خطوط المرافق العامة بين نظام الأنفاق والتمديدات الأحادية

أجرت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض دراسة لبحث إمكانية تطبيق نظام أنفاق المرافق العامة (مياه، كهرباء، اتصالات، صرف صحي) في مدينة الرياض، ونظمت ورشة عمل ضمت مختصين عالميين في هذا المجال، واستطلعت تجارب الدول المتقدمة لمعرفة مزايا وعيوب النظام وتكاليفه وكفاءة أدائه في تلبية الوظائف المناطة به، ومقارنته بنظام (التمديد الأحادي) المعمول به في المدينة حاليا، وتوصلت الهيئة إلى استنتاجات توصي بتطبيق النظام في مناطق محددة وفق ضوابط واشتراطات معينة.

يمثل الطلب الكمي والنوعي على المرافق العامة لمدن القرن الواحد والعشرين، تحدياً كبيراً يواجه البلديات الحضرية والإقليمية في كل دول العالم لمدة طويلة، وبالأخص في جانب ضمان إمدادات المياه والكهرباء والاتصالات والغاز والتدفئة، بشكل آمن وغير ضار بالبيئة وقابل للتكيف مع المتغيرات والاحتياجات المستقبلية.

وتوصلت التجارب في دول أوروبا الغربية، إلى أن نظام التركيب الأحادي لأنظمة الخطوط المختلفة، لا يناسب استيفاء المطالب على نحو مستدام، نظرا لكون تحديدات المرافق العامة وفقا لهذا النظام لن تعمل حتى نهاية عمرها الافتراضي دون الحاجة إلى إجراءات صيانة دورية أو إعادة تأهيل في المستقبل، كما أن تكييف شبكاتها وفقاً للاحتياجات المتغيرة، واستجابتها للتطورات الفنية الجديدة، وقبولها لإدخال خطوط جديدة في مجمل النظام، تبدو معقدة، وتتطلب الكثير من الأعباء والأعمال الفنية المكلفة.

لذا، تنشغل المدن الكبرى بالتفكير في شبكات خطوط مستدامة تفي بمتطلبات الحاضر دون تقييد الأجيال القادمة، وإجبارها على بناء شبكات جديدة بشكل متواصل.

وتوصلت العديد من المدن المتقدمة، إلى أن النظام الذي يفي بهذه المتطلبات بدرجة كبيرة، هو نفق المرافق الذي يتيح تركيب كافة خطوط الإمداد والتصريف بطريقة يسهل الوصول إليها من أجل صيانة سهلة وقابلة للتكيف.

انتشر التركيب الأحادي لخطوط المرافق العامة بسبب الفرق في أوقات بداية تشييد شبكات الخطوط المختلفة، غير أن تطبيق هذا النظام تكتنفه العديد من المشكلات، كون معظم الخطوط تتشكل تحت الأرض كأنظمة شبكات، يتم تمديدها بصورة موازية وأحيانا بشكل متقاطع، فإنه تحدث نقطة تماس على الدوام. كما تؤثر العديد من التركيبات على بعضها البعض سلبياً (الكابلات الكهربائية، كابلات الاتصالات، تحديدات المياه، خطوط الغاز، خطوط التدفئة) بحيث يتعين وضع اعتبار خاص لنقاط التماس في هذه العملية.

وتمتد التبعات للتركيب الأحادي لتشمل اختلاف متطلبات المساحة للتركيبات الأحادية تحت الأرض اختلافاً كبيراً، فأينما تطلب الأمر استيعاب منشآت كبيرة جدا، فإن المساحة المتبقية للتركيبات تحت الأرض ستنخفض بشكل كبير، وعليه فإن التنسيق المتأني ضروري في مثل هذه الحالة.

ولا تقتصر تبعات التمديد الأحادي على الجوانب الفنية للتمديدات، بل تمتد إلى إحداث اختناقات مرورية وتكبيد الجهات المسؤولة عن المرافق العامة خسائر مادية كبيرة، حيث تعتبر كافة التركيبات تحتالارضتشييدا هندسيا معقدا، وعادة ما يتطلب تنفيذ إجراءات الخدمة (الفحص، الإصلاحات، إعادة الترميم، التجديد) إجراءات فنية ومالية كبيرة، كما تعاني الشبكات الأحادية من تراجع الطاقة التشغيلية لهذه التمديدات وتعرضها للأضرار كلما تقلص عمرها الافتراضي، إضافة إلى ما تحدثه أعمال إصلاح الضرر من ضجيج واهتزاز وانبعاثات من الأعمال في موقع البناء ومخاطر السلامة بالنسبة للملاك المجاورين، وإهدار وقت العمل بفعل العوائق الكبيرة في مساحة الحركة المرورية.

وكشفت التجارب أن تكاليف تجديد المجاري ضمن المناطق الحضرية وفقاً لنظام التمديد الأحادي للمرافق قد يكلف أكثر من ضعف تركيب مجارى جديدة في منطقة تطوير غير مفتوحة، وذلك لعدة أسباب، أهمها: إزالة كتلة الحفريات، وإجراءات البناء لتأمين الحركة المرورية، واستبدال سطح الطريق، وبناء الجسور فوق الخنادق للسيارات وللمشاة.

ينتج عن التغير والتطور الدائم للمجتمع، متطلبات متغيرة في شبكات الإمداد والتصريف الحضرية، مما يتطلب إجراء المزيد من الإصلاحات وإعادة التأهيل للخطوط وأنظمة المواسير التالفة أو الموغلة في القدم، ومن ذلك تغير مواد الشبكات كاستخدام تمديدات البلاستيك بدلاً من المعادن، أو استبدال الألياف النحاسية بالبصرية، أو تغير استعمالات الأراضي من سكني إلى تجاري، واستخدام أنظمة معزولة لشبكة الشرب عن شبكة مياه المنافع العامة، أو إضافة شبكات جديدة كشبكات الغاز والتدفئة (بالمياه الدافئة المركزية).

أنفاق المرافق العامة

بهدف الربط بين شبكات الخطوط وتركيبات المستخدم المتغيرة، برزت الحاجة لأنظمة مستدامة قادرة على التجاوب بسلاسة مع المتطلبات المتغيرة والجديدة التي لا يمكن التنبؤ بوقتها أو مجالها أو موقعها أو فترتها.

ولمواجهة هذا التحدي في المستقبل من منطلق التنمية المستدامة لاستيفاء الاحتياجات الحالية دون الحاجة إلى بناء شبكات جديدة في المستقيل، ظهرت حاجة إلى تشييد شبكات خطوط حديثة قابلة للتكيف وسهلة الصيانة، وتتجنب مشكلات التركيب الأحادي التقليدي لخطوط الإمداد والتصريف، وكان الخيار المتاح هو نفق المرافق العامة.

ويعرف نفق المرافق العامة بأنه إنشاء هيكلي مغلق طولي بمدخل رئيسي ومداخل فرعية، سهل الوصول إليه بغرض تركيب مواسير الإمداد أو التصريف، ويتألف من شبكات وأبنية، ومخارج تهوية، وتفرعات. ويمثل النفق الصيغة المثلى للتركيب المتعدد للخطوط بانحدار وخط واحد وبأنواع مختلفة، سواء منها التركيب المشترك في وقت واحد، أو المتتابع في أوقات مختلفة.

فكرة تشييد انفاق المرافق العامة ليست اختراعا حديثا حيث وجدت في المدن القديمة وحتى الأثرية.

وفي الأزمنة الحديثة، استخدم نفق المرافق العامة لأول مرة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في مدينتي لندن وهامبورج، ثم استخدم في ألمانيا الشرقية والاتحاد السوفيتي السابق، حيث تم بناء مئات الكيلومترات من هذه الأنفاق في الخمسينيات من القرن العشرين، واستخدم أيضا في كل من آسيا وأوروبا الغربية حيث جرى العمل في هذا المجال في منتصف القرن الماضي.

أظهرت الدراسات أن تكلفة إنشاء نفق المرافق العامة تعادل تقريباً ثلاثة أضعاف تكلفة إنشاء الأنظمة الحالية (التمديد الأحادي) وذلك ونتيجة التكاليف الإنشائية في بناء الأنفاق وفق مواصفات فنية عالية تضمن أن يكون النفق محكم الإغلاق ويوفر كافة متطلبات الصيانة، وإمكانية التوسع، وكذلك وضع الاحتياطات الأمنية لحماية الأنفاق، ووجود أنظمة إنذار محكم عند وقوع أي خطر يتهدد سلامة تمديدات المرافق العامة، إلا أنها أقل كلفة على المدى الطويل من شبكات التمديد الأحادي، عند حساب تكاليف توسعة الشبكات الأحادية، وصيانتها، وزيادة حجمها، أو إضافة خدمات جديدة إليها ، حيث تزيد تكاليف هذه الأعمال بمرور الوقت عن تكاليف إنشاء أنفاق المرافق العامة.

وبعبارة أخرى، يستدعي تشييد أنفاق المرافق العامة، ضخ استثمارات عالية في وقت مبكر، في الوقت الذى يرجى فيه تحقيق العوائد الجيدة لمثل هذا النظام خلال مدد طويلة. كما يمكن تشغيل نفق المرافق بواسطة الشركات الخاصة أو السلطات العامة، ويمكن اللجوء إلى صيغة تشغيل مشتركة بين الشركات الخاصة والسلطات العامة من خلال عقود تجارية مختلطة بينهما. والشرط الأساسي لتحقيق الكفاءة الاقتصادية لنفق المرافق، هو تحديد الشكل القانوني لاستعمال المنشأة من قبل كافة مشغلي شبكات الإمداد والتصريف، علاوة على مشاركة المشغلين في تشغيل وصيانة النفق لما لديهم من معرفة تقنية وفنية بالمعدات التي يحتويها النفق.

وضع المرافق العامة في الرياض

اعتمدت مدينة الرياض نظام الشبكات الأحادية المستقلة للمرافق العامة، ويرجع ذلك لظروف تاريخية صاحبت التطوير العمراني الحضري لمدينة الرياض، فالتوسعات العمرانية التي شهدتها الرياض تجاوزت في أوقات كثيرة الحدود التخطيطية، كما أن استقلالية الجهات المسؤولة عن خدمات المرافق العامة، واختلاف توقيت برامج تنفيذ مشاريعها الخدمية كان متناسبا مع ظروف التوسع الهائل للمدينة، وتفاوت أولوية إنشاء الخدمات العامة، حيث كانت الأولوية لسد الاحتياجات في شبكات الكهرباء والمياه، ثم أتت بعدها خدمات الاتصالات وأنظمة الصرف الصحي التي أوشكت على استكمال جميع الكتلة العمرانية للمدينة.

كما أن النمو الأفقي، ووفرة الأراضي، وطغيان الاستعمال السكني على معظم أراضي المدينة جعل من تأسيس أنفاق موحدة للخدمات العامة بطول مئات الكيلومترات، يجعل منها غير مجدية اقتصاديا.

إلا أن الرياض لم تخلو من تطبيق واسع لأنظمة الأنفاق العامة الموحدة للمرافق، حيث طبقت في بعض المشاريع العمرانية متعددة الاستعمالات، وفي بعض أجزاء المدينة، ومن هذه التجارب: نفق الخدمات العامة في جامعة الملك سعود، وفى كلية الملك عبدالعزيز الحربية، ومدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، وفي نظام تخفيف منسوب المياه الأرضية في طريق الملك فهد، وفي مركز الملك عبدالعزيز التاريخي، وكلها أنفاق خدمات موحدة، بطاقة استيعابية عالية، اعتبر في إنشائها وتصميمها أعمال الصيانة، والتوسعة، وإضافة خدمات جديدة، وقابليتها للربط ببقية شبكات المرافق القائمة في المدينة.

ورشة عمل لدراسة الأنفاق الموحدة

ولبحث مدى إمكانية الاستفادة من التوسع في استخدام نظام أنفاق المرافق العامة، ومعالجة عيوب نظام التمديد الأحادي المتبع في مدينة الرياض، وجه رئيس الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض بتشكيل فريق مكون من كل من: الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض، أمانة منطقة الرياض، وزارة المياه والكهرباء، شركة الاتصالات السعودية، شركة الكهرباء، الغرفة التجارية الصناعية بالرياض، لدراسة الموضوع من جميع جوانبه ومناقشة إمكانية تطبيقه وآليات تنفيذه في مدينة الرياض.

وتولت الهيئة عقد ورشة العمل، حيث دعت عددا من المختصين والخبراء الدوليين في مجال شبكات المرافق العامة، للمشاركة في ورشة عمل نظمتها بالتعاون مع الجهات المعنية في 19 ذي القعدة 1424 هـ في قصر الثقافة في حي السفارات، لعرض عدد من أوراق العمل حول إمكانية الاستفادة من نظام أنفاق المرافق العامة في الرياض.

أثارت ورشة العمل عددا من القضايا المتعلقة بتشييد وإدارة وتشغيل أنفاق المرافق العامة، شملت تعدد الجهات المسؤولة عن تقديم خدمات المرافق، وصعوبة التنسيق فيما بينها خلال المراحل المختلفة من تخطيط وتصميم وتنفيذ وصيانة، وتعدد مرجعية كل جهة (حكومية وخاصة)، ووضع كل جهة أولويات بناء على معايير خاصة بها تحكمها في كثير من الأحيان أمور فنية واقتصادية.

ونبهت الورشة إلى عدم وجود جهاز واحد مسؤول عن تصميم وإنشاء وتشغيل وصيانة الأنفاق في مدينة الرياض، حيث تتطلب أنفاق المرافق درجة عالية من التنسيق بين الأجهزة المعنية، في الوقت الذي يتطلب فيه نجاح هذا النظام أن يكون تصميم هذه الأنفاق وصيانتها وتشغيلها تحت سيطرة جهة واحدة.

وفي مجال خطوط المرافق الجافة، بحثت ورشة العمل فكرة تشييد نفق يضم تمديدات الشركات المسؤولة عن الخطوط الجافة، بحيث يتم إنشاء النفق بشكل مشترك بين هذه الشركات، بما يوفر من تكاليف عمليات الصيانة، غير أن المتطلبات الفنية لكابلات الجهد الكهربائي العالي قد توجد صعوبات فنية أمام نجاح تطبيق الفكرة، نظراً لتطلب هذه الكابلات بيئة محددة من أجل الحد من ارتفاع حرارتها، كما أن المسارات التي تتبعها شركة الكهرباء في إيصال الخدمة إلى موقع محدد، تحكمها التكاليف التي تنعكس على المستفيد.

أما خطوط شركة الاتصالات السعودية، فقد بدأت في التعاون مع مطوري الأراضي بحيث تقوم الشركة بتصميم الشبكات ويقوم المطور بتمديد الأنابيب المدفونة وغرف التوزيع في كامل الحي وفقاً للمواصفات المحددة، لتقوم الشركة لاحقاً باستعمالها لإيصال الخدمة للعملاء.

وتختلف خطوط الصرف الصحي عن غيرها من المرافق العامة الأخرى فيما يتعلق بمسار التمديدات، حيث يحكمها الطبوغرافية (ارتفاع منسوب الأراضي) نتيجة لاعتمادها على الجاذبية في حركة المياه وتصريفها، كماانهاتعد من أقل خطوط المرافق حاجة للصيانة.

خيارات التطبيق الجزئي لنظام أنفاق المرافق

توصلت ورشة العمل إلى استنتاج مفاده أن نظام أنفاق المرافق العامة لا يمكن تطبيقه على كافة أجزاء مدينة كالرياض، خاصة في المناطق المبنية وذات الكثافة المنخفضة، وأوصت بتطوير التقنيات، في مجال المرافق العامة وتشييدها، والنظر في تضمين مشاريع تصميم وتخطيط الطرق الرئيسية هذا النظام، مشيرة إلى أن معظم أنفاق المرافق العامة المطبقة عالمياً تتواجد في مناطق ذات تطوير خاص، ولا توجد أنظمة أنفاق لشبكات المرافق العامة على مستوى مدينة بأكملها، بل لمناطق خاصة ومحددة.

ونظراً لكون نظام أنفاق المرافق العامة يستهدف تلبية الاحتياجات الحالية ويستجيب للتوسعات والمتطلبات المستقبلية من تمديدات المرافق، أوصت الورشة بضرورة إعداد دراسة فنية تفصيلية تتناول مراجعة الوضع الراهن لخطوط المرافق العامة وتوجهاتها المستقبلية على ضوء الخطط التنموية في جميع المجالات، وتحديد المناطق التي يمكن فيها تطبيق النظام، ووضع آلية لتطبيقه بالتنسيق مع كافة الجهات المعنية، ومن ذلك: أهمية التركيز على المحاور والشرايين الرئيسية في المدينة، بعد دراسة كل من النواحي الفنية والأمنية والقانونية والتخطيط والإنشاء والتشغيل والصيانة، ودراسة الإدارة المسؤولة عن تطبيق نظام أنفاق المرافق العامة.

كما أوصت ورشة العمل باستكمال وضع خريطة أساس لشبكات المرافق العامة تتضمن توقيع مسارات خطوط المرافق المنفذة وخصائصها، والنظر في البدائل الأخرى لتمديد خطوط المرافق، ومنها الأنفاق المشتركة لجزء من خطوط المرافق مثل الكهرباء والاتصالات.

تطبيق النظام في المراكز الحضرية

دراسات الهيئة حول نظام أنفاق المرافق العامة طرحت خيار إمكانية تطبيق النظام في المراكز الحضرية المقترحة في التخطيط الهيكلي للمدينة، وكذلك في مناطق الضواحي الجديدة المقترحة في شمال وشرق المدينة، ودعت إلى أن يضمن ذلك في الدراسات القائمة حالياً لتلك المناطق. وينسجم هذا الخيار مع الأهداف التي وضعت لهذه المناطق، لتكون نموذجا مثاليا للتخطيط الحديث، بحيث تتيح الفرصة للإبداع في الأفكار التصورية بما في ذلك تمديدات المرافق العامة.