المواقع من المتطلبات الضرورية في المشاريع العمرانية الحديثة. ونجاح تنسيق المواقع في البيئة الصحراوية مرتهن بجودة التصميم، واعتبار الظروف المناخية، والموارنة بين متطلبات الإدامة، والجوانب الوظيفية الجمالية.

علم البستنة وتنسيق المواقع من علوم العمارة الحديثة نسبياً، وهو يعنى بتأهيل المواقع المفتوحة، من خلال تطوير عناصرها، وبيئتها لتكون ملائمة لاستخدامات محددة يهدف إليها المشروع.

وعلى الرغم من الأهمية العلمية لهذا العلم، والفوائد المتحققة من تطبيق مبادئه في الواقع، فإن كثيراً من مشاريع البستنة المستقلة، أو المكملة لمشاريع أخرى تعاني من خلل في التصميم، ومتطلبات الإنشاء وملاءمة الاستخدام، تجعلها تفقد قيمتها، ولا تحقق أهدافها.

يبدأ الاهتمام بتنسيق المواقع في مشاريع الهيئة بالعناية المكثفة في مرحلة التصميم، ويتواصل في مراحل التنفيذ والإنشاء وما بعدها، من خلال متابعة متطلبات التشغيل والصيانة، وفي أغلب مشاريع الهيئة يمثل تنسيق المواقع مطلباً ضرورياً تدمج فيه عدد من الاستعمالات، ويشرك في الإفادة منه أكثر من قطاع وجهة في المدينة، أو موقع المشروع.

وتظهر بعض ملامح منهجية الهيئة في هذا المجال في مشاريع تطويريه قامت بها الهيئة كمنطقة (قصر الحكم، وحي السفارات، ومركز الملك عبدالعزيز التاريخي، والمجمع السكني لموظفي وزارة الخارجية، وطريق الملك فهد).

البستنة أو تنسيق المواقع يقصد بها جملة الإجراءات التي تتخذ في موقع محدد لتكسب عناصره الطبيعية والبيئية ملامح ثابتة، تؤهل الموقع لتفعيل الأهداف، التي من أجلها نفذت الإجراءات.

فالفناء المحيط بالمنزل على سبيل المثال، تسوى أرضه، ويرصف بعضها، وتغرس فيها بعض الأشجار والشجيرات، ليكون جزءاً مكملا لجمال البيئة البصرية للمنزل، ومكاناً آمناً للعب الأولاد، واستجمام العائلة. وقد يظن أن أعمال البستنة وتنسيق المواقع إنما تكون لأهداف جمالية فقط، وليست كذلك، فالجانب الجمالي قد يكون هدفاً أساسياً، أو وحيداً في بعض المواقع، إلا أنه في الغالب يخدم أهدافاً متعددة، قد تصل في كثرتها، وتنوع وظائفها لتتجاوز وظائف المنشآت الوظيفية أحيانا، وبعض المشاريع العمرانية الضرورية لا تعدو كونها تنسيق مواقع كالحدائق، والساحات العامة، والطرق، وممرات المشاة.

اختزال وظائف البستنة في النواحي الجمالية، دون ربطها بوظائف أخرى أدى في كثير من الأحيان إلى جعلها خطوة ثانوية، لا تلقى العناية الكافية، وبالتالي لا تحقق الكثير من الفوائد، وبمرور الوقت تفقد حتى قيمتها الجمالية، وقد تتحول إلى وضع سلبي يحتاج إلى معالجة كاملة. فكثير من الفراغات، والأفنية، والأماكن المفتوحة تتلف عناصرها الجمالية بمرور الوقت، وتتراكم فيها النفايات، وتسيطر عليها السيارات كمواقف أو حتى طرقات، وغالبا ما تفقد غطاءها النباتي، وتتلف تكويناتها المائية ونوافيرها، التي – بتلف توصيلاتها، وأنظمة تغذيتها – تفقد مياهها، وتتعطل إضاءتها، وهكذا تتشوه البيئة البصرية للموقع، وتتعذر الإفادة منها.

الإخفاقات التي تعاني منها كثير من مشاريع البستنة وتنسيق المواقع ترجع إلى جملة من الأسباب، أهمها:

  • اعتبار مشاريع البستنة خطوة تكميلية لما تحيط به، أو يحيط بها من منشآت وظيفية، أو مرافق عامة، وهذا يؤدي إلى قصر وظائفها على الجوانب الكمالية، وبالتالي التساهل في تصميمها، والتقشف في الإنفاق عليها، وتجهيزها، فلا يتحقق المرجو منها، وتفشل حتى في أداء وظائفها المتواضعة.

في بعض الأحيان تستفحل الإشكالات الناتجة عن هذه النظرة، عندما يكون للموقع من الخصائص التي تؤثر بشكل بالغ حتى في تصميم منشاته الوظيفية معماريا، وتخطيطها عمرانيا، فعند إنشاء حي سكني في موقع تتخلله الأودية يفترض أن تكون طبيعة الموقع محددة لنمط الحي العمراني التخطيطي، وتصميم منشأته، كما ينبغي أن تولى الأودية عناية قصوى في تنسيقها وتجهيزها، واعتبار طوبوغرافيتها في إنشاء مساكن الحي، أما تجاوز هذه المعطيات، والاقتصار على جماليات شكلية قد يعود بكوارث مستقبلية على الحي، في مواسم الأمطار والسيول، وفي مواسم الجفاف تتحول إلى مقالب للنفايات، ومصادر لكل أنواع التلوث.

  • تجاهل ظروف المكان وبيئته في تنسيق الموقع، وتجهيزه كمحاولة فرض كثافة عالية من الخضرة في البيئات الصحراوية، أو استخدام أنواع غير مواتية من النباتات لظروف الموقع المناخية، أو استخدام مواد إنشائية جمالية لا تمتاز بالكفاءة في البيئات الخارجية، كاستخدام كراسي وطاولات الجلوس المصممة للأماكن المغلقة في الأماكن المفتوحة، وظروف المكان لا تقتصر على الجوانب المناخية الطبيعية، بل قد تتعداها إلى الجوانب المدنية، مثل: كثافة الحركة المرورية، أو حركة المشاة، التي لا تتناسب مع الأرضيات العشبية، وكثافة الشجيرات، أو إطلاق بعض مظاهر الحياة الفطرية.

إن تجاهل طبيعة المكان غالباً ما يؤدي إلى عدم كفاءة تجهيزات تنسيق الموقع، وذلك يؤدي غالبا إلى تلفها خلال وقت قصير نسبياً، أو استنزاف موارد كبيرة لصيانتها وإدامتها.

  • التركيز على التجهيز والتأسيس دون حساب متطلبات التشغيل والصيانة، فكثير من المواقع المنسقة – وفق رؤية جيدة، وتجهيزات اعتبرت فيها ظروف المكان، وطبيعة الاستخدام – تجد أنها تفقد وظيفتها، وتعتريها مظاهر التلف نظراً لإهمال متطلبات التشغيل، والصيانة. فاحتياجات الصيانة والتشغيل للأماكن المفتوحة والعامة، أكثر من احتياجات الأماكن المغلقة في بعض الظروف، خصوصا بالنظر إلى طبيعة المستخدمين، فالشعور بالمسؤولية، وحسن الاستخدام لدى الجمهور العام أقل منه لدى الجمهور الخاص بمنشأة معينة، لذلك تعانى الحدائق والأماكن العامة من إشكالات النظافة بشكل دائم، حتى مع وجود تجهيزاتها الكافية، ما يستدعي وضع التدابير والاحتياجات التشغيلية اللازمة.

إن متطلبات التشغيل والصيانة ينبغي أن يؤخذ بها أثناء التصميم، فاستخدام التجهيزات المعمرة سهلة التشغيل والصيانة، قد يزيد في بعض الأحيان من تكاليف الإنشاء، لكنه يخفض تكاليف التشغيل والصيانة، التي قد تتجاوز مع المدى البعيد تكاليف التأسيس والإنشاء.

العوامل المؤثرة في تنسيق المواقع

نجاح تنسيق المواقع، وتحقيقها للأهداف المرجوة منها يشكل نتيجة كلية للمعالجات الذكية للعوامل المؤثرة في الموقع المراد تنسيقه، هذه العوامل المؤثرة في تنسيق الموقع تختلف من موقع لآخر، وتشكل لكل واحد منها حالة خاصة، لكنها في الغالب تندرج ضمن ثلاثة عوامل أساسية، وهي:

  • خصائص الموقع

الإحاطة الجيدة بالخصائص التفصيلية للموقع، وظروفه الراهنة مقدمة مهمة لنجاح ما يتبعها من خطوات. وليس المقصود مجرد الإحاطة المفصلة بخصائص الموقع، فعمليةالتنسيق تهدف في الأساس إلى تغيير هذه الخصائص بشكل أو بآخر, وإنما المقصود فرز الإجراءات الممكنة لتنسيق الموقع بحسب ملاءمتها لخصائصه، وهو ما يؤدي إلى ترشيح قائمة بالأعمال والإجراءات التي تلائم موقعاً بعينه.

ومدى ملاءمة الإجراء لخصائص الموقع تعني بالدرجة الأولى جودة التصميم، والتناسق البصري، والعمر الافتراضي الطويل نسبيا، وعدم الإضرار بالجوانب الإيجابية في الموقع.

نماذج من إجراءات التنسيق غير المناسبة نماذج من إجراءات التنسيق المفضلة خصائص الموقع
بساط من الحشائش،اضاءة، تكوينات مائية، جلسات مظللة من القماش والأخشاب. طرق ممهدة، أشجار معمرة لا تحتاج إلى المياه بكثرة، تكوينات صخرية، جلسات مظللة من الإسمنت والأحجار. موقع صحراوي، بعيد عن خطوط المرافق العامة، يخلو من إجراءات الحماية، ويخلو من الصيانة الدورية.
نوافير كبيرة، وهدارات مياه. بساط أعشاب، نخيل، تكوينات مائية صغيرة. حديقة منزل واسعة، فيها مسبح.
أشجار كبيرة، تكوينات مائية، بساط حشائش. أشجار متسلقة،اضاءةجمالية، أحواض ورود معلقة، نباتات ظل في أحواض. حديقة منزل خلفية لا يزيد عمقها عن مترين (ارتداد).
  • الأهداف والاستعمال

الاستعمال القائم في المواقع العامة والاستعمالات المستهدفة بعد التنسيق خصوصا – إذا كان الاستعمال سيختلف – تؤثر في عملية التنسيق، فسلوك الجمهور العام – في الجملة – تتعذر السيطرة عليه بشكل مطلق، ويحتاج توجيهه نحو سلوك معين، واستخدام محدد جملة من الإجراءات، ويأتي قدر كبير من فشل تنسيق بعض المواقع في ملاءمتها للاستخدام المخطط لها، من عدم كفاية الإجراءات لتيسير هذا الاستخدام، وغالبا ما يؤدي عدم ملاءمة التنسيق للاستخدام إلى تلف عناصر التنسيق، وتدهور الموقع بشكل عام.

نماذج من إجراءات التنسيق غير المناسبة نماذج من إجراءات التنسيق المناسبة الاستعمال العام
أرضيات عشبية، حشائش وشجيرات كثيفة، تكوينات مائية. ألعاب حركية للأطفال، أرضيات رملية، مواقع متوسطة يمكن مراقبتها. ملاعب الأطفال.
تكوينات صخرية، أعشاب طويلة، وشجيرات، نوافير كبيرة رصف بالأحجار المنبسطة الملائمة لكل الأحذية، والعربات، إضاءات منوعة. ممرات المشاة
تكوينات مائية وإنشائية مسيطرة على معظم الفراغ، تشجير كثيف. أرضيات مرصوفة واضحة المعالم، مناطق مفتوحة كبيرة متصلة، إضاءة شاملة. ساحات احتفالات وميادين عامة
  • الإمكانات والاحتياجات

تظل القدرات والإمكانات المحدد الأساسي لتنسيق الموقع، ولا يقتصر الأمر على متطلبات الإنشاء والتأسيس، وإنما يفترض اعتبار متطلبات التشغيل والصيانة، وهى عوامل تتأثر بشكل بالغ بطبيعة الاستخدام، وطبيعة الموقع، ومستوى التجهيزات والتنسيق المراد، فكثافة التجهيزات وحساسيتها لطبيعة الموقع تزيد من كلفة الإنشاء والتأسيس، وتزيد بشكل بالغ من تكاليف التشغيل والصيانة.

بعض المواقع المنسقة القائمة على أهداف تجارية، أو اقتصادية تشكل مبررا لزيادة تكاليف الإنشاء، والتشغيل والصيانة، فلكي يكتسب الموقع قيمة اقتصادية على مستوى الجمهور يجب أن يتمتع بخصائص ذات قدرة جذب عالية، وتحقق للجمهور فوائد متنوعة تبرر إنفاقهم مقابل هذه الخدمات. فالتشجير الكثيف، والمسطحات المائية الواسعة، والتكوينات الجمالية ذات الطبيعة المتغيرة تشكل مطلباً ملحا للمجتمعات القاطنة في مناطق صحراوية البيئة، أو يغلب عليها العمران الكثيف، وتكتسب هذه الحاجة قيمة اقتصادية تقام على أساسها هذه التجهيزات المكلفة في الإنشاء، حيث تكون مغايرة تماماً للبيئة الأساسية، تتيح التحكم ليس في شكل المكان وعناصره، وإنما تصل للتحكم في أجوائه المناخية، مثل: توفير البيئة الجليدية في المناطق الصحراوية، والبيئة الاستوائية الدافئة في المناطق الجافة الباردة.

تنسيق المواقع في مشاريع الهيئة

تولي الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض مشاريع تنسيق المواقع عناية متواصلة، وذلك على مستوى التخطيط الاستراتيجي، وعلى مستوى المشاريع الإنشائية، ومشاريع تنسيق المواقع المفتوحة، ومشاريع التنسيق التابعة لمشاريع تطويرية وظيفية أخرى.

فعلى مستوى التخطيط الاستراتيجي شكلت المناطق المفتوحة أحد ستة عشر عنصرا للمخطط الهيكلي للمدينة، وحددت مستويات متعددة من المناطق المفتوحة من حيث التجهيز والاستخدام، بدءاً من حدائق الأحياء الصغيرة إلى الحدائق الكبرى، وانتهاء بالمتنزهات، والمحميات البيئية، حيث تنطلق العناية بتنسيق مواقع المناطق المفتوحة من أهميتها الاجتماعية والثقافية للمدينة وسكانها، ومن حيث كونها رافدا مستقبليا من روافد المدينة الاقتصادية، ومصدراً لترشيد موارد المياه المصروفة، والمعاد استعمالها.

كما قدمت الهيئة نماذج متعددة من تنسيق المواقع في مجال الميادين والساحات العامة والحدائق، والتخطيط الحضري لمواقع وأحياء كاملة في وسط المدينة وأطرافها٠ واعتبرت أيضاً تنسيق المواقع جانبا أساسياً في مشاريع وظيفية وخدمية أخرى، مثل: طريق الملك فهد، ومركز الملك عبدالعزيز التاريخي، وحي المجمع السكني لموظفي وزارة الخارجية، ومنشآت المؤسسات الحكومية، والوطنية، والعامة التي قامت الهيئة على تصميمها وإنشائها٠ وعلى الرغم من التفاوت في مستويات تنسيق المواقع في مشاريع الهيئة، واختلاف استعمالاتها فإنه بالإمكان تلمس جوانب منهجية ثابتة في كل هذه المشاريع، أكسبتها القبول، وحسن الاستغلال من قبل الجمهور، والإشادة والتقدير من المؤسسات والمنظمات العالمية المعنية، وتكمن أبرز جوانب هذه المنهجية في التالي:

  • الاستعمال المتعدد، ودمج الأهداف، فقد حرصت الهيئة في تنسيق المواقع على استيعاب أكبر قدر ممكن من الوظائف المتكاملة، بحسب طبيعة المشروع، وموقعه، والاحتياجات الحضرية فيه، وحاجة النسيج العمراني الكثيف للمناطق المفتوحة الخضراء، وحاجة كثافة الحركة المرورية للمزيد من المواقف، وطورت أنماطا جديدة من مواقف السيارات، التي تقدم فدراً مهماً من الرقعة الخضراء في المدينة، ومثل ذلك في الجمع بين حاجة المنشآت العامة للمؤسسات الخدمية للحرم الخاص، وحاجة الأحياء المحيطة للمناطق المفتوحة، وممرات المشاة، كما في ميدان دخنة، وساحة المحكمة العامة بالرياض. ويتجاوز دمج الوظائف إلى مستوى تنسيق الأهداف الاقتصادية مع الأهداف البيئية، والأهداف الحضرية، بحيث يخدم الموقع كل هذه المطالب، من خلال ما يقدم من مساحات مفتوحة للسكان، وكونه مصدراً للدخل والنمو الاقتصادي السياحي، وآلية جديدة لزيادة مصادر المياه وترشيدها.

  • تفاوت مستويات تجهيز المواقع باعتبار ما سبق ذكره من اعتبار الاحتياجات المناسبة للعوامل الثلاثة المؤثرة في تنسيق المواقع، فلم تتجاوز أعمال التنسيق في بعض المواقع أكثر من تمهيد الممرات، وإزالة النفايات، وإيقاف مصادر الملوثات، في حين يصل تجهيز بعض المواقع إلى حد توفير أجواء مناخية مختلفة عن مناخ المنطقة.

هذا التنوع في مستويات وتجهيز المواقع المنسقة – إضافة إلى حسناته في مجال تنوع الاستعمال، وترشيد الموارد – يضفي على المدينة تنوعا في البيئة البصرية، يسهم في الحد من مظاهر المنشآت العمرانية الرتيبة.

  • ترشيد الموارد، وتوظيف غير المستخدم منها، والتكامل فيما بين المشاريع، من خلال توظيف مصادر المياه المعالجة الناجمة عن المياه السطحية، ومياه الصرف الصحي المعالجة في ري المسطحات الخضراء للمناطق المفتوحة، أو استخدام عناصر تنسيق المواقع البيئية المفتوحة في إنتاج المياه، مثل: نظام معالجة المياه في وادي حنيفة، فآليته المعتمدة على توظيف الكائنات الدقيقة في معالجة المياه، والحاجة إلى زيادة نسبة الأوكسجين فيها من خلال الهدارات المائية (شلالات صناعية مصغرة، تحدث تيارات مائية) تجعل من تصميم القنوات، والنطاق المحيط أشبه بحدائق طبيعية، ومتنزهات عامة.
  • اعتبار متطلبات التشغيل والصيانة في المراحل الأولية من التصميم، فظروف المناخ الصحراوي الجاف الذي يسود المدينة، وصعوبة إدامة المسطحات الخضراء، والتكوينات المائية، إضافة إلى طبيعة الاستخدام العام للجمهور، جعل الهيئة تعتمد مواصفات عالية في تجهيز المواقع، كما تتولى بشكل مباشر تشغيل هذه المواقع والوفاء باحتياجاتها التشغيلية، لتكونمهيئةعلى الدوام للقيام بوظائفها، وخدمة جمهورها.

حي السفارات

يشتمل حي السفارات على أنواع متعددة من تنسيق المواقع، فتنسيق المواقع حول قصر طويق يبدو من خارجه أشبه ببيئة صحراوية لم تمسها يد إنسان، ولم تعتني بها، ومن داخله تظهر للعيان حدائق غناء ، يصعب تصور وجودها في مثل هذه البيئة. عدد من الاعتبارات – إضافة إلى العوامل الأساسية السابقة- أسهمت في تنوع تنسيق مواقع الحي، وفي مقدمتها طبيعة الاتصال بين الحي والجوار المحيط به، إضافة إلى تنوع الاستعمالات داخل الحى، من مؤسسات دولية، ومنظمات منوعة، إلى مساكن، ومرافق خدمية استدعت أنماطا متعددة من التنسيق. تكفل لهذه المنشآت ما تحتاج إليه من فراغ محيط، أو مناطق عازلة، تمنع تداخل الاستعمالات الوظيفية المتناقضة، بين ما يحتاجه السكان من سكون وهدوء، وما تحتاجه المرافق العامة من استيعاب للحركة النشطة والكثافة العالية. تندرج أنماط تنسيق مواقع (حي السفارات) ضمن ثلاثة أنواع أساسية:

فهناك التنسيق الصحراوي، الذى يمتاز في مجمله بطبيعة شبه صحراوية، تتنوع فيها طبوغرافية الأرض، وتنتشر فيها الأشجار، والشجيرات الملائمة للبيئة الصحراوية، وتخترقها الممرات الممهدة، إضافة إلى بعض المقاعد المبثوثة للاستراحة على طول الممرات، ويمتاز هذا النمط من التنسيق بكون الحاجة للصيانة والتشغيل فيه محدودة، وهذا أشبه بنظام بيئي متكامل الدورة (echo system)، فما تحتاجه عناصره الطبيعية من مياه ومغذيات تحصل عليها مباشرة من البيئة، ضمن قدراتها الصحراوية دون حاجة للتدخل البشري.

يخدم هذا النمط من التنسيق الصحراوي طبيعة الاتصال بين حي السفارات والجوار المحيط به، والمتكون من وادى حنيفة الذى يعد محمية طبيعية تمتاز بهيئتها البرية، فكان من الضروري أن يشكل تنسيق المواقع في الحي اتصالاً منسجماً لهذه البيئة البرية، ومنطقة انتقال بينها وبين المناطق الخضراء الكثيفة في الحي، ومنشأته الحضرية.

والعنصر الآخر المجاور للحي يتمثل في طريق جدة السريع، الذى يطوق الحى من الجهة الشرقية والغربية، ونظرا لحاجة الحي إلى العزلة عن مظاهر الصخب، والحركة المرورية السريعة في الطريق، وما ينتج عنها من ملوثات متعددة، فقد شكل تنسيق مواقع الحي المجاور للطريق جدارا طبيعيا عبر سلسلة من التلال الاصطناعية المكونة من حفر مواقع منشآت الحى، والمكسوة ببيئة نباتية صحراوية، تتخللها الممرات الممهدة، وتنتشر فيها أماكن الجلوس. هذا السوار من التنسيق شبه الصحراوي الذى يحيط بالحي يحدد معالم الحي، ويميز شخصيته الحضرية، ويوفر منطقة اتصال متوسطة بين الجوار المحيط بالحي، والطبيعة العمرانية والمعمارية للحى، فضلا عمايتيحهمن مساحات شاسعة للتنزه الخلوي، وممارسة الرياضة، كل هذه الخدمات تتوافر ضمن الحدود الدنيا لمتطلبات التشغيل والصيانة.

النمط الثاني من تنسيق المواقع في حي السفارات يتمثل في الحدائق المختلفة الأحجام التي تمتاز بكثافة التشجير، وتكامل الخدمات والمرافق: من دورات، وجلسات، وإضاءة متعددة الأنماط، وهى في مجملها تشكل جزءاً أساسياً من رصيد مدينة الرياض من الحدائق والمسطحات الخضراء، كما تشكل مطلباً لاحتياجات النسيج العمراني السكاني في الحي، الذي يوفر لسكان الحى ما يحتاجونه من بيئة اجتماعية، ويضمن استمرارية مظاهر الحياة الاجتماعية في الحى، بعد انتهاء أوقات العمل في المنظمات التي يعج بها.

النمط الثالث من تنسيق المواقع يظهر بين المنشآت الوظيفية من منظمات، ومرافق، وطرق وممرات. تمتاز هذه المواقع بكفاءة التجهيزات التي تتناسب مع المستوى العمراني للحي ومنشأته، وتغلب عليها الساحات والميادين المفتوحة، وممرات المشاة، المستقلة تماماً عن حركة المشاة، إضافة إلى أحواض التشجير، والتكوينات المائية، التي اعتبر فيها عدم سيطرتها على الفراغ العام، بما يجعل الساحات مناسبة لأنماط متعددة من الفعاليات كالاحتفالات، والمهرجانات، والأسواق. وتمتاز جميع الطرق في الحي – الرئيسة منها والفرعية – بمستوى عال من التجهيز من حيث التشجير الكثيف المتنوع الذى يكاد يعزل ضوضاء السيارات عن المنشآت القائمة على جانبي الطرق، فضلا عن ممرات المشاة المتصلة، ويشكل النخيل العنصر الأبرز في تشجير الحي، نظراً لملاءمته العالية للبيئة، ومناسبته للطرق والممرات من حيث الرؤية، ومحدودية المساحة المستهلكة، فضلا عن كونه من صميم القيمة التراثية الثقافية التي تظهر في كل منشآت الحي ومرافقه. هذا التباين الكبير بين أنواع التنسيق في الحي يعكس بجلاء تباين الوظائف، والاقتصاد في الموارد، إضافة إلى التكامل بين هذه الأنواع، وتجانس البيئة البصرية العامة للحي.

ميادين منطقة قصر الحكم

من الهدوء والسكون والشعور بخصوصية حديقة المنزل إلى الأجواء الاحتفالية بأجوائها الهادرة يتراوح طيف الاستعمالات الممكنة في ميادين منطقة (قصر الحكم).

تتكون ميادين (قصر الحكم) من خمس ساحات: ميدان العدل، وساحة الصفاة، وساحة العدل، وساحة المصمك، وممر دخنة (الواقع بين جامع الإمام تركي، ومركزالمعيقليةالتجاري) جميعها جرى تنسيقها وفق منهج واحد، يقوم على توفير أكبر قدر ممكن من المساحات المفتوحة المتصلةالمهيئةلضروب شتى من الأنشطة والفعاليات، مع بعض السمات الخاصة بكل مساحة، تكسبها نوعا من الخصوصية والأفضلية لاستخدام معين، وتكسب جميع الميادين أجواء من التنوع، حيث يمتاز ميدان العدل – وهو أكبرها – بالنوافير السطحية في جهته الغربية، وتمتاز ساحة الصفاة بنخيلها الموزع بانتظام، وخصوصية نظام إنارتها، وتمتاز ساحة العدل بنافورتها ومجرى المياه ومصفوفات الأشجار على طرفها، ونظام إنارتها المرتفع على أبراج كبيرة، أما ساحة المصمك فتجمع أرضيتها بين التكوينات الترابية الطبيعية، التي تشكل امتداداً للجوار المحيط بقلعة المصمك، وبين الأرضيات المرصوفة التي تصلها بميدان العدل، وشارعالثميري، ولا يختلف ممر (دخنة) في تنسيقه عن بقية الساحات باستثناء طبيعة شكله المستطيل، وانتشار أحواض الأشجار على جانبيه.

تصميم ميادين منطقة (قصر الحكم) جاء استجابة لطبيعة الموقع الذي تحيط به المراكز التجارية، والأسواق من جميع الجهات، وحركة المشاة النشطة، وازدهار الأنشطة التجارية، وكثافة الحركة المرورية، وطبيعة المنشآت الوطنية القائمة وأهمها (قصر الحكم، وقلعة المصمك)، فضلاً عن (مقر الإمارة، والشرطة، والأمانة)، هذه الخصائص تجعل الموقع مكتظاً بحركة المشاة، وفي نفس الوقت تعانى من غياب النشاط الإنساني خارج أوقات العمل، من جهة أخرى يأتي برنامج تطوير منطقة (قصر الحكم) لتطوير منطقة وسط المدينة حضاريا، وثقافياً واجتماعياً، وتفعيل المؤسسات التراثية الوطنية القائمة فيه.

ضمن هذه الخصائص والوظائف تبلورت ملامح ميادين (قصر الحكم) ، فجاءت قادرة على استيعاب أعداد كبيرة من الناس في وقت واحد، ولديها القدرة على توفير أجواء الأمن والسكينة والخصوصية للمرتادين، ولديها القدرة على استيعاب المتطلبات الاحتفالية والمناسبات الكبرى، وجاءت أيضاً كهمزة وصل بين جميع الأسواق، والمؤسسات الموجودة في المنطقة، من خلال شبكة متصلة من المداخل والمرات، لذلك رصفت جميع أرضيات الميادين، واتصلت ببعضها بما يسمح بحركة المشاة، ومن ضمنهم ذوي الاحتياجات الخاصة: كالأطفال والمعاقين، وزودت باللوحات الإرشادية، والمرافق الخدمية، والإضاءة، وتوزعت الأشجار والتكوينات الجمالية على أطرافها لإتاحة المجال لإقامة المناسبات الكبرى، والمهرجانات.

إن مثل هذه الخصائص والأهداف، والاستعمالات المتوقعة تجعل من غير المناسب التوسع في استخدام المسطحات الخضراء، والتشجير الكثيف، واختلاف المناسيب وطبوغرافية المكان، لتعذر المحافظة على جودتها مع الاستعمال الجماهيري الكثيف، وعدم ملاءمتها للاستعمالات المنشودة,

طريق الملك فهد

عند تصميم طريق الملك فهد وضعت عدة أهداف، ينبغي أن يحققها الطريق، فعلى الرغم من أن الوظيفة الأساسية للمشروع تمثلت في نقل الحركة العابرة بعيداً عن الحركة المحلية بطاقة استيعابية تصل إلى (160,000) سيارة يومياً، إلا أن اشتراطات أخرى شكلت في جملتها هدفا مهما آخر للطريق.

من هذه الأهداف ربط النسيج العمراني لشرق المدينة بغربها، وعدم إحداث عناصر فاصلة بينهما كالجسور، اشتراط آخر تمثل في السيطرة على الملوثات المنبعثة من حركة السيارات الكثيفة، لذلك كان الخيار المفضل خفض الطريق بدلاً من رفعه، لكن خفض الطريق تحت الأرض سيعرضه لمشكلة المياه الأرضية، التي بمرور الوقت ستدمر منشأته، فعمد إلى إنشاء نظام خاص تحت خندق الطريق مكون من ألف بئر سطحية للتخلص من المياه الأرضية، ومعالجتها والاستفادة من مياهها المعالجة في ري المسطحات الخضراء والحدائق، وهذا النظام يغذي مسطحات مركز الملك عبدالعزيز التاريخي الذي تزيد مساحته على (350,000 م2) ومتنزه سلام الذي تصل مساحته إلى (250,000 م2) وبحيرته التي تحوي ما يزيد عن (40,000 م2) من المياه، إضافة إلى ري المسطحات الخضراء في الطريق نفسه، والمكونة من ثمان حدائق، وأكتاف مشجرة على طول خطوط طريق الخدمة الجانبية للطريق، وتقاطعاته، تحفل بقدر كبير من تنسيق المواقع، وأنماط البستنة، هذا التنسيق يوفر للعمران المحيط بالطريق من جهتيه بيئة مفتوحة هادئة، خالية من الملوثات – نسبياً – مزودة بمرافق المشاة، ومستلزمات الإدارة المرورية الحديثة، وهي توفر نوعا من العزل بين بيئة الاستعمال المختلط لهذا النسيج العمراني المحيط بالطريق، وبين بيئة الحركة المرورية الكثيفة العابرة، تسمح بازدهار الأنشطة المستعملة على جانبي الطريق.

وفي المستقبل القريب سيشهد طريق الأمير عبدالله – الذي سيتحول إلى طريق سريع يفصل الحركة المرورية العابرة عن المحلية – تطبيقا لبعض الجوانب التي أثبتت جدواها في طريق الملك فهد، على مدى السنوات الماضية.

المحكمة العامة وميدان دخنة

في منشآت المؤسسات الخدمية العامة كالوزارات والإدارات العامة تسيطر مباني المؤسسة على معظم أراضي المشروع، وما يتبقى منها يخصص مواقف للسيارات، ويضرب حولها سور يعزلها عن الجوار المحيط، ويمنع الاتصال العمراني والوظيفي بين منشآت المؤسسة، والجوار العمراني المحيط مهما كانت حاجته.

مشروع مقر المحكمة العامة بالرياض — الذي قامت على تصميمه وإنشائه الهيئة العليا – تنعكس الصورة فيه تماما، فمبنى المحكمة ينزوي على حافة أرض المشروع، مقترباً من الطريق العام، باسقا في عنان السماء، تاركاً معظم الأرض فراغاً لاستخدام الأحياء المجاورة، وهو بدون أسوار، أما مواقف السيارات فيختفي معظمها تحت أرض المشروع، هذا المشروع يظهر مدى الفائدة المتحصلة من إيلاء العناية الكافية لتنسيق المواقع بالقدر الذي تحظى به بقية عناصر المشروع الوظيفية، وتنوع الفوائد التي يمكن تحصيلها، دون الإضرار بوظيفة المنشأة الأساسية.

وقد روعي في تصميم ساحة المحكمة (التي تقع جنوب مبنى المحكمة) ، وتسيطر على معظم الفراغ أن تستوعب الاستخدام الكثيف من الجمهور، نظراً للكثافة السكانية في الموقع، وتعدد الاستعمالات في المنطقة، فغلبت المناطق المرصوفة على معظم المساحات، وانتشرت الأشجار الكبيرة التي توفر الظلال، ولا تستهلك مساحات كبيرة، فضلاً عن أماكن الجلوس المظللة، والأحواض المرتفعة نسبيا، لصيانة النباتات والشجيرات الحساسة لسوء الاستعمال.

حاليا يجرى تطوير الجهة الشمالية للمحكمة، وربطها عبر شارع طارق بن زياد بالساحات المحيطة بجامع الشيخ محمد بن إبراهيم، وربطها أيضاً بأعمال التنسيق القائمة في سوق الزل. ويستمر اتصالها أيضاً بساحات منطقة (قصر الحكم) ، حيث ستشكل محورا يمتد من جنوب المدينة لشمالها، في منطقة وسط المدينة، تتجانس فيه الساحات والممرات، التي ستوفر بيئة مواتية للمشاة، والجمع بين الاستجمام، والتنزه، والتسوق في منطقة وسط المدينة.