الكثافة السكانية … الأداة الفعالة في إدارة نمو المدينة

التحكم بمستوى الكثافة السكانية ضمن النسيج العمراني لأحياء المدينة ضمن مستويات محددة وفقا لمتطلبات الاستعمالات المختلفة يؤدي إلى أعلى قدر من الكفاءة الاقتصادية للمرافق والخدمات وموارد المدينة، أما اختلال الكثافة السكنية بالزيادة فيؤدي إلى استهلاك الموارد، وتفاقم الظواهر السلبية، وبالانخفاض يؤدي إلى التشتت العمراني والانتشار الأفقي، وتباطؤ النمو الاقتصادي، وارتفاع تكاليف الإسكان، والمرافق والخدمات.

الوصول إلى أعلى مستوى كثافة سكانية لا يشكل هدفاً في حد ذاته، وإنما وسيلة فعالة للحصول على أفضل أداء حضري لموارد المدينة وإمكاناتها، وأدنى حد ممكن من الظواهر السلبية كالتلوث وتدني البيئة الحضرية والازدحام.

الوضع الراهن لتوزيع الكثافات السكانية في مدينة الرياض يمتاز: بكثافة عالية نسبياً في وسط المدينة، وأحيائها القديمة، وعصب الأنشطة المركزي الممتد من وسط المدينة، باتجاه الشمال بين طريقي الملك فهد والعليا، ويمتاز بكثافة منخفضة بمعدل (٣٠) وحدة سكنية في الهكتار في الأحياء الحديثة، خصوصا في الشمال، والجنوب الشرقي، حيث تغلب على مساكن هذه الأحياء الفلل الكبيرة والشقق فوق المحلات التجارية المنتشرة على طول شوارعها الرئيسة.

هذا التوزيع للكثافات كان نتيجة لعوامل عديدة أسهمت في تكوينه، وفي مقدمتها نظام تخطيط المدينة المعتمد سابقاً، ونظام منح الأراضي، ذات القطع السكنية الكبيرة نسبياً، إضافة إلى الرخاء الاقتصادي الذي عم البلاد، والطبيعة الاجتماعية لسكان المدينة.

اعتمد المخطط الاستراتيجي الشامل توجهات مستقبلية محددة؛ لإيجاد مستويات مختلفة من الكثافات السكانية، والوسائل المحققة لها، تمثلت في تطوير أنظمة البناء الحالية، وتأسيس المراكز الحضرية الفرعية، وأعصاب الأنشطة، والضواحي الجديدة، واعتماد مستويات كثافة متدرجة، بحسب علاقتها بمحاور النقل وكثافة البنى التحتية ومستويات تجهيزها والشكل الذي يراعي الاعتبارات الاجتماعية لسكان المدينة.

جميع هذه العناصر تضمن مستويات مختلفة من الكثافة السكانية، اعتمد لها وسائل تطبيقية متنوعة لتحقيقها؛ كزيادة الارتفاعات، وتصغير أراضي الوحدات السكنية، وزيادة المساحة المبنية ضمن أراضي الوحدات السكنية.

الكثافة السكانية أحد معايير قياس كفاءة استخدام الأراضي، حيث يشير لعدد السكان المستخدمين لمساحة قياسية من الأراضي، تقاس في العادة بمتوسط عدد السكان في الهكتار (10,000م2).

وهناك عدة تعريفات (مقاييس) للكثافة السكانية، قياساً على تعريف المكان، فهناك مقياس الكثافة الحضرية العامة، وهى عدد الأشخاص أو الوحدات السكنية على إجمالي الأراضي الحضرية المطورة (تشمل المناطق السكنية، والخدمات العامة، والاستعمالات الخاصة، والطرق الرئيسة، والأراضي الصناعية والمناطق المفتوحة العامة)، وهناك مقياس الكثافة السكانية العامة، وهى عدد السكان أو الوحدات السكنية في الأراضي السكنية الصافية (قطع الأراضي السكنية والطرق المحلية التي تخدمها، وممرات المشاة) ، وهناك أيضا مقياس الكثافة السكانية الصافية، وهي عدد السكان أو الوحدات السكنية في قطع الأراضي السكنية فقط. وهذه المقاييس مهمة للمخططين الحضريين في تحديد توزيع الخدمات والمرافق في الأحياء، وتقويم جودة استغلال الأراضي، وقياس الكثافات السكانية.

تتأثر الكثافة السكانية بعوامل عدة، أهمها: طبيعة المكان، وعدد السكان، ونسبة نموهم، وتنظيمات البناء، واستعمالات الأراضي، ووفرة المرافق الخدمية، وجودة البنى التحتية.

فندرة الأراضي الملائمة كالمناطق الجبلية، أو الأشرطة الساحلية الضيقة، وعدد السكان الكبير، مع نسبة نمو سكاني عالية، إضافة إلى مدى مرونة تنظيمات البناء التي تسمح بوحدات سكنية لا تزيد مساحتها عن (100 م2)، وفي بعض الأحيان أقل من ذلك، وتعدد الاستعمالات، كل هذه العوامل تؤدي إلى زيادة الكثافة السكانية، التي قد تصل إلى مئات الأشخاص أو الوحدات السكنية في الهكتار.

أما عندما تتوافر الأراضي، ويقل عدد السكان ونسبة نموهم، وتوفر المرافق الخدمية، وتوزيعها المتكافئ، إضافة إلى وجود أنظمة بناء تحد من الارتفاعات، وتزيد من مساحات الوحدات السكنية، فمثل هذه العوامل تؤدي إلى انخفاض الكثافة السكنية، التي قد تصل إلى بضعة أشخاص أو وحدات في الهكتار.

زيادة الكثافة السكانية تشكل بيئة ملائمة لازدهار النشاط التجاري، وتعدد استعمالات الأراضي، وزيادة الطلب على وسائط النقل العامة، ومرافق الخدمات المشتركة، لكنها في الوقت ذاته تؤدي إلى سرعة استهلاك المرافق والخدمات، وتفاقم مظاهر التلوث، والاختناقات المرورية، وتواضع المستوى الحضري للبيئة السكنية.

كما أن انخفاض الكثافة السكانية يؤدي أيضاً إلى ارتفاع كلفة المرافق الخدمية، والبنى التحتية مقارنة بعدد الأشخاص لها، ويزيد من جودة المستوى الحضري للبيئة السكنية.

الزيادة العالية والانخفاض الحاد في الكثافة غالباً ما يصاحبان النمو العشوائي، والتوسع العمراني غير الموجه للمدن، والتغيرات التاريخية، والتحولات الاقتصادية الكبيرة، التي تطرأ على تاريخ المدن؛ كأن تتحول المستوطنة من بلدة زراعية صغيرة إلى عاصمة اقتصادية متعددةالمناشطالاقتصادية، أو تصبح موئلاً للهجرة البشرية الداخلية والخارجية.

السيطرة على الكثافة السكانية وتوظيفها في إحداث الآثار الإيجابية المترتبة عليها، يستدعي مستويات عالية من التخطيط الاستراتيجي، والخطط التنفيذية الفاعلة، للحفاظ على مستويات متفاوتة من الكثافة السكانية عبر أحياء المدينة، تضمن ازدهار أعصاب الأنشطة، والفعاليات الاقتصادية في أماكنها المحددة مسبقا، وتضمن تحقيق الرفاهية وجودة الحياة السكانية في الأحياء السكنية.

الوضع الراهن

العمران التاريخي القديم لمدينة الرياض تراوح بين الكثافة المتوسطة والعالية، أسهم في ذلك صغر الوحدات السكنية، والنسيج العمراني المتضام، وضيق الشوارع والأزقة، وقلة الساحات والميادين.

الازدهار العمراني الذي شهدته الرياض وانطلقت عجلته المسارعة مع بداية السبعينيات الهجرية أخذ طابعا مغايرا، فباعتماد النظام الشبكي للأحياء السكنية، والتوسع في إنشاء شبكات الطرق الحديثة بمستوياتها المختلفة، وتغير النمط المعيشي بفعل الازدهار الاقتصادي، وتوسع سكان المدينة في مساكنهم، وأصبح نموذج الفيلا الخيار المفضل لمعظم سكان المدينة، ما أدى إلى انخفاض الكثافة السكانية في معظم عمران المدينة وأسهم في ذلك نظام منح الأراضي بمساحات لا تقل عن (600 م2) ، وكان الاتجاه السائد نحو المساكن المستقلة، ما ساهم في زيادة التوسع الأفقي، والكثافات السكنية المنخفضة، والارتفاعات المحددة، خصوصا مع وفرة الأراضي المتاحة للإعمار.

تأكد النمط الأفقي لأحياء المدينة، مع اعتماد المخطط التوجيهي الأول والثاني، وتنظيمات البناء، التي اعتمدت أنظمة الارتدادات والارتفاعات السائدة حالياً، حيث وصل متوسط الكثافة السكانية العامة (٥٠) شخصاً للهكتار، ما يعادل تقريباً (٧) وحدات سكنية لكل هكتار، ويبلغ متوسط الكثافة الصافية (١٠٥) أشخاص للهكتار، أو ما يعادل (١٥) وحدة سكنية للهكتار.

الكثافة السكنية في وسط المدينة تصل لحوالي (٥٠) وحدة سكنية للهكتار، تتراوح بين (31) و(40) في أعصاب الأنشطة المركزية.

الكثافات العمرانية المستقبلية

هدف المخطط الاستراتيجي الشامل لمدينة الرياض إلى إيجاد مدينة مركزة النمو، من خلال استغلال الأراضي البيضاء، ورفع الكثافة السكانية، وتحقيق الكفاءة في استخدام الخدمات والمرافق العامة، والتوزيع المناسب لاستعمالات الأراضي.

وقد اعتبر المخطط الاستراتيجي في معالجة الكثافة السكنية في المدينة المتطلبات التالية:

  • استيعاب النمو السكاني المتوقع ضمن حدود المنطقة الحضرية المعتمدة في المخطط الاستراتيجي الشامل التي تصل مساحتها 2450 كم2.
  • زيادة كفاءة الإفادة من شبكات المرافق العامة، وإكسابها قدرا معتبرا من الجدوى الاقتصادية التي تقوم في بعض جوانبها على التوظيف الأقصى، وخدمة أكبر عدد ممكن من السكان.
  • اعتبارات تطوير قطاعات المدينة الأساسية، وفي مقدمتها النقل العام، وتوفير بيئة ملائمة لتحقيقه، والاحتياجات الاقتصادية، ومتطلبات المدينة في مجال الخدمات، والمؤسسات الخدمية العامة والخاصة.
  • مراعاة الجوانب البيئة في الحد من التلوث، ومتطلبات تنمية البيئة الصحراوية، واحتياجات المدينة من المناطق المفتوحة والحدائق والمتنزهات، واعتبار التكوين الجغرافي والجيولوجي لأراضي المدينة، وقابليتها للبناء، وأنماط البناء المتاحة.
  • الحفاظ على مستوى حضري عمراني، يوفر مستويات منالمناشطالاقتصادية والحياة السكنية، تليق بمستوى عاصمة المملكة.

ولتحقيق هذه الأهداف من خلال عامل الكثافة السكانية، اعتمد المخطط عددا من الإجراءات التي توفر مستويات مرنة ومتفاوتة من الكثافة السكانية المحققة للأعراض الحضرية المختلفة، عبر النسيج العمراني للمدينة. ولا يقتصر فقط على السماح بارتفاعات إضافية لعدد من الأدوار، بل يتضمن أشكالاً أخرى من الوسائل، مثل: تصغير الحد الأدنى المسموح به لقطعة الأرض السكنية، وإيجاد أنماط أخرى من أنواع المساكن، وكذلك زيادة نسبة البناء المسموح به داخل قطعة الأرض نفسها.

وتتجه الخطط المستقبلية في هذا المجال -عموما- إلى رفع الكثافة السكانية العامة في المدينة من (٥٠) شخصاً في الهكتار إلى حوالي (٩٠) شخصاً في الهكتار، وذلك من خلال تركيزها ضمن العناصر الرئيسية الواردة في المخطط الهيكلي للمدينة، وذلك على النحو التالي:

مناطق التطوير الحضري

تشمل مناطق التطوير الحضري المناطق السكنية التي تقع خارج المراكز الحضرية، وأعصاب الأنشطة، ومناطق التطوير الخاصة، والاستعمالات الصناعية، والمناطق المفتوحة، وقد قسمت هذه المناطق السكنية من حيث الكثافات إلى ثلاثة مستويات متتالية، بحسب قربها من أعصاب الأنشطة، وهي:

  • منطقة التطوير الحضري الأولى: عبارة عن أشرطة تمتد على جانبي أعصاب الأنشطة، تحاذي الشوارع الرئيسة في التطوير عالي الكثافة ( الاستعمالات المختلطة لأعصاب الأنشطة). ومتوسط الكثافة السكنية يتراوح بين (٢٠) و(٤٠) وحدة في الهكتار.
  • منطقة التطوير الحضري الثانية: هذه المنطقة تلي شريط منطقة التطوير الحضري الأولى، وكثافتها السكانية متوسطة إلى منخفضة (١٠) إلى (٢٠) وحدة سكنية بالهكتار، تتوفر لها الخدمات التجارية، والخدمات العامة المحلية. ومتوسط مساحة قطع الأراضي (٤٠٠ م2).

  • منطقة التطوير الحضري الثالثة: تشمل بقية المناطق السكنية خارج المنطقتين السابقتين، بمتوسط كثافة يصل إلى (١٠) وحدات سكنية فقط في الهكتار، وستحتوي هذه المناطق على قطع أراضي سكنية صغيرة، وكبيرة، مخصصة لإقامة الفلل الكبيرة، والصغيرة، ومبان سكنية تجارية.

المراكز الحضرية

تضمن المخطط الهيكلي إيجاد خمسة مراكز حضرية في أجزاء مختلفة من المدينة لمساندة مركز المدينة الحالي، وتشمل هذه المراكز وظائف مختلفة: إدارية وسكنية وتجارية وصحية وترويحية، وغير ذلك. وستطبق في هذه المراكز الحضرية تنظيمات خاصة بها. حيث يمكن أن تصل ارتفاعات المباني فيها – بما في ذلك المباني السكنية – إلى أكثر من عشرة أدوار، وبمعدل كثافة سكانية عامة تصل إلى (٢٠٠) شخص في الهكتار.

أعصاب الأنشطة

تضمن المخطط الهيكلي تأكيد عدد من أعصاب الأنشطة التي تنطلق من مركز المدينة الحالي، وذلك على امتداد بعض الطرق الرئيسية القائمة، حيث تنتهي هذه الأعصاب في المراكز الحضرية التي تم ذكرها سابقاً، وتتضمن تلك الأعصاب استعمالات سكنية وتجارية وإدارية واقتصادية وثقافية، وتتميز بكثافات سكانية مرتفعة مقارنة ببقية مناطق المدينة، حيث تكون ذات كثافات مرتفعة، ويسمح فيها بارتفاعات إضافية لعدد من الأدوار، تتراوح بين (٤) إلى (٦) أدوار. وتصل الكثافات السكانية فيها إلى (120) شخصاً في الهكتار.

وهذه الأعصاب تتمركز في المنطقة المحصورة بين طريق الملك فهد، وشارع العليا، وعلى امتداد طريق الملك عبدالله، وطريق الأمير سعد بن عبدالرحمن الأول، وطريقالحاير(امتداد شارع البطحاء) ، وطريقديراب. وستكون هذه الأعصاب بتنظيماتها المطورة مهيأة لاستيعاب النقل العام عليها، بالإضافة إلى إيجاد أنشطة وفرص وظيفية جديدة للسكان.

الضواحي الجديدة

شمل المخطط الهيكلي إيجاد ضاحيتين في الشمال والشرق من المدينة، وهذه الضواحي عبارة عن ضواحي ذات استقلالية ذاتية عن خدمات المدينة، ويتم تخطيطها وفق أنماط حديثة تتلاءم مع المتطلبات المستقبلية، وستشمل تلك الضواحي مراكز حضرية في كل منها ذات كثافة عالية، وعلى مناطق سكنية ذات كثافات منخفضة.