مركز الملك عبدالعزيز التاريخي يفوز بجائزة الأمير سلطان بن سلمان للتراث العمراني

فاز مركز الملك عبدالعزيز التاريخي بجائزة الأمير سلطان بن سلمان للتراث العمراني في دورتها الأولى، وجاء في مسوغات منح الجائزة للمركز كونه قد أنشى في منطقة تاريخية كانت محوراً لتطور مدينة الرياض، وأساسا للدولة السعودية المعاصرة، واهتمامه وتركيزه على إبراز الرسالة التي تضطلع بها المملكة، بوصفها مهبط الوحي ومنطلق الإسلام.

اختير مركز الملك عبدالعزيز التاريخي بالمركز الأول للفوز بجائزة الأمير سلطان بن سلمان للتراث العمراني من بين ثمانية مشاريع أخرى مرشحة. ويأتي في مقدمة المسوغات لنيل الجائزة: فكرة المشروع وقدرتها على تجسيد المناسبة المئوية في مشروع حضري ثقافي تراثي عمراني، إضافة إلى الطبيعة التراثية التي تعكسها مؤسسات المركز الوطنية والثقافية، ومستويات العمارة التراثية في منشآت المركز ومناطقه المفتوحة، فضلا على ما شمله المركز من منشآت تاريخية.

كما أن المركز يقدم نموذجاً مميزاً لإعادة تأهيل المنشآت التراثية ذات القيمة الوطنية العالية وتوظيفها ضمن إطار ثقافي حديث يجدد معالمها التراثية ويكسبها قيمة ثقافية حديثة، وذلك يتمثل في إعادة ترميم وتأثيث قصر المربع التاريخي، وإعادة ترميم بقية القصور الطينية في المركز.

تعد العناية بالتراث العمراني ضرورة وطنية وحضارية، لإبراز هوية المجتمع وعراقه تاريخه، ذلك أن التراث العمراني مرجع لأصالة الشعوب، ومصدر لاستلهام الماضي وعبره ودروسه من أجل صياغة الحاضر والمستقبل، ولا تأتي المحافظة على التراث العمراني من منطلقات عاطفية فحسب، وإنما لها دلالات أعمق، وتأكيداً لاستمرار تفاعل المجتمع وحيويته، وتمسكه بعناصر هويته ومكامن قوته وتميزه.

وسبق للمركز الفوز بجائزة الملك عبدالله الثاني بن الحسين للإبداع، وهي جائزة متخصصة في حقل المدينة العربية وقضاياها ومشروعاتها العمرانية وبحوثها، وذلك في دورتها الثانية لعام 2004، عن موضوع “دور المدينة العربية في تطوير التراث”.

تصميم يعكس الهوية المميزة للرياض

تولي الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض عناية خاصة لإبراز الهوية العمرانية والمعمارية لمدينة الرياض، وقد بدأت هذه الهوية في التبلور تدريجيا بفضل تطوير أنظمة البناء، وتنفيذ بعض المشاريع الكبرى في مناطق لها أهمية تاريخية وتراثية كمشروع تطوير منطقة قصر الحكم، ومشروع حي السفارات. ويقدم مركز الملك عبد العزيز التاريخي مثالاً حياً لمنهج الهيئة العليا الذي يتجلى في تصميم كل عنصر من عناصر المركز المختلفة على نحو يتفق مع وضع ذلك العنصر وطبيعته.

سعت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض لأن يكون مركز الملك عبدالعزيز التاريخي منسجماً مع النسيج العمراني المحيط به، وامتدادا للمشاريع التطويرية لمنطقة وسط المدينة، وأن يعكس الهوية المميزة لعاصمة المملكة من خلال المحافظة على المنشآت التاريخية في أرض المشروع، ومن خلال اعتبار معالم هذه الهوية عند تصميم المنشآت الحديثة في المركز.

كما استهدفت الهيئة العليا أن يكون المركز بيئة طبيعية مفتوحة طوال الوقت يستفيد منها جمهور الزوار، وساكنو المنطقة المحيطة. وجهز المركز بالمنشآتالمتحفيةوالمرافق المتعددة التي تؤهله لاحتضان أنماط مختلفة من الأنشطة الثقافية والاجتماعية المتجددة.

ويمتاز المركز بتقديم مستويات مختلفة من العمارة التراثية وسبل إحيائها وإعادة تأهيلها، فهناك الأطلال المتمثلة في أجزاء من أسوار مجمع المربع وبعض أبراجه، وهي تقدم لمحة تاريخية وفائدة جمالية تكوينية في الموقع، ومستوى آخر يتمثل في ترميم عدد من البيوت التراثية وفق متطلبات المنهج العالمي لترميم المنشآت التراثية، وتسعى الهيئة لإضافة بعض الأنشطة الثقافية الملائمة لهذه المباني.

ويظهر مثال مختلف في المحافظة على التراث المعماري من خلال قصر المربع الذي أعيد ترميمه وتأهيل أثاثه ومقتنياته ليكون على الحالة التي كان عليها في أواخر عهد الملك عبد العزيز كديوان للحكم.

ويمثل مبنى دارة الملك عبد العزيز أسلوبا آخر في منهج الهيئة العليا في المحافظة على الهوية المعمارية للمنطقة، حيث سعت الهيئة العليا في بادئ الأمر لاحتواء مكاتب الدارة ضمن قصر الملك عبد العزيز القديم، إلا أن الدراسات أظهرت فيما بعد عدم ملاءمة المبنى من النواحي الإنشائية، مما دعا إلى إعادة بنائه مع المحافظة على الشكل العام والسمات المعمارية للقصر القديم، وإعادة استخدام بعض المواد في الأرضيات والواجهات.

أما المتحف الوطني فهو مبنى عصري، روعي في تصميمه الكفاءة الوظيفية، وجمال المبنى، مع الحرص على إظهار انتمائه إلى الموقع من خلال نسب الفراغات،والفناءاتالداخلية، والمواد المستخدمة في إنشائه.

كما تم التعامل مع جامع الملك عبد العزيز بأسلوب يبقي سمات المبنى القائم، ويضفي عليه لمسات تربطه بالمنشآت الأخرى في المركز من خلالالحوائطالتي أضافت مجموعة من الخدمات الجديدة إليه وساهمت في ربطه مع سائر عناصر المركز المجاورة له.

وتظهر الهوية المحلية والحداثة في مبنى قاعة الملك عبدالعزيز للمحاضرات ومبنى فرع مكتبة الملك عبدالعزيز العامة وجميعها مبان حديثة إلا أنها تنتمي إلى بيئة المدينة المعمارية المتميزة.

وكما كان لعدة عقود أحد أبرز معالم الرياض، لا يزال برج المياه الذي يشكل عنصراً أساسياً في شبكة مياه المدينة أحد أهم منشآت المركز، وجرت الإفادة من ميزته المتمثلة في علوه الشاهق نسبيا عبر إعادة تجهيز المطعم العلوي فيه، وإنشاء حديقة الوطن التي تم تصميمها لتكون منطقة جذب ترفيهية سياحية.

توافق بين النسيج العمراني الحديث والقديم

وتأثرت السمة التراثية العمرانية لمركز الملك عبد العزيز التاريخي بعوامل أساسية، في مقدمتها: طبيعة المناسبة التي أنشئ المركز تتويجا لها، والمتمثلة في مرور (100) عام على استعادة الملك عبدالعزيز —رحمه الله— لمدينة الرياض، وبينما تختلف منشآت المركز في مستوى العمارة التراثية ومنهجية الترميم وإعادة التأهيل، إلا أنها تجتمع في السمة العامة التي تحقق التوافق بين النسيج العمراني الحديث والقديم، فعلى الرغم من الحداثة الشاملة لكل منشآت المركز، إلا أنها تعكس متطلبات الحي الإسلامي القديم، المتمثلة في الأزقة الممتدة والمظللة، والممرات، والجسور المائية، والساحات المتجانسة فيما بينها، كما يتداخل المركز مع الأحياء المحيطة به لتشكل معه وحدة عمرانية متكاملة تخلو من التباين الشديد.