طوب التربة المضغوطة بداية متجددة في سوق مواد البناء

طوب التربة المضغوطة تقنية حديثة لإعادة توظيف مواد طبيعية استخدمت قديما وحديثا كمادة بناء أساسية تمتاز بانخفاض التكاليف النسبي، ومواءمتها للبيئة، ومرونتها، وسهولة استخدامها في مجالات عمرانية متعددة.

طوب التربة المضغوطة تقنية حديثة لإعادة توظيف التراب (خليط من البحص وهي الحجارة الصغيرة، والرمل، والتربةالسلتيةالغرينية، والطين) في الإنشاءات المعمارية، من خلال تحويل التراب إلى طوب، تتماسك مكوناته بفعل الضغط، ونسبة منخفضة نسبيا من المثبتات الصناعية الحديثة كالإسمنت والجير، أو الطبيعية كالمواد العضوية (السماد) ونشارة الخشب، والعصائر النباتية.

الاهتمام بهذه التقنية البسيطة مبعثه البحث عن مواد بناء تتسم بالمرونة وسهولة التصنيع، وتوظيف موارد البيئة في بناء المنشآت المعمارية، فالتوفير في مواد البناء من حيث كلفة المواد، وكلفة اليد العامة، وكلفة التجهيزات المستعملة، يسهم بشكل فعال في خفض الكلفة النهائية للمنشآت المعمارية.

يمتاز الطوب الرملي المضغوط بانخفاض كلفة مواده الموجودة تقريبا في كل مكان، وسهولة معالجتها وملاءمته للبيئة خصوصا الصحراوية، لقدرته العالية على العزل، ما يجعل منه خيارامواتياًلإنشاء أنماط معينة من المساكن والمنشآت الخدمية.

مواصفات مواد البناء الأساسية لم تتغير منذ القدم، وهي في مجملها تدور حول: التماسك الذي يجعلها قابلة للتشكيل وتكوين الفراغات، والقدرة على تحمل قوى الشد التي تظهر في الأسقف، وقوى الضغط التي تظهر في الجدران، وقابليتها لعزل البيئة الخارجية المحيطة بالمسكن عن بيئة فراغاته، ويشمل ذلك الحرارة، والبرودة، والضوء، والأمطار، وأن تمتاز بتوفير الحماية سواء من الظروف الطبيعية، أو السلوكيات البشرية.

وقد استخدم الإنسان منذ القدم طيفا واسعا من المواد الطبيعية أو تلك المعالجة جزئياً لتكوين المساكن، وتفاوتت الحضارات البشرية في هذا المجال بحسب ما فتح الله عليها من قدرات وتقنيات لم تيسر لآخرين.

طيف واسع من المواد التي استخدمها الإنسان قديما في بناء المساكن بداية من الكهوف والأشجار الكبيرة، وانتهاء ببناء القلاع والحصون والقصور، وأبرز المواد المستخدمة في بناء المساكن كانت جلود الحيوانات، والأشجار بجذوعها وأوراقها، أو ما يصنع منها، وبالأحجار مع قدر متفاوت من التشكيل، وبالطين والتراب والملاط (الجير)، واعتمد استخدام مادة بعينها على مدى وفرتها في المكان، فشاع استخدام الأخشاب في الغابات، والطين في الوديان، والأحجار في الجبال، وجلود الأنعام في المراعي والصحاري.

من أبرز المواد التي استخدمت قديما ولا زالت تستخدم على نطاق واسع مادة الطين، فهي تمتاز بوفرة تواجدها وسهولة تشكيلها وتصنيعها مقارنة بالأحجار، ومرونتها العالية، وقدراتها الممتازة في العزل.

إلا أنها كانت تعاني من نقاط ضعف أساسية أهميتها ضعف مقاومتها للماء، إذ سرعان ما تتحلل وتنهار. التكوينات الطينية بفعل الماء، لعلاج هذا القصور استخدمت تقنيات عديدة قديما وحديثا، فأضيف القش (التبن) وبعض المخلفاتالسماديةلزيادة تماسك حبيبات الطين، والرمل، وأضيفت بعض المواد العازلة على الجدران الخارجية كالجير، وأبدع المعماريون القدماء تقنيات معمارية وتشكيلات هندسية تقلل من أثر الماء على جدران الطين، كالبناء المائل، واستخدام التكوينات الزخرفية البارزة التي تدفع الماء بعيدا عن الجدران كالطُرموالحداير. كما استخدمت المعالجة الحرارية في حرق الطوب الطيني (الآجُر) وبذلك يصبح مقاوماً للماء، إلا أن قدرات الطين ومشتقاته في تحمل قوى الشد حدّت كثيراً من التوسع في التكوينات الإنشائية كالجسور والمباني الشاهقة، والأسقف الواسعة جدا، والتكوينات الخارجية إلى أن ظهرت صناعة الإسمنت وتدعيمها بالحديد (الخرسانة المسلحة) التي كانت الأساس لانطلاق النهضة العمرانية الحديثة.

مع ارتفاع كلفة البناء، والتوسع في توظيف التقنية الحديثة في إنشائه لم يعد بمقدور قطاع كبير من البشر تشييد مساكنهم نظرا لارتفاع التكاليف، وضعف القدرات التقنية، خصوصا في المناطق الريفية والبلدات الصغيرة، ما فتح المجال من جديد للبحث عن مادة بناء أساسية تمتاز بالرخص والوفرة وسهولة التشكيل والمواصفات الإنشائية والبيئة الملائمة، فظهرت تقنية التربة المضغوطة، تقدم الكثير من الامتيازات في مجال البناء.

تقنية التربة المضغوطة

ظل التحدي الأساسي في صناعة الطوب (الطابوق، أو البلوك) وهو العنصر الأكثر استخداما في المباني يكمن في توفير قدر كاف من قوة التماسك بين حبيبات مادة البناء، لذلك كانت الأحجار (النارية أو المتحولة) من أفضل مواد البناء التي عرفها الإنسان ولا زالت — نظراً لقوة التماسك الهائلة بين حبيباتها، الناتجة عن درجات حرارة عالية، وضغط هائل استمر لآلاف السنين.

لجأت التقنيات القديمة لإحداث التماسك بين حبيبات مواد البناء باستخدام المعالجة الفيزيائية والكيميائية والميكانيكية، كاستخدام السماد العضوي، وبقايا الأشجار الصغيرة كالقش والتين، واستخدام الجير، والماء والشوي في الأفران لعدة أيام.

تقوم تقنية التربة المضغوطة على توظيف عدة عوامل تسهم في إحداث التماسك بين مكونات التراب، أول هذه العوامل: اختلاف أحجام مكونات التراب، حيث يمتاز بعضها بقدرة تماسك عالية كالطين، وبعضها يمتاز بقساوة عالية كالبحص وهو عبارة عن أحجار صغيرة، عامل آخر: ويتمثل في إضافة عنصر تماسك إضافي كالإسمنت أو الجير، أو بعض المواد العضوية الطبيعية كعصائر الأشجار (العصارة الناتجة عن هرس أغصان الأشجار المليئة بالسوائل والمواد الصمغية)، أو السماد العضوي (مخلفات الحيوانات)، العامل الثالث من عوامل التثبيت: هو إضافة مقدار بسيط من الماء يسمح بحد كاف من الرطوبة لإحداث التماسك اللازم بين حبيبات التراب، وآخر هذه العوامل: هو الضغط، حيث يؤدي الضغط إلى تقارب الحبيبات من بعضها، وزيادة قوى التعشيق (التداخل) بين المكونات الصغيرة والكبيرة، وزيادة التفاعلات الكيميائية بين المواد في الخلطة والتي تؤدي إلى التماسك.

مجالات استخدام الطوب الرملي المضغوط

استخدام الطوب الرملي المضغوط ما يزال في مراحل التجارب الأولية، مع أن استخدامه بدأ مبكراً في الثلاثينيات الهجرية من القرن الماضي في إطار مشاريع التنمية العمرانية في أمريكا اللاتينية، والقارة الأفريقية.

المجال العمراني الملائم لاستخدام الطوب الرملي المضغوط يتحدد بحسب الخصائص والامتيازات التي يقدمها هذا النوع من مواد البناء، فشيوع مواد التكوين، وسهولة اختبار التربة وتكوينها دون الحاجة إلى أدوات حديثة وعماله ماهرة، كل هذه الخصائص تجعل منه مادة بناء نموذجية في الأرياف، وفي العمران السكني، والمنشآت الخدمية الصغيرة، حيث إن امتيازات هذه المادة تظهر في هذا النمط من المشاريع بشكل فعال ومجد، أما دمج استخدامها في المشاريع العمرانية الكبرى فلا يقدم الكثير من الامتيازات عن تلك التي تقدمها مواد البناء الحديثة المستخدمة، على الأقل في الوقت الراهن.

اهتمام الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض بهذه المادة في هذه المرحلة المبكرة يأتي ضمن اهتمام الهيئة بالتطوير العمراني الحديث لمدينة الرياض، الذى يحمل أبعاداً بيئية اقتصادية، تحتم البحث في المواد المتوفرة بكثرة في بيئة مدينة الرياض، والمتوافقة مع بيئتها الصحراوية الجافة. كما يشكل جانباً من الاهتمام بالعمارة التراثية وسبل تطويرها، وإبداع تطبيقات حديثة قابلة للتنفيذ في واقع الحياة العملية الحديثة للمدينة.

هذا الاهتمام من قبل الهيئة يترجم في المشاريع العمرانية التراثية التي تتولاها الهيئة في المدينة، ومن خلال إنشاء وحدة البناء بالطين في الهيئة، لتكون في المستقبل – بإذن الله – نواة لمؤسسة أكاديمية تأهيلية للحرفيين في هذا المجال، كما تقيم الدورات وورش العمل في هذا المجال.

وضمن هذا الاهتمام قامت الهيئة ببناء مسجد المدى في مركز الملك عبدالعزيز التاريخي باستخدام الطوب الرملي المضغوط وتقنيةالحوائطالحاملة والقبابوالقبوات، ما يقدمأنموذجاًتجديدياً للعمارة التراثية، ومبادرة تسويقية للأفكار العمرانية الحديثة المبسطة لمزيد من التوسع في استخدامها والإفادة من امتيازات هذه المادة قديمة التكوين حديثة التقنية.

مراحل تصنيع الطوب المضغوط

مادة الطوب المضغوط هي تراب يتكون من أربعة عناصر، بنسب متفاوتة، وهى البحص (الأحجار الصغيرة) التي تتراوح أبعادها بين (2) مم و (20) مم، والرمل وهو حبيبات معدنية أغلبها من مركباتالسيليكاوتتراوح أبعاد حبيباتها بين 2 مم (0,06) مم، والغرين (التربةالسلتية) وهي خليط من المواد ذات الحبيبات الصغيرة التي تتراوح أبعادها بين (0,06) مم و(0,002) مم، والغرين تمتاز بقابلية بسيطة للتماسك والالتصاق، وآخر هذه المكونات هو الطين ذو قدرة التماسك والالتصاق العالية، وتقل أبعاد حبيباته عن (0,002) مم.

يصنف التراب المناسب لصناعة الطوب المضغوط بحسب النوع السائد فيه من مكوناته الأربعة، فيسمى تربة بحصية إذا كانت نسبة البحص فيه تزيد عن (60%)، وتربة رملية إذا كان الرمل هو المادة السائدة بنسبة قد تصل إلى (70%)، والتربةالقرينية(السلتية) التي تكون فيها نسبة القرين (50%)، والتربة الطينية التي تكون فيها نسبة الطين (45%).

تبدأ أعمال التصنيع بالبحث عن التربة الملائمة، الذي ينبغي أن تكون خالية من الشوائب العضوية، لذلك يفضل استخراجها من عمق يزيد عن (1,5) م لضمان خلوها من الشوائب، ثم تجرى بعد ذلك أعمال السحق والغربلة حتى الوصول لأفضل النسب لمكونات عناصرها الأربع، وفي هذه المرحلة تجري عدد من الاختبارات والتجارب البسيطة التي لا تحتاج إلى أجهزة معملية، وذلك عن طريق الشم واللمس وتناسب عناصر الترسيب واختبار التماسك البسيط.

بعد ذلك تبدأ مرحلة الخلط للتأكد من تجانس مكونات التربة وإضافة مادة التماسك إلى الخليط كالإسمنت أو السماداوالعصارات النباتية، بحيث يكون الخليط رطبا نسبيا، قبل أن يعبأ في القوالب ويكبس بآلة الضغط اليدوية البسيطة أو الآلات الميكانيكية في حالات الإنتاج الكمي.

ثم بعد ذلك تبدأ مرحلة التجفيف وهي أطول المراحل، وتتراوح بين أسبوعين وأربعة أسابيع وعلى مرحلتين، في الأولى: يجري تغطية مجاميع الطوب بالخيش ومن فوقه البلاستيك بعيداً عن الشمس المباشرة لعدة أيام، ثم بعد ذلك يجفف لمدة (3-4) أسابيع تحت أشعة الشمس المباشرة دون غطاء، وإجراءات التجفيف ضرورية لضمان تماسك مكونات الطوب، ووصولها إلى مستوى ملائم من القساوة والقدرة على تحمل الماء دون الانحلال والتفتت.