مساجد الدرعية…قيمة أثرية عريقة ونمط معماري فريد

تمثل المباني التاريخية امتداداً للعمق التاريخي الحضاري للأمم، لكونها إحدى ركائز الاقتصاد السياحي، فالقيمة الأثرية للمبنى تزيد بقدر تعمقه في القدمومحافظتهعلى أصالته وخلوّه من التحسينات والإضافات الحديثة.

وتحمل المساجد التاريخية إلى جانب الأهمية الأثرية، أهمية أكبر وأجل تتمثل في كونها بيوت الله عز وجل، وملتقى أفئدة المسلمين، ومحافل لذكر الله والدعوة إليه سبحانه، ومحتضن حلقات حفظ كتابه الكريم، فالمساجد الأثرية مكنوز محسوس يحمل قيماً معنوية عالية في حياة المجتمعات الإسلامية.

في ضوء ذلك وضعت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض، عمارة المساجد في مقدمة أولوياتها التطويرية، فتبني وترمم وتخطط وتعتني عناية فائقة بالمساجد، فقد أسهمت الهيئة إسهاماً مباشراً في تصميم وبناء وترميم عدد كبير من المساجد التاريخية داخل مدينة الرياض وخارجها، مراعية في إطار ذلك الضوابط الإسلامية في مكونات المسجد، والمحافظة على الطرز العمرانية المحلية والإسلامية، في الوقت الذي صبغت فيه مشاريع هذه المساجد بسحنة من البناء البسيط الخالي من الزخارف، مع الاستفادة من التقنيات الحديثة في البناء.

تنسجم عناية الهيئة بعمارة المساجد، مع الاهتمام الكبير الذي توليه للعناية بالتراث العمراني والمعماري في مدينة الرياض والمحافظة عليه، حيث تزخر المدينة ومحيطها بعدد كبير من المنشآت التراثية التي تعكس أصالتها وعراقتها.

وتعمل الهيئة في هذا المجال في أكثر من اتجاه، من أبرزها:

  • المحافظة على المعالم التراثية بترميمها وإعادة بنائها.
  • استلهام روح العمارة التقليدية في المشاريع العمرانية الحديثة.
  • إجراء الدراسات والبحوث المتخصصة في مجالات التراث.
  • إقامة المعارض المتخصصة في الجانب التراثي.

مساجد تاريخية ذات قيمة عالية

يمثل برنامج تطوير الدرعية التاريخية الذي وضعته الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض، أحد الأمثلة الحية على عنايتها بالتراث العمراني والمعماري بشكل عام، وعمارة المساجد التاريخية بشكل خاص، حيث تحتل الدرعية مكانة بارزة في تاريخ الدولة السعودية الأولى، لما تتوفر عليه من قيمة تاريخية كبرى، وما تحفل به من قدر وافر من المواقع التاريخية والأثرية، تتمثل في عدد كبير من المساجد والمباني التاريخية ذات القيمة العالية، والأحياء القديمة والتراثية والمزارع ذات النمط التقليدي الفريد.

فالدرعية التاريخية التي تقع في الجانب الشمالي الغربي من مدينة الرياض، تتكون من عدة أحياء تاريخية من أبرزها أحياء (الطريف الذي كان مقراً للأسرة الحاكمة للدولة السعودية الأولى، حيالبجيريالذي كان مقراً للشيخ محمد بن عبد الوهاب وأسرته وطلبته وبه مسجده، المريح،الظويهرة، سمحان، السريحة، الظهرة،الروقية،وغصيبة).

وتتميز آثار مدينة الدرعية بكونها نموذجاً للعمران البيئي الصحراوي يدعمها في ذلك المحيط البيئي الحيوي الذي تقع الدرعية فيه والمتمثل في وادي حنيفة وشعابه.

حصر المساجد التاريخية في الدرعية

أحد عناصر برنامج تطوير الدرعية التاريخية، يتضمن حصراً للمساجد التاريخية القديمة في مدينة الدرعية، وإجراء بحث تاريخي بشأنها يشمل توثيق تاريخ هذه المساجد التاريخية من خلال معرفة أسمائها، وتحديد مواقعها، ومساحاتها التقريبية، وتاريخ إنشائها، ووصفها المعماري، إضافة إلى ذكر أبرز الأحداث الدينية أو التاريخية أو الاجتماعية التي شهدتها.

جمع المعلومات حول المساجد التاريخية في الدرعية، اعتمد على مرجعين رئيسيين، أحدهما المقابلات الشفهية مع أعيان وأهالي الدرعية، والآخر من خلال ما كتب حولها من المراجع العلمية التي تطرقت إلى هذا الموضوع.

مساجد الدرعية التاريخية
مسجد الإمام محمد بن سعود جامع الشيخ محمد بن عبد الوهاب مسجد سعد بن سعود
مسجد سمحان مسجدقليقل مسجدغصيبة
مسجد ابن خضير مسجدالجبيبير مسجد الدواسر
مسجد آل ناصر «الروقية» مسجد الرغيبة مسجدالسرحاني
مسجد أم جرار مسجدالسميري مسجد بريكة
مسجد السريحة «ابن عبيد» مسجد الطرفية مسجد الطوالع
مسجد الظهرة مسجدالظويهرة مسجدالعفيري
مسجد العودة مسجد العمارة مسجدالغديفي
مسجد اليوسف «الصبيخة» مسجدالفتيقة مسجد البديعة
مسجد النبهاني «المريغة» مسجد المليحة مسجد المريح
مسجدالمريبيعة مسجد ملوي «ابن حمد » مسجدموضي

واشتمل مشروع حصر مساجد الدرعية التاريخية على 33 مسجداً، معظمها بني بمادة الطين، في حين جرى هدم البقية وأعيد تشيدها ببناء مسلح.

وفيما يلي نبذة عن خمسة من هذه المساجد التي أدرجتها الهيئة ضمن برنامجها لتطوير الدرعية التاريخية:

  • مسجد الإمام محمد بن سعود بالدرعية:

يقع المسجد بجوار قصر سلوى في مدخل حي الطريف، ويطل على أحياءالبجيريوسمحان. وكان المسجد قد شيد أول مرة، في عهد الدولة السعودية الأولى بين عامي 1157 هـ – 1233 هـ، وقد درّس فيه الشيخ محمد بن عبدالوهاب، وكان المسجد منارة للدعوة السلفية ومركز إشعاع علمي للطلاب.

أما الوصف المعماري للمسجد فينقسم إلى قسمين: القسم الأول، ويحتوي على أطلال المسجد القديم، كالأعمدة وأجزاء من القوس والجدران. أما القسم الثاني، فيحتوي على المسجد القائم حالياً الذي تم تجديده بمادة الطين ويتكون من عدة أجزاء هي:

  • الرواق أو (المصلّى الداخلي): ويأخذ الشكل المستطيل، وللمسجد رواقان موازيان لجدار القبلة، وبه صف من الأعمدة المستديرة، تعلوها تيجان حجرية (قنايعحجرية) تحمل السقف، كما يحتوي جدار القبلة على المحراب.
  • الفناء (السرحة الخارجية): وهو الفناء الذي يربط بين المصلّى الداخلي والخلوة، ويأخذ الشكل المستطيل.
  • الخلوة: وتأخذ شكلاً مستطيلاً تحت سطح الأرض، ويتم الدخول إليها بواسطة درج خاص، وتستخدم الخلوة للصلاة في وقت الشتاء، ولها رواقان بينهما صف من الأعمدة، كما تحتوي على محراب.
  • جامع الشيخ محمد بن عبدالوهاب:

يقع الجامع وسط مدينة الدرعية في حيالبجيريمقابل حي الطريف على ضفة وادي حنيفة، ويرجع تاريخ إنشائه إلى أيام الدولة السعودية الأولى (1157 – 1233 هـ) وشيد المسجد حينها بالطين وبُنِي أساسه من الحجر.

يحتوي الجامع على مصلّى داخلي وسرحة خارجية وخلوة مساحتها نحو 1500 متر مربع ومحراب في وسط جدار القبلة ومئذنة، كما وجد بجانبه مسقاة للوضوء والاستخدامات الأخرى من قبل أهالي الحي.

وقد أعيد بناء الجامع بالخرسانة المسلحة منذ 40 عاماً، إلى أن تم إعادة بنائه مرة أخرى بالخرسانة المسلحة على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز، رحمه الله.

يأخذ الجامع حالياً طابع العمارة التقليدية في مدينة الدرعية، كما يعد الجامع بديلاً لمسجد العيد الواقع وسط الوادي في وقت سقوط الأمطار.

ومنذ تشييده كان الجامع يضم مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم، واكتسب شهرته بتدريس العلوم الدينية التي كان يلقيها الشيخ محمد بن عبدالوهاب، رحمه الله، حيث كان الطلاب يتوافدون إليه طلباً للعلم من كل من الرياضوالعيينةوحريملاء وعرقة.

وقد أم بالجامع بعد الشيخ محمد بن عبدالوهاب، كل من ابن سلطان وابن داوود والدوسري والأمير الشيخ عبدالرحمن بن مبارك وآخرهم عبدالرحمن بن عيسى، رحمهم الله.

  • مسجد الدواسر:

يقع هذا المسجد جنوب مدينة الدرعية قرب حي المريح على مساحة تقدر ب120 متراً مربعاً على ضفة وادي حنيفة. وبني المسجد بالطين وأساسه من الحجر. ويتكون من مصلّى داخلي، وسرحة خارجية ومحراب، إضافة إلى مئذنته. كما يوجد إلى جوار المسجد مسقاة للوضوء والاستخدامات الأخرى، وقد تم ترميمه قبل نحو 10 سنوات.

  • مسجد السريحة أو (مسجد ابن عبيد):

يقع هـذا المسجد على مساحة تتراوح ما بين 200 إلى 250 متراً مربعاً وسط مدينة الدرعية في حي السريحة، ويقع إلى ج واره مسجد العيد أسفل آثار حي الطريف في وسط وادي حنيفة، ويرجع تاريخ إنشائه إلى الدولة السعودية الأولى.

مسجد السريحة مشيد حالياً بالطين، ويتكون من مصلّى داخلي، وسرحة خارجية، وخلوة ومحراب ومئذنة. ويوجد إلى جوار المسجد بئر ماء للسقيا والوضوء واستخدامات الأهالي الأخرى.

  • مسجدالظويهرة:

يقع هذا المسجد على مساحة تقدر بـ300 متر مربع في وسط مدينة الدرعية في حيالظويهرةالذي يعد أكبر أحياء الدرعية، ويرجع تاريخ إنشائه إلى أيام الدولة السعودية الأولى.

والمسجد مشيد حالياً بالطين والحجر وسقفه من خشب الأثل الذي يرتكز على أعمدة حجرية مكسية بالجص فوقها (قنايع) حجرية على شكل عقود مثلثة، ويحتوي على مصلّى داخلي وسرحة خارجية وخلوة ومحراب ومئذنة، ويوجد إلى جواره بئر ماء للسقيا والوضوء والاستخدامات الأخرى.

رمم المسجد منذ نحو 60 عاماً، وألحقت به حلقة لتحفيظ القرآن الكريم، ويوجد بجوار المسجد من الجهة الغربية (سوق الجماعة) لتجارة المواشي والأخشاب. ويتبع المسجد ما يُسمّى محلياً (بالحويط) وهو عبارة عن بستان صغير يوجد فيه نخل يعود ريعه للأوقاف.

الدرعية…مركز ثقافي وسياحي في إطار عصري

من الجدير بالذكر، أن المحافظة على المقومات التاريخية والبيئية والسكانية والعمرانية في الدرعية التاريخية، استدعى من الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض، وضع خطة تنفيذية تهدف إلى إعادة إعمار الدرعية التاريخية وتحويلها إلى مركز ثقافي وسياحي على المستوى الوطني وفقاً لخصائصها العمرانية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية في إطار عصري.

واشتملت هذه الخطة، التي تم إعدادها بالتنسيق مع الهيئة العليا للسياحة ومحافظة الدرعية وبلدية الدرعية، على ثلاث مراحل شارك في تنفيذها إلى جانب اللجنة التنفيذية كل من القطاع الخاص والأهالي وبعض الجهات الحكومية ذات العلاقة.

وعلى ضوئها سيتم نقل الدرعية من وضعها الحالي إلى مصاف المدن التراثية العالمية التي تستند إلى مقومات تاريخية وبيئية، مما يمكن من تسجيل الدرعية التاريخية ضمن قائمة التراث العالمي.