المحكمة الجزائية.. صرح معماري سامق في سماء وسط المدينة

تقرر إنشاء المقر الجديد للمحكمة الجزائية بمنطقة الرياض، في وسط المدينة، على أرض تطل على شارعي آل فريان، وسلام، وعلى مقربة من مقر المحكمة العامة بالرياض، وقد أنهت الهيئة تحكيم المسابقة الدولية لتصميم مبنى المحكمة، ويأتي عرض نتائج المسابقة في معرض جهود الهيئة الثقافية، لزيادة الوعي المعماري، والثقافة المعمارية لدى الجمهور.

اعتبرت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض مشروع المقر الجديد للمحكمة الجزائية بمنطقة الرياض فرصة مواتية لإضافة صرح حضاري، يشكل إضافة مميزة لأعمال التطوير المتواصلة في منطقة وسط المدينة.

تأتي أهمية المشروع من الطبيعة الوظيفية للمبنى، والمكان الذي سيقام فيه، فالمبنى سيكون مقرا لمؤسسة قضائية تمتاز بالهيبة والوقار، وأنواع مختلفة من الحركة الكثيفة داخل المبنى، والجوار المحيط به. والمبنى – أيضاً -ضمن نطاق المشاريع التطويرية الكبرى، التي أقيمت في وسط المدينة (قصر الحكم، وميادينه، والمحكمة الكبرى، ومتنزه سلام، ومسجد الشيخ محمد بن إبراهيم) ، ولابد أن يتناسب مع مستواها العمراني الحضري، وأن يتجانس مع هويتها المعمارية ويتكامل مع نظام تخطيطها الحضري.

من أجل هذه الاعتبارات سعت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض لعقد مسابقة دولية لتصميم المحكمة، دعيت لها بيوت الخبرة المتخصصة من المكاتب المحلية والعربية والإسلامية والعالمية؛ لحشد أفضل الممكن من الإبداع التصميمي لمبنى المحكمة وموقعها.

التصميم الحائز على المركز الأول حقق جانبا كبيرا من المتطلبات الوظيفية والحضرية للمبنى، إلا أن فكرته الأولية ما زالت في حاجة لمزيد من التطوير والتعديل؛ لاستيفاء أكبر قدر ممكن من الاعتبارات التصميمية، ليكون المبنى عند إنشائه محققا للمؤمل منه وظيفيا وحضريا، ويكون صرحا معماريا في سماء الرياض، ومعبرا عن القيمة الرفيعة للقضاء.

أسند للهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض القيام على تصميم مقر المحكمة الجزائية في الرياض، وإنشائه، انطلاقا من دور الهيئة في القيام بتنفيذ المشاريع الحضرية والمعمارية الكبرى، ذات الأهمية الحضرية على مستوى المدينة، وقد سبق للهيئة أن تولت القيام على تصميم مقر المحكمة الكبرى، وإنشائه.

تقع أرض المحكمة الجزائية المزمع إنشاؤها في منطقة الديرة، وسط مدينة الرياض، ضمن المجال التطويري لوسط المدينة، الذي تتولى الهيئة – إضافة إلى تخطيطه حضرياً – الإشراف على تنفيذ مشاريعه الأساسية.

تبلغ مساحة الأرض (11,250م2) تقع إلى الجنوب الغربي من مقر المحكمة الكبرى، يحد أرضها شرقاً شارع آل فريان، وغرباً شارع سلام.

يتكون مشروع مقر المحكمة الجزائية من: رئاسة المحكمة، والأمانة العامة، وخمس قاعات محاكمة مع ملاحقها ومرافقها، وأربعين مجلسا قضائيا مع خدماتها، بالإضافة إلى مكتب التسجيل، والمكتبة، وإدارة المبنى، ومقر شرطة المحكمة، والحجز المؤقت، والخدمات الخارجية.

الخصائص المعمارية للمبنى

مباني المحاكم من المنشآت المعمارية ذات الوظائف المعقدة التي تتعامل مع فئات مختلفة من المراجعين المتعددة، إذ غالبا ما تزدحم المحاكم بالمراجعين والزوار. كما تفرض متطلبات الحركة داخل مبنى المحكمة قدراً كبيراً من التحديات التي ينبغي للتصميم المعماري للمبنى أنيواجههاباقتدار وكفاءة.

فهناك أنماط مختلفة من المستفيدين، أو الذينيحويهمالمبنى لفترات مؤقتة، أو دائمة: من قضاة وإداريين وقوات أمن، ومن متهمين وشهود، وجمهور غفير من متابعي المعاملات الإجرائية. وإدارة مثل هذه الحركة يتطلب مستويات مختلفة من الأمن والسرية والخصوصية لبعض فئات العاملين والمراجعين للمحكمة.

من جانب آخر يمكن أن تشكل مباني المحاكم قيمة معمارية إضافية لمعمار المدينة، وتكون أحد معالم المدينة، بالنظر إلى قيمتها المعنوية الممثلة، وباعتبارها مؤسسة كبرى تعكس فكر المجتمع وثقافته تجاه أهم القضايا المصيرية التي تحكم حياتهم.

وقد اعتبرت الهيئة مشروع مبنى المحكمة الجزائية فرصة معمارية مميزة للإبداع والإسهام التجديدي في الفكر المعماري والعمراني، حيث نجحت مدينة الرياض – في السنوات الأخيرة – في تقديم نماذج معمارية، وتخطيطية عمرانية، أثرت التجربة الحضارية لمدينة الرياض، وكان لها دور كبير في الارتقاء بعمران المدينة، ومن ثم الارتقاء بالأداء الحضاري لمكان المدينة عامة.

تزداد أهمية المشروع المعمارية بالنظر إلى موقعه ضمن النطاق التنفيذي لتطوير وسط مدينة الرياض، إذ ينبغي أن يشكل المبنى درة تضاف إلى عقد مشاريع وسط المدينة السابقة، تنسجم مع نمطها المعماري، وفكرها التجديدي، وتواكب مستوى جودتها وكفاءة منشآتها.

ولتحقيق هذه الغاية في تصميم المحكمة؛ عمدت الهيئة إلى إجراء مسابقة دولية لتصميم المحكمة، دعي لها أشهر بيوت الخبرة المعمارية الملائمة لهذا النمط من المباني، من أوروبا وأمريكا والعالم الإسلامي والعربي، إضافة إلى المكاتب المعمارية المحلية، وذلك لتحقيق ما ينبغي أن يكون عليه المبنى من ثراء معماري، وجودة وظيفية، تؤهله لأن يكون أحد معالم مدينة الرياض.

الطبيعة الدولية للمسابقة تطلبت توضيحاً شاملاً ومفيداً للمتسابقين، لذلك أعدت الهيئة مرجعا تصميميا وأمنيا عن: القضاء في المملكة، وطبيعته التشريعية، والاعتبارات الحضرية لمدينة الرياض، والمتطلبات المعمارية والعمرانية الخاصة بوسط المدينة، إضافة إلى توضيح دقيق للمتطلبات الوظيفية، من حيث: تصميم الفراغات ومساحاتها، ومتطلبات تصميمها، وطبيعة الحركة والعلاقات الوظيفية داخل المبنى، ومستويات الأمن والخصوصية المختلفة، إضافة إلى متطلبات الجوار المحيط، والخدمات المساندة لإدارة المبنى وتشغيله، ولخدمة العاملين فيه، والمراجعين له.

وتركزت أهداف التصميم لتحقيق الغايات التالية:

  • أن يكون المبنى إضافة جيدة تعكس التخطيط الحضري والتصميم العمراني للمنطقة المجاورة للمحكمة، المتمثل في مشاريع وسط المدينة القائمة، والجاري إنشاؤها، والتي يخطط لها مستقبلا.
  • يجب أن يرتبط المبنى بصريا – وبكل وسائل الاتصال المتاحة الأخرى – بمبنى المحكمة العامة المجاور، ومنشآت قصر الحكم.
  • أن يتناسب المبنى مع متطلبات حركة المستخدمين والمراجعين، من حيث توفير المرونة وسهولة الوصول، ومن حيث توفير الخصوصية اللازمة لكل فئة، فهناك حركة الموظفين العاملين في المحكمة، من مواقف سياراتهم الخاصة إلى مكاتبهم وحركة المراجعين، ومنهم من يحتاج إلى السرية والخصوصية والأمن أثناء تنقله في المحكمة كالمتهمين،والمحاكمينفي القضايا، وهناك من المراجعين من ذوي المعاملات الاعتيادية، والإجراءات النظامية البسيطة، مثل: عقودالأنكحة، وإجراء الوكالات، وهناك فرق أخرى مستفيدة من المحكمة من: جهاز الأمن والشرطة العامل في المقر، وفريق الصيانة والخدمات الإدارية.
  • أن يشكل المبنى أحد معالم الرياض المعمارية المهمة، التي تعكس الهوية العمرانية للمدينة، وأن يوظف الاعتبارات الحديثة في تصميم المباني، وفي مقدمتها متطلبات الاستدامة، والبيئة.
  • أن يعكس المبنى قيمة المؤسسة المعنوية، ودورها الوظيفي في حياة المجتمع.
  • يجب أن يظل المبنى بسيطا في إنشائه وإدارته وصيانته، بما لا يتنافى مع مكانته وشخصيته المؤسسية، ومتطلبات استعماله الوظيفية المعقدة نسبيا.
  • أن يولي عناية كافية للمتطلبات بمستوياتها المختلفة للعاملين ومختلف فئات المراجعين، وأن يمتاز بمقاييس عالية للسلامة في الأحوال الاعتيادية والطوارئ.
  • المرونة العالية، التي تظهر في قابلية التشكيل المختلف لفراغات المبنى، وإضافة خصائص مختلفة ومستقلة لكل منها في المتطلبات الكهربائية والميكانيكية والعزل.
  • أن يكون تصميم المبنى – عامة -قادراً على استيعاب التغيرات المتلاحقة في تقنية إدارة المعلومات والملفات والاتصالات، وأن يكون قابلا للتوسعة المستقبلية.
  • أن يتكامل وظيفياً ومعمارياً مع الإضافات المعمارية المستقبلية، وأن يقدم تصوراً لما ستكون عليه هذه العلاقة، وتصميمها العام.
  • خفض التكاليف مطلب أساسي يجب أن يظهر في أعمال الإنشاء من حيث: البساطة، وترشيد المواد، ومن حيث قابليتها للاستدامة والتعاطي مع الظروف المناخية للمنطقة، والتي ينبغي أن تنعكس في استهلاك رشيد منخفض لموارد الطاقة والمياه، واحتياجات محدودة ويسيره لأعمال الصيانة والتشغيل والتجديد.

كما شمل مرجع التصميم للمشروع تفصيلا دقيقا للمتطلبات الكهربائية والميكانيكية للمبنى، بشكل عام، والاحتياطات الخاصة بكل الفراغات المختلفة في أدائها الوظيفي، ومن ذلك مستويات مختلفة من العزل الصوتي.

نتائج المسابقة

أنهت الهيئة أعمال تحكيم المسابقة في (١٨) شوال لعام (1426هـ) وحددت المراكز الثلاثة الأولى على مستوى المتسابقين الخمسة، الذين قدموا تصاميمهم، كما رأت اللجنة ضرورة إضافة التعديلات المطلوبة، واستكمال جوانب النقص في التصميم الأول؛ ليكون ملائما للتنفيذ، محققا بشكل أفضل للوظائف المطلوبة من المبنى.

ويسر نشرة تطوير أن تقدم للجمهور قراءة مختصرة للمشاريع المتنافسة؛ لما لذلك من فائدة في الارتقاء بالذوق المعماري لعامة الناس وسكان المدينة، ما سيكون له كبير الأثر – بمرور الوقت – على النهوض بالمستوى المعماري والعمراني لمدينة الرياض.

المركز الأول

فاز بالمركز الأول في المسابقة مكتب “البرتشبيروشركاه” من ألمانيا. تقوم فكرة التصميم على شكل برج يصل علوه لحوالي (٧٥م) يمثل صرحاً له هيبته وقوته، ويشكل رمزاً لوظيفة مبنى المحكمة، تحيط به ساحات مفتوحة من المناطق المرصوفة والمشجرة بالنخيل (بلازا)، ولإحداث الاتصال البصري بمنشآت المنطقة، صمم المبنى في وضع متعامد مع منشآت قصر الحكم. الدخول للمبنى عبر ممر مغطى ومحاط بالتكوينات المائية، مع ساحة جانبية تكون محطة لانتظار الزائرين. والمبنى مكون من أربعة أبراج تشكل فيما بينها فراغا مربعا تتصل مع بعضها من خلال سقف نحاسي اللون تتدلى منه الزخارف، ما يضفي على المبنى من الداخل إضاءة دافئة، وسكينة، يقدم التصميم فصلا كاملا لحركة القضاة والموظفين، وحركةالمحاكمين، وجمهور الزوار والمراجعين.

رأي لجنة التحكيم

يقدم المشروع حلا وظيفيا ناجحا للمحكمة الجزائية ضمن فصل تام لمسارات الحركة المختلفة والمعقدة، على الرغم من أن البهو الرئيسي، والعناصر الأخرى في المبنى غير مرحبة بدرجة كافية. وفي جانب التشكيل فالمبنى يعطي انطباعاً وصورة قوية في التكوين، إلا أنه مستقل بذاته، وغير مرتبط بالمحيط. كما أن الارتفاع المعطى للمبنى يجعله في تنافس مع مبنى المحكمة الكبرى المجاور، وربما اعتبر هذا نقطة سلبية في المشروع. وقد رأت اللجنة أن هناك حاجة لتطوير المشروع، من حيث تقديم معالجات للدور الأرضي؛ لتحسين الحيز العام للمحكمة، بما في ذلك بهو المدخل، والعناصر المتصلة به، بما فيها مجالس القضاء الكبيرة، ومن ناحية أخرى مراجعة التشكيل العام للمبنى لتخفيفالصرحيةالمبالغ فيها، والاستجابة المثلى للنسيج العمراني، والعناصر المحيطة بالموقع.

المركز الثاني

فاز بالمركز الثاني مكتب “قيربرللعمارة” من ألمانيا، بالتعاون مع مكتب “سعودكونسلت” من السعودية.

كتلة المبنى المنخفضة نسبيا عن مبنى المحكمة الكبرى القائم تتسم بتكوينها المتضام، وشخصيتها الصريحة التي توحي بتصميم القلاع، ويقع مدخل المبنى في الزاوية التي تتجه لوسط مدينة الرياض، وتزيد من ارتباط المبنى بمبنى المحكمة الكبرى، كما يعمل هيكل المبنى كمجاور معماري لشارع سلام وشارع آل فريان، والمبنى يعطي انطباعاً بالأمن على الرغم من تكوينه الجداري شبه المفتوح.

تركيبة السقف الشبكية ذات الطابع الزخرفي للقاعة الداخلية ترمز إلى الطابع التقليدي، وتصنع بيئة داخلية ملائمة. وزيادة على ذلك فإن شجر النخيل والمسطحات الخضراء والماء بالداخل تزيد من مكانة القاعة الأمامية، التي وظيفتها الانتظار والراحة، ومنطقة اتصال للزائرين والموظفين.

في داخل قاعة المدخل وضعت قاعات المحكمة الكبيرة، بمركز المبنى، محاطة بأربعين مجلسا قضائيا، ومكاتب للمحامين والقضاة. يتم الدخول للمجالس القضائية من خلال بهو مع مناطق انتظار للزائرين. قاعة المدخل تخدم كمدخل لقاعات المحكمة، وهناك مدخل ثان من الجهة الجنوبية للقضاة والموظفين.

رأي لجنة التحكيم

المشروع يقدم اجتهاداً فكرياً لنوعية ورمزية البيئة الداخلية من حس العدالة، إلا أن هناك قصوراً واضحاً في الضبط الوظيفي، كما أن هناك خلطاً في نظام الحركة للمسارات المختلفة، وهو أمر يصعب قبوله في هذا النوع من المباني، وتميز المشروع بجرأة في طريقة معالجة سقف المشروع، والفكرة الرمزية لمحتواها على الرغم من ابتعاد الصورة الذهنيةالمتلقاةعن الانتماء للثقافة المادية للمنطقة المقام فيها المشروع، ومن ناحية أخرى، فإن التعبير المعماري في تبسيطه المبالغ فيه قد أفقد المبنى المقومات التشكيلية والتعبيرية الضرورية لمبنى المحكمة.

المركز الثالث

فاز بالمركز الثالث مكتب “هجازكاستوريوشركاه” من ماليزيا.

مبنى مربع الشكل من ثمانية طوابق، تحيط ببهو داخلي دائري الشكل، تعلوه قبة بتكوينات زجاجية توفر الإضاءة الطبيعية لبهو المبنى، وتتداخل مع السقف العريض للمبنى، الشبيه بالرواق الخارج عن كتلة المبنى. مدخل المبنى الرئيسي في الجهة الشمالية باتجاه منطقة قصر الحكم، بتكوين قوي يستطيل إلى أعلى المبنى، والمبنى بشكله المتناظر ومدخله العالي وتكوين السقف يعطى انطباعا بطبيعة عمل المؤسسة. المدخل الرئيسي من جهة شارع “سلام” الأقل كثافة وازدحاماً من شارع “آل فريان”، وللقضاة والموظفين مواقف ومداخل خاصة بهم من الجهة الخلفية للمبنى.

رأي لجنة التحكيم

المشروع اعتمد على بذل مجهود عال لتقديم حل وظيفي ومعالجة فصل أنظمة الحركة المختلفة بطريقة ناجحة، بالرغم من المبالغة في ذلك، خاصة في طريقة فصل حركة المتهمين، كما حاول المصمم بابتكاره “الأنبوب الضوئي” إضفاء شيء من الإثراء للبهو، إن الفناء الداخلي لمبنى المحكمة لا يعطي شعوراً بالاطمئنان، مع أن هناك مجهودا كبيرا في تقديم الحلول التفصيلية، وفي ترتيب العلاقات الوظيفية المعقدة.