منظمة العواصم والمدن الإسلامية تحتفي بمشروع مسجد المدي في الرياض

حصلت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض على الجائزة الأولى لمنظمة العواصم والمدن الإسلامية في دورتها السابعة 1428 هـ / 2007 م للمشروعات والخدمات البلدية، عن مشروع مسجد المدي الذي أنشأته الهيئة في مركز الملك عبدالعزيز التاريخي.

وجرى تسليم الجائزة في حفل افتتاح المؤتمر العام الحادي عشر للمنظمة الذي عقد في العاصمة التركية أنقرة خلال الفترة من 3 – 5 جمادى الثانية 1428 هـ.

يعد مسجد المدي الذي يقع على طريق الملك فيصل في الجزء الشرقي من مركز الملك عبدالعزيز التاريخي بحي المربع وسط مدينة الرياض؛ من أوائل المنشآت المعمارية في المملكة التي يتم فيها تطبيق التقنيات الحديثة في أساليب البناء باستخدام مواد طينية محلية (الطين المضغوط)، حيث يأتي استخدام الهيئة لهذه التقنية في بناء هذا المسجد في معرض اهتمام الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض بالإفادة من التقنيات التي تيسر الاستفادة من المواد المحلية في البناء مع تطوير طريقة تصنيعها، خاصة وأنها أثبتت جدواها الاقتصادية ومرونتها التنفيذية وكفاءتها التشغيلية بما يعود بالنفع على قطاع الإنشاءات والعمران، ويسهم في دعم مسيرة التطوير الحضري لمدينة الرياض.

واعتبر في تصميم المسجد تناسبه مع المستوى العمراني الذي تتمتع به منشآت مركز الملك عبدالعزيز التاريخي، إذ حافظ المسجد على كافة عناصر عمارة المساجد المحلية، من وجود الفناء (السرحة) ودرج المئذنة، إضافة إلى بعض العناصر الجمالية المشابهة لـ(المداير) في العمارة المحلية.

المدي…مبرة لسقيا الماء

يتسع مسجد المدي الجديد لنحو (500) مصلي، ويخدم المناطق المحيطة بشرق مركز الملك عبدالعزيز التاريخي والعابرين لشارع الملك فيصل والمتنزهين في تلك المنطقة. وقد أقيم في موقع المسجد القديم الذي يعود تاريخه إلى عام 1362 هـ تقريباً.

وقد سمي بـ(المدي)؛ لأنه موقع مبرة للسقيا يتكون من عدد من آبار المياه، أمر بحفرها الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبد الرحمن رحمه الله، يتزود منها سكان الرياض القديمة بالمياه، إضافة إلى مجمع قصور المربع المجاورة للموقع، إذ لم تكن في الرياض آنذاك شبكة لمياه الشرب، وكانت إقامة موقع المدي من أشهر مبرات الرياض الخيرية لسقيا الناس حينها.

وكان موقع المدي يقع على حافة طريق يعرف بـ(سكة المربع)، وهو طريق رصف بالحجارة عام 1360 هـ، تحيط به أراض مزروعة بمزروعات شتوية (البر والشعير)، ويقابله من جهة الشمال الغربي حي (الشمسية )، ومن الشرق قصر المربع، ومن جهة الجنوب قصر (خزام) للأمير فيصل بن سعد بن عبد الرحمن رحمه الله، وكان بالقرب من المدي أرض فضاء (صحراء) كانت تقام فيها العروض الشعبية وسباقات الخيل ويحضرها الضيوف الرسميون للمملكة.

ومع مرور الوقت اندثر الموقع بعد أن أفاء الله بمصادر متعددة للمياه تتناسب وحجم تلك الأراضي واحتياجاتها، وبقي مسجد المدي القديم في موقعه إلى حين افتتاح مركز الملك عبدالعزيز التاريخي في عام 1419 هـ، حيث جرى هدم المسجد ضمن مشروع تطوير الواجهة الشرقية للمركز؛ ليعاد بناؤه مرة أخرى في موقعه القديم مع زيادة مساحته وحجم مبانيه، بحيث أصبح يقع على الضفة الغربية لشارع الملك فيصل؛ ليكون قريباً من المارة والعابرين، ويصبح ثاني مساجد المركز التاريخي بعد جامع الملك عبدالعزيز.

عمارة تقليدية متجددة

يظهر طابع العمارة التقليدية جلياً في مسجد المدي الجديد، وذلك ابتداءً من شكله الخارجي الذي تكسوه مادة الطين، وامتداداً لتخطيط المسجد، ويختلف في أسلوب بنائه عن البناء الحديث، بعدم استخدام الأعمدة الخراسانية، وصولاً إلى الأعمدة والعقود والقباب، واستخدام الخشب الذي يضفي طابعاً خاصاً للمسجد يميزه عن بقية المساجد الحديثة في المدينة.

يتكون المسجد الذي تبلغ أبعاد مصلاه 25 متراً مربعاً 14 × متراً مربعاً بارتفاع ستة أمتار، ويتشكل المصلى المسقوف من أربعة أروقة متوازية مع جدار القبلة، يرسم ملامح هذه الأروقة مجموعة أعمدة بنيت بالطوب المضغوط بالنمط التقليدي ترتبط مع بعضها الآخر بأقواس طينية.

ولتمييز مكان الإمام فقد سقف بقبة عالية يصل ارتفاعها إلى (9) أمتار تقريباً، إضافة إلى إقامة ثلاث قباب أخرى تعلو مداخل المسجد الداخلية، فيما سقفت أروقة المسجد بـ(10) قباب تتخللها فتحات للإنارة الطبيعية.

مئذنة المسجد بنيت بالطوب الطيني المضغوط، وتم تسقيفها أيضاً بالقباب بارتفاع يصل إلى (18) متراً، ووزن يبلغ (180) طناً.

وبما يتفق مع تخطيط المساجد التقليدية في المنطقة، أضيف إلى المسجد صحن خارجي بنيت جدرانه الخارجية بعروق التربةالمدكوكبأبعاد تبلغ 21 متراً 14 × متراً.

وللمسجد ثلاثة أبواب، يقع الرئيسي منها في الجهة الشرقية، بحيث يطل على شارع الملك فيصل، أما الباب الثاني ففي الجهة الجنوبية تحت المئذنة ويفضي إلى حديقة المدي المجاورة للمسجد وإلى دورات المياه والمرافق، فيما يقع الباب الثالث في الجهة الشمالية للمسجد.

ولإضفاء طابع العمارة المحلية على المسجد، فقد جرى استخدام كافة مفردات العمارة التقليدية في بناء المساجد، والمتمثلة في النوافذ والأبواب الخشبية المزخرفة (الحداير)، وامتد ذلك على الأبواب الحديدية التي ظهرت وكأنها تحاكي الأبواب الخشبية، كما أحيطت الأعمدة الداخلية بأحزمة من الزخارفالجبسيةالتقليدية.

بناء المسجد تطلب تصنيع أكثر من 161 ألف طوبة من الطين بأشكال ومقاسات مختلفة لتفي بمتطلبات التصميم المعد للمسجد، وجرى إنتاج كافة مكونات المسجد وفق معايير دقيقة لإنتاج طوب مضغوط يمتاز بقوة عالية ومقاومة دائمة للمياه.

وحدة متخصصة للبناء بالطين

سعت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض إلى الاهتمام باستخدام المواد المحلية في البناء؛ عبر توثيق ونشر وتطوير هذه التقنيات، ومنها: البناء بالطين لكافة المختصين والمهتمين؛ من خلال إنشاء وحدة متخصصة بالبناء بالطين، تهدف إلى الاهتمام بالبناء بالطين والمواد المحلية من كافة الجوانب العمرانية والتقنية والاجتماعية والاقتصادية والإعلامية وغيرها.

رسالة الوحدة تتمثل في تطوير وتوثيق ونشر وترويج كل ما من أشنه أن يسهم في الاهتمام بالبناء بالطين والمواد المحلية، ويساعد على إعادة بعث هذه التقنيات، حيث تقوم الوحدة بتقديم الاستشارات والإرشادات والتدريب للمهتمين والعاملين في حقل البناء بالطين وبجميع المواد المحلية المناسبة، فضلاً عن تطوير البناء بالمواد المحلية، والمحافظة على البيئة، ومصادر الطاقة غير المتجددة، وتحقيق التنمية المستدامة.

وتتفرد الهيئة بتأسيس هذه الوحدة المتخصصة التي تفتقر إليها دول الشرق الأوسط، لذا تسعى الهيئة لكي تكون الوحدة مرجعاً في هذا الشأن، ليس على مستوى المملكة فحسب، بل على مستوى المنطقة، وتعمل على تشجيع البرامج الوطنية للبناء بالطين، وتكون بمثابة مركز لتوثيق المعلومات الفنية المتعلقة بالبناء بالطين والمواد المحلية، وتتولى توفير المعلومات والتقنيات بصورة منهجية للمستخدمين والمهتمين.

وفي ضوء ذلك؛ نظمت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض في شهر صفر من عام 1427 ه؛ دورة تدريبية عن استخدام الطوب الطيني المضغوط، استهدفت المهندسين والمهتمين بالعمارة والبناء بالمواد المحلية التقليدية، وذلك ضمن إطار الأنشطة العلمية للوحدة بهدف تطوير تقنيات البناء بالطين والمواد المحلية، وتشجيع استخدامها كمادة بناء محلية، وشارك في الدورة (27) مهندساً معمارياً من منسوبي كليات العمارة في الجامعات السعودية، والمهتمين من الجهات الحكومية والقطاع الخاص.

الطين…أقدم مواد البناء

تعد مادة الطين من أقدم مواد البناء التي عرفها الإنسان واستخدمها عبر العصور التاريخية المختلفة، وشاع البناء بهذه المادة في معظم بلاد العالم، خاصة في المستوطنات العمرانية القريبة من الأودية والأنهار، أو التي تقع على سفوح الجبال أو وسط الواحات، وغيرها من الأماكن التي تتوفر فيها التربة الصالحة للبناء.

وأدى التطور الصناعي الذي شهده العالم إلى الحد من استخدام المواد المحلية في البناء في كثير من البلدان، خاصة التي شهدت نهضة عمرانية كبيرة، كما هو الحال في المملكة ودول الخليج العربية.

استعادت مادة الطين في الوقت الحاضر اهتمام المجتمعات كأبرز المواد المحلية في كثير من دول العالم، لما تتمتع به من العديد من المميزات التي من أبرزها وفرتها، حيث يحظى البناء باستخدام المواد الطبيعية المحلية باهتمام متزايد في العالمين الصناعي والنامي على حد سواء، ويرجع ذلك للإيجابيات المتعددة في هذا التوجه على كافة المستويات البيئية والاقتصادية والاجتماعية، إذ يعد أسلوب البناء بالطوب الطيني المضغوط أحد أبرز التقنيات الحديثة للبناء باستخدام التربة.

المملكة العربية السعودية تمتلك رصيداً تاريخاً كبيراً ومتنوعاً في استخدام المواد المحلية في كافة المناطق، إلا أن هذا الإرث أصبح عرضة للتلف والإهمال خلال العقود القليلة الماضية؛ نتيجة للتنمية العمرانية السريعة التي مرت بها المملكة، مما أدى إلى توقف تطور أساليب البناء، ومن ثم ضياع عقود من الخبرة التراكمية المتوارثة عبر الأجيال.

مزايا الطوب الطيني

يعد أسلوب البناء بالطوب الطيني المضغوط أحد أبرز التقنيات الحديثة للبناء باستخدام التربة، وقد بدئ استخدام الطوب الطيني المضغوط في الخمسينيات من القرن الماضي في إطار مشاريع التنمية في أمريكا اللاتينية، وفي السبعينيات الماضية بدأ انتشار كبير لاستخدام هذه النوعية في كثير من المنشآت في القارة الإفريقية، ليصبح من أهم المواد المستخدمة في بناء مساكن ومراكز تدريب وجامعات ومنشآت حكومية وخاصة.

ويتميز الطوب الطيني المضغوط بقلة تكلفته من حيث النقل والثمن، وببساطة التقنية المستخدمة باستخدام التربة المحلية، مما يتيح التأقلم مع العوامل المناخية والاقتصادية والاجتماعية للمنطقة، كما يتيح استخدام عمالة محلية، ويتميز بـإمكانية إعادة تصنيعه في حالة الكسر والفقد.

وتتكون التربة المستخدمة في عمل الطوب الطيني المضغوط من أربعة أنواع من التربة، هي: (التربةالبحصية، التربة الرملية، التربةالغرينية، والتربة الطينية).