برنامج علاجي شامل لمشكلة ارتفاع منسوب المياه الأرضية

تبنت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض برنامجا للسيطرة على مشكلة ارتفاع منسوب المياه الأرضية في مدينة الرياض، حيث أجرت دراسات لمعرفة العوامل المؤثرة في ارتفاع منسوب المياه الأرضية، ومعرفة الحلول العلاجية لهذه المشكلة.

بدأ ظهور مشكلة ارتفاع منسوب المياه الأرضية في مدينة الرياض منذ ثلاثة عقود تقريباً، نتيجة للنمو السكاني والعمراني السريع، الذي واكبه ارتفاع في معدل استهلاك الفرد للمياه، ومن ثم زيادة كبيرة في كميات المياه المصروفة في الأرض دون وجود شبكة صرف صحى متكاملة آنذاك، حيث وصلت هذه المياه إلى سطح الأرض في بعض أجزاء المدينة مسببة مشكلات هندسية وبيئية وصحية عديدة.

أجرت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض دراسات لتحديد التسربات من شبكات الشرب العامة والخاصة، والتسربات من مياه الري، ومن البيارات الخاصة، وكذلك التسربات من الأمطار وشبكات الصرف الصحي وشبكات تصريف السيول، وتوصلت دراسات الهيئة التي اكتملت في عام 1409 هـ إلى أن ارتفاع منسوب المياه الأرضية في المدينة يعزى بشكل رئيسي إلى سببين رئيسيين، هما:

1- ضعف الخصائص الهيدروليكية لطبقات التربة والصخور التي تحد حركة المياه في الاتجاهين الأفقي والرأسي.

2- زيادة مصادر التغذية في المدينة (فائض مياه الري، التسربات من شبكات المياه العامة، التسربات من شبكات المياه داخل المنازل، التسربات من البيارات، التسربات من شبكات الصرف الصحي، ومياه الأمطار).

وبينت الدراسات أن المستنقعات، وجريان المياه على سطح الأرض وظهور الحشائش في الأراضي البيضاء أصبح ظاهرة مألوفة في كثير من الأحياء، مما يشكل أوساطاً ملائمة لنمو الحشرات الضارة والناقلة للأمراض وانتشارها، فضلاً عن أثر ذلك على البيئة، ومظهر المدينة.

كما أظهرت الدراسات أن ارتفاع منسوب المياه الأرضية في المدينة، أدى إلى حدوث تصدعات وتشققات في الكثير من المباني العامة والخاصة، وإلى تآكل بعض العناصر الإنشائية مثل الخرسانة وحديد التسليح، وحدوث هبوط في الأرضيات داخل بعض المباني، وطفح المياه داخل الأقبية، كما أدى إلى تشقق طبقات الإسفلت، وتهشم طبقات الرصف في الشوارع العامة، وتآكل شبكات المرافق العامة، مما أدى في المحصلة إلى التسبب في خسائر اقتصادية كبيرة، إلى جانب الأضرار الصحية والبيئية.

وعلى ضوء نتائج هذه الدراسات وضعت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض حلولا للسيطرة على المشكلة، وأعدت برنامجاً علاجيا شاملا لتبعاتها، يتضمن أربعة محاور رئيسة:

التحكم في المصادر المغذية للمياه الأرضية

يهدف هذا الاتجاه إلى الحد من تسرب المياه إلى باطن الأرض من المصادر المختلفة، وتشمل الجهود المبذولة لتحقيق ذلك:

  • ترشيد استهلاك مياه الري، وذلك باتخاذ عدد من الإجراءات، أهمها:
    • إصدار تعليمات بتقديم تصميمات لشبكات الري داخل كل منشأة جديدة تحتوى على حديقة تزيد مساحتها عن 50 م2، وإلزام أصحاب المباني القديمة، التي توجد بها حدائق تزيد مساحتها عن 50 م2 بتركيب نظام ري آلي لهذه الحدائق خلال مهلة زمنية مدتها عامين.
    • التأكد من اختيار المناطق التي تتوفر فيها المياه الأرضية، أو محطات تنقية مياه الصرف الصحي لإقامة حدائق عامة، ومساحات خضراء جديدة.
    • إلزام القائمين على المنشآت ذات الخدمات المستقلة، مثل: المستشفيات والجامعات والمجمعات السكنية؛ بالامتناع عن استعمال مياه الشرب لأغراض الري، واعتماد المياه الجوفية والأرضية ومياه الصرف الصحي المعالجة لأغراض الري، مع الحث على توفير محطات خاصة بهذه المنشآت لتنقية مياه الصرف الصحي.
    • مراعاة اختيار النباتات الملائمة للظروف المناخية وطبيعة الأرض، التي تحتاج لكميات قليلة من المياه في جميع المنتزهات والحدائق العامة، وذلك بشكل تدريجي.
  •  تقليل التسربات من البيارات بإقرار برنامج موحد لتوفير المرافق العامة في المدينة، والتي من ضمنها استكمال شبكات الصرف الصحي، حيث سيؤدى تنفيذ شبكات الصرف الصحي إلى التقليل من كمية المياه المتسربة إلى باطن الأرض، كما سيؤدي في الوقت ذاته إلى خفض نسبة المركبات الكيميائية والعناصر البيولوجية في المياه الأرضية، مما يقتل من احتمال تلوث مياه الشرب، ومن تأثير المياه الأرضية على أساسات المباني، وعناصرها الإنشائية الأخرى، وعلى الطرق وشبكات المرافق العامة.
  • ترشيد استهلاك مياه الشرب، وذلك باتخاذ الإجراءات التالية، للحد من كمية المياه المستهلكة، والتي تشمل:
    • الكشف عن التسربات في شبكات مياه الشرب العامة وداخل المباني وعلاجها.
    • إعداد ومراجعة المواصفات الفنية في صناعة جميع أنواع أنابيب المياه، والأدوات الصحية لضمان الكفاءة العالية وترشيد استهلاك المياه.
    • تنظيم حملة إعلامية مستمرة عن طريق وسائل الإعلام المختلفة، لتوعية السكان بأهمية المياه، وأساليب ترشيدها.
    • تحديد أقطار الأنابيب والتوصيلات المنزلية وأحجام عدادات المياه لترشيد استهلاك المياه.
    • إعداد ضوابط لممارسة مهنة السباكة تهدف إلى الرفع من مستواها، ومنع غير المؤهلين فنيا من مزاولتها لحين الانتهاء من مشروع الحرف، الذي تقوم عليه وزارة الشؤون البلدية والقروية بالتنسيق مع وزارة العمل، ووزارة المالية، والمؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني.

خفض منسوب المياه الأرضية إلى مستويات آمنة

يهدف هذه الاتجاه إلى خفض منسوب المياه الأرضية المرتفع إلى مستويات آمنة، تحدد حسب ظروف كل منطقة، حيث بدأت الهيئة في تنفيذ نظم خفض منسوب المياه الأرضية منذ عام 1409 هـ، واكتمل تنفيذ نظم المرحلة الأولى في منتصف عام 1419 هـ. وقد غطت هذه النظم جميع المناطق المتضررة داخل المرحلة الأولى من النطاق العمراني، وذلك عبر شبكات الصرف الأفقية، أو الآبار الراسية التي تجمع المياه الأرضية وتعيد ضخها في شبكات الصرف الصحي أو محطات المعالجة.

وبلغ مجموع أطوال خطوط صرف المياه الأرضية 217 كيلومتراً، كما شملت المشاريع 1680 مصيدة لجمع مياه السيول، وصممت جميع هذه النظم (بنموذج تصميمي موحد) لتعمل كشبكات لتصريف السيول، كما جرى ضمن هذه النظم إنشاء بعض الخطوط الرئيسية لصرف مياه السيول في المناطق البعيدة عن شبكات السيول الرئيسية، وذلك لربط شبكات المياه الأرضية بها.

الوقاية من الآثار الناجمة عن المشكلة

يهدف هذا الاتجاه إلى اتخاذ إجراءات وقائية لحماية المنشآت والمرافق القائمة والمزمع إنشاؤها من آثار ارتفاع منسوب المياه الأرضية. وفي هذه الإطار أصدرت الهيئة مجموعة من الكتب الإرشادية لتصميم وتنفيذ أساسات المباني وخزانات المياه والصرف الصحي وبرك السباحة، وأبرزها:

  • كتاب: (نحو مسكن أفضل)، ويشمل طرائق تنفيذ الأساسات تحت منسوب المياه الأرضية، وطرائق عزل الأقبية والأساسات والعناصر الإنشائية من المياه الأرضية، وتصميم نظم الري في الحدائق الخاصة، وقائمة بالنباتات الملائمة، والاعتبارات التي يجب مراعاتها في تحديد مواقع ومساحات الحدائق ووصف مكونات خلطة التربة المناسبة، وتصميم البيارات بصورة هندسية سليمة، لزيادة كفاءة معدل التسرب منها، وذلك للقضاء على مشاكل طفحها، وطرائق تصميم وتنفيذ السباكة داخل المنازل، مشتملة على رسومات توضيحية، وذلك لتقليل تسربات المياه داخل المنازل.
  • كتاب: (قواعد تصميم وتشغيل أنظمة ضخ وصرف المياه الأرضية وتصميم وتنفيذ أساسات المباني والخزانات الأرضية للمياه وبرك السباحة) ويحتوي على العديد من الرسومات التوضيحية، والشروح التفصيلية، إضافة إلى شروح عن طرائق ترميم وعلاج المباني المتأثرة بارتفاع المياه الأرضية، وقد أوصت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض بتطبيق هذه القواعد.
  • كتاب: (قواعد تأسيس المباني على التربة الحساسة شرقي مدينة الرياض)، ويشمل طرائق فحص الموقع والحفر، واحتياطات عزل الأساسات وتدعيمها، والاشتراطات الخاصة في أعمال السباكة والصرف، كما يحتوي على تفاصيل إنشاء المباني والطرق الواجب اتباعها لتصميم الأساسات في منطقة شرق الرياض.

كما قامت الهيئة بإعداد التصميمات وقوائم الشروط والمواصفات والكميات لنظم خفض المياه الأرضية للعديد من الجهات، منها على سبيل المثال: مستشفى الملك فيصل التخصصي، محطة التوليد الرابعة بالشركة الموحدة للكهرباء بالمنطقة الوسطى، القاعدة الجوية في مدينة الرياض، مستشفى الرياض المركزي، المجمع السكني للشركة العربية للاستثمار. كما تقوم الهيئة بتوفير جميع المعلومات والخرائط والدراسات المتعلقة بمشكلة المياه الأرضية في المدينة للراغبين فيها من الجهات العامة والخاصة.

المراقبة المستمرة لمشكلة ارتفاع منسوب المياه الأرضية تشمل: مراقبة الأضرار الناجمة عن المشكلة، وتقويم الآثار الهندسية الناجمة عن حدوث التغيرات في منسوب المياه الأرضية، وكذلك الحركة الراسية للمباني، ومراقبة كل من منسوب ونوعية المياه الأرضية والمياه السطحية للتعرف على كميات المياه الأرضية المتدفقة بشكل دائم، وكميات السيول الموسمية التي تصرف عبر مخارج السيول الرئيسية التي تصب في وادي حنيفة، إلى جانب تطوير نموذج رياضي إقليمي لمدينة الرياض يهدف إلى التعرف على وضح المياه الأرضية في الوقت الراهن وتقدير وضعها في المستقبل.

تقييم البرنامج العلاجي

لمعرفة فاعلية نظم صرف المياه الأرضية التي تم تنفيذها والبحث عن حلول بديلة ما أمكن مع وضع توصيات بشأن نظم الصرف المستقبلية وأماكن تنفيذها، والتعرف على ما تم تنفيذه من توجيهات الهيئة في هذا المجال، تجري الهيئة دراسات تقويمية مستمرة، تقوم على جمع معلومات عن النظم المنفذة، وتنفيذ أعمال حقلية ومعملية لمشاريع مختارة، تمثل الظروف المختلفة في المدينة، وقد كان اختيار المناطق حسب عدة عوامل، أبرزها:

  • تربة المنطقة وجيولوجيتها٠
  • توفر الصرف الصحي.
  • توفر نظم لخفض منسوب المياه الأرضية فيها وتاريخ تنفيذها.
  • عمق المياه الأرضية.
  • الكثافة السكانية بالمنطقة، وكمية المياه المتوقع استهلاكها.

وباعتبار هذه العوامل فقد تم اختيار عدد من الأحياء لدراستها بالتفصيل وتشمل: (أم الحمام، العزيزية، العريجاء الغربية، طويق، حي الملك فهد، المصيف، المروج، الخالدية، الفيصلية، ظهرة البديعة، الازدهار، حي الوادي).

وتوصل فريق العمل استنادا إلى نتائج دراسة نظم صرفا المياه الأرضية، إلى وضع خيارات ملائمة لخفض منسوب المياه الأرضية في المناطق المختلفة من المدينة مع بعض التوصيات اللازمة لتحسين تصميم نظم صرف المياه الأرضية وتفعيل الإجراءات الوقائية اللازمة.

وبناء على النتائج التي تم الحصول عليها من الجهات المختلفة والإجراءات التي تم اتخاذها من قبل تلك الجهات فيما يختص بمشكلة ارتفاع منسوب المياه الأرضية في المدينة، فقد اتضح أن تنفيذها بفعالية قد أدى إلى التحكم في منسوب المياه الأرضية في عدد من أحياء المدينة، كما أن عدم تطبيق بعض هذه التوصيات قد أدى إلى ظهور المشكلة في عدد من الأحياء الأخرى.

الخطة المستقبلية للمشاريع

في ضوء توصيات الدراسة الحالية لمشاريع خفض منسوب المياه الأرضية تم تقسيم المدينة إلى ثلاث مناطق حسب تكوينها الجيولوجي، وخصائصهاالجيوتقنية، كما تم تقسيم المناطق إلى أجزاء حسبطبوغرافيتهاوأولويتها في توصيل الصرف الصحي كما يلى:

  • المنطقة الأولى:

وهي التي تقع في (منكشف متكون العرب/السلي)، ومن المستبعد أن يمنع نظام الصرف الصحي المغلق في هذه المنطقة ارتفاع منسوب المياه الأرضية، لذا يوصى فيها بالتالي:

في الأجزاء المتعرضة لأخطار السيول، يوصى بتنفيذ نظام مشترك لصرف السيول والمياه الأرضية.

في الأجزاء الأقل عرضة لأخطار السيول، يوصى بتنفيذ نظام لصرف المياه الأرضية فقط، أو نظام صرفا صحي غير محكم، مع مواد ردم منفذة للمياه، بحيث ينقل مياه الصرف الصحي والمياه الأرضية، مع الأخذ بعين الاعتبار زيادة كميات المياه المصروفة للمحطة.

  • المنطقة الثانية:

وهي التي تقع في (متكون الجبيلة)، ويوصى فيها بتنفيذ نظام مؤقت لصرف المياه الأرضية، يصرف على مشروع السيول أو الأودية، بحيث يم استخدامه لاحقا كنظام للصرف الصحي، ويتم تزويده ببحص ترشيح ملائم، مع تزويد المناهل بفتحات لدخول المياه الأرضية، يتم إغلاقها عند استخدام النظام للصرف الصحي.

  • المنطقة الثالثة:

وهى مناطق شرق الرياض ذات تربة عالية الحساسية، فقد أوضحت الدراسات صعوبة تخفيض منسوب المياه الأرضية في تلك المناطق إلى مستويات آمنة (حوالي خمسة أمتار من سطح الأرض) نظراً لطبيعة التربة وخصائصها. لذا؛ فإن الحل المتاح في الوقت الراهن للسيطرة على مشكلة ارتفاع منسوب المياه الأرضية في هذه المناطق يتمثل في:

الإسراع بتنفيذ شبكات الصرف الصحي، مع التحكم الصارم في المصادر المسببة لارتفاع منسوب المياه الأرضية، وتطبيق نظم تأسيس المباني في منطقة شرق الرياض، التي قامت الهيئة بإعدادها، وذلك لحماية المنشآت من آثار هذه المشكلة.

أوضحت الدراسة والزيارات الميدانية للأحياء المتضررة، أن المياه الأرضية قد غمرت بعض الشوارع مسببة الكثير من المشاكل للسكان، التي تتطلب إيجاد حلول عاجلة لها. وقد تم وضع أولويات للمشاريع المستقبلية لخفض منسوب المياه الأرضية وفقاً للمعايير التالية:

  • مستوى المياه الأرضية في المنطقة.
  • درجة الأضرار في المنطقة (خفيفة، ومتوسطة، وعالية).
  • وجود مصرف طبيعي، أو نظام لتصريف السيول بالمنطقة، بحيث يتم صرفا المياه الأرضية إليه.
  • خطة الصرف الصحي للمنطقة.