الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض…ملامح مختصرة من منهج العمل وأسلوب الإدارة

قدم المهندس عبداللطيف بن عبدالملك آل الشيخ عضو الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض ورئيس مركز المشاريع والتخطيط بالهيئة؛ ورقة العمل التي شاركت بها الهيئة لتطوير مدينة الرياض، حول تجربتها في إدارة المشاريع وأسلوبها في الإدارة، في المؤتمر الثاني لإدارة المشاريع الذي نظمته الهيئة السعودية للمهندسين في مدينة الرياض، خلال الفترة من 28 ربيع الأول إلى الأول من ربيع الثاني 1429 هـ.

وطرحت ورقة عمل الهيئة رؤيتها وأهدافها الرامية إلى تحقيق التطوير الشامل لمدينة الرياض في المجالات كافة، ومناهج العمل الرئيسية في الهيئة على مستويات المدينة والمؤسسة والمشاريع، مستعرضة بإيجاز تجربة الهيئة في إنشاء وتشغيل وإدارة مركز الملك عبدالعزيز التاريخي بوصفه حالة دراسية، ونوهت إلى أن ما تقدمه قيادة هذه البلاد المباركة – بعد توفيق الله – من دعم ومساندة لجميع مؤسسات الدولة، ومن ضمنها الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض؛ يشكل العامل الأكبر – بعد توفيق الله – في قيام هذه المؤسسات بدورها تجاه الوطن والمواطن.

فقد حظيت الهيئة – بتوفيق الله – بقيادة فذة، من لدن رئيسها صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله، الذي أدار مشروعاً عملاقاً عنوانه: مدينة الرياض، الحاضرة العالمية، والتي اختصرت منجزات المدن، واصطفت في الخط الأول إلى جوار الحواضر العالمية الكبرى.

كما يمثل الدور المساند لصاحب السمو الملكي الأمير سطام بن عبدالعزيز نائب رئيس الهيئة؛أنموذجاًلتكامل القيادة، حيث يتولى – حفظه الله – المسؤولية المباشرة لبعض اللجان العليا في الهيئة، المعنية بإدارة بعض أهم القضايا في واقع المدينة، كاللجنة العليا لحماية البيئة، واللجنة العليا للسلامة المرورية.

تأسيس الهيئة

جاء تأسيس الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض عام 1394 هـ، بقرار صادر من مجلس الوزراء الموقر بهدف إيجاد سلطة عليا تتولى مسؤولية التطوير الشامل لمدينة الرياض، بأبعاده الحديثة، من خلال قيادة محركات النمو في المدينة نحو رؤية مستقبلية واعدة، توفر لجميع القطاعات الحكومية العاملة في المدينة مرجعية تخطيطية مشتركة، تنطلق منها جميع أعمال هذه الجهات في المدينة، بما يضمن زيادة فاعلية أعمالها في تحقيق احتياجات المدينة، والتنسيق بينها، لذلك تشكلت الهيئة من القطاعات الحكومية ذات العلاقة، والقطاع الخاص، والأهالي.

وقد جاء تأسيس مركز المشاريع والتخطيط في عام 1403 هـ وهو الجهاز التنفيذي الإداري والفني للهيئة، ليتولى تنفيذ أهدافها وسياساتها من خلال برامج عمل تشمل: إجراء الدراسات الشاملة عن مختلف جوانب المدينة، وتوفير قواعد معلومات واسعة متجددة، وإعداد الخطط التطويرية بعيدة المدى، والمخططات الهيكلية، وتوفير ذلك لجميع الشركاء في تطوير وتنمية المدينة، والتنسيق بينهم، وإضافة إنشاء المشروعات التطويرية المختلفة.

استقطاب الكوادر والمعلومات

عمل الهيئة يرتكز للقيام بهذه المهام على أساسين مهمين، هما:

أولاً: الكوادر البشرية، التي تشكل الاستثمار الحقيقي للهيئة، حيث هدفت الهيئة إلى توطين كل جوانب العملية التطويرية، من خلال تأهيل الكوادر الوطنية عبر برامج التدريب المستمر، والتدريب على رأس العمل، وإتاحة الفرصة لتلك الكوادر لتولي المسؤولية، وقيادة الأعمال، ومساندتهم بالخبراء والمستشارين، والتقويم المتواصل.

ثانياً: المعلومات الشاملة المحدثة بصورة مستمرة، والتي تمثل المعيار الأساس في إعداد الخطط، وصناعة القرارات، حيث تمثل هذه المعلومات المرحلة الأولى في كل أعمال الهيئة وبرامجها، ويتم توفيرها لجميع الجهات العاملة في المدينة للإفادة منها.

وتحرص الهيئة على إظهار تلك المعلومات عبر كل الوسائل المتاحة، كقواعد البيانات التخصصية، والخرائط الرقمية، والتطبيقات الحديثة، ونشر تلك المعلومات على أوسع نطاق.

مبادئ أساسية في العمل

بالرغم من تنوع عمل الهيئة، وتعدد أعماله ومشاريعه، إلا أنه يتضمن مبادئ أساسية، تشكل سمة وقاسماً مشتركاً في أعمالها. أبرز هذه المبادئ:

الأول: يتمثل في تمحور أعمال التطوير حول خدمة الإنسان، الذي توجه الجهود نحوه، والاهتمامُ به يأخذ أبعاداً مختلفة، حيث تسعى الهيئة دوماً لاستجلاء تصورات السكان من كل الفئات والأعمار، والتعرف على تطلعاتهم، فيما يتعلق بمستقبل مدينتهم، وقد تم استيعاب تلك الرؤى والتصورات، لتنعكس في الرؤية المستقبلية للمدينة ضمن المخطط الاستراتيجي الشامل لمدينة الرياض.

بُعدٌ آخر يتمثل في الرصد الدقيق لاحتياجات السكان، من خلال الدراسات الميدانية المتواصلة وورش العمل المستمرة، التي تؤسس لكل ما يتم إعداده من خطط مستقبلية للقطاعات كافة، فعلى سبيل المثال: شهدت المراحل الأولى من دراسة القطار الكهربائي نموذجاً من نماذج العمل بهذا المنهج حيث كان لرأي الجمهور المستفيد الذي قيس من خلال المقابلات والاستبيانات؛ أثر في التصميم المقترح لهذه الخدمة.

ويتمثل بعدٌ ثالث في تطوير البيئة الحضرية من خلال توفير: الساحات والميادين العامة، والعناية بتنسيق المواقع والتشجير وحركة المشاة، ونظافة البيئة، والسلامة المرورية، وغير ذلك.

فاستكمال متطلبات الأداء الإنساني الإيجابي يمثل حقاً مكتسباً للإنسان الذياستخلفهالله في الأرض، واستعمره فيها، وسخر الكون لخدمته في هذه المهمة.

المبدأ الثاني: احترام البيئة الطبيعية للمدينة، التي تشكل أحد متطلبات التطوير على مستوى التخطيط الاستراتيجي، وعلى مستوى المشاريع، وهي في مدينة الرياض تتسم بأهمية مضاعفة، نظراً للحساسية الشديدة للنظام البيئي الصحراوي، وقد خصص المخطط الاستراتيجي الشامل لمدينة الرياض قسماً رئيسياً مستقلاً لقطاع البيئة، كما أخذت المتطلبات البيئية وزنها الضروري في بقية الخطط القطاعية، ضمن المخطط الاستراتيجي، وكذلك المشاريع التطويرية.

وقد بدأ العمل مؤخراً في برنامج شامل لحماية البيئة في مدينة الرياض، تشارك فيه جميع الجهات ذات العلاقة المباشرة، وغير المباشرة بالبيئة، ويعدّ العمل الذي يُنفذ حالياً في وادي حنيفة من أهم مشروعات التأهيل البيئي.

المبدأ الثالث: يتمثل في إبراز الهوية المحلية عبر عدة محاور، منها: المحافظة على التراث العمراني والثقافي، من خلال ترميم المنشآت التراثية؛ كما حصل في المصمك وقصر المربع وأجزاء من سور الرياض وبواباتها، أو إعادة تأهيلها وتوظيفها؛ كتطوير الدرعية التاريخية، وتوظيف تلك المنشآت في خدمة المجتمع من خلال العمل المؤسسي، والأنشطة الثقافية، والتراثية المناسبة؛ مثل: متاحف الدرعية التاريخية، ومؤسساتها الثقافية، ومتحف المصمك، وقاعات العروضالمتحفيةفي قصر المربع.

كما تم إبراز الهوية المحلية من خلال استلهام روح العمارة المحلية في تأسيس مقرات المؤسسات الوطنية والثقافية، مثل: مبنى قصر الحكم، وجامع الإمام تركي بن عبدالله، والمتحف الوطني، ودارة الملك عبدالعزيز، وقصر طويق.

وكذلك من خلال العناية بالتراث الثقافي الاجتماعي، كتطوير حي الدحو التراثي، وسوق الزل، وساحات وسط المدينة التاريخية وميادينها.

تنوع في مستويات المهام

إن قيام الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض بمهمة التطوير الشامل للمدينة يضع أمامها طيفاً واسعاً من المهام، فالهيئة تمارس تنوعاً في مستوى التخطيط، يمتد من مستوى التخطيط الحضري الإقليمي، كالمخطط الاستراتيجي الإقليمي لمنطقة الرياض، إلى التخطيط الحضري على مستوى المدينة، كالمخطط الاستراتيجي الشامل لمدينة الرياض، ثم التخطيط على مستوى قطاعات المدينة، كتخطيط المراكز الفرعية، والضواحي الجديدة، وتطوير وسط المدينة، وشبكة الطرق، ووسائط النقل العام المستقبلية، وغير ذلك.

إضافة إلى بناء المنشآت الحضرية، وتشغيلها، مثل مركز الملك عبدالعزيز التاريخي، وحي السفارات، وقصر الحكم، ووادي حنيفة، وغيرها.

كما تمارس تنوعاً في طبيعة المشاريع لتشمل: مشاريع التطوير العمراني والثقافي؛ كتطوير الدرعية التاريخية، وتطوير المرافق والخدمات؛ كتطوير قطاع النقل، وتشغيل المنشآت الحضرية؛ كإدارة منطقة قصر الحكم، وحي السفارات، ومركز الملك عبدالعزيز التاريخي، بالإضافة إلى برامج التطوير الاقتصادي، والاجتماعي.

ولا يقتصر الأمر على ذلك بل يمتد ليشمل مواجهة القضايا الكبرى في واقع المدينة، التي تتشعب متطلبات إدارتها وتنسيق أعمالها خارج نطاق عمل جهة محددة، ومن ذلك: قضايا حماية البيئة، والسلامة المرورية، والأمن الحضري، وقضايا التنمية الاجتماعية، التي تشمل استراتيجيات مكافحة الفقر والقضاء على البطالة.

يصاحب هذا التنوعَ في المهام والمستويات والاختصاصات تنوعٌ في الشركاء، يشمل المؤسسات الحكومية، والمؤسسات العامة، والمنظمات الدولية، والقطاع الخاص.

ولتحقيق أكبر قدر ممكن من الكفاءة، والحد من التكاليف، وتضخم الأجهزة التنفيذية، والقدرة على القيام بهذا التنوع لكبير من المهام؛ اتبعت الهيئة صيغاً منهجية مرنة، لتتمكن من التعامل بفاعلية مع شركائها على مستوى المدينة، والقيام بمهامها التنفيذية المتنوعة.

تطوير مدينة

فعلى مستوى المدينة تمارس الهيئة دورها الذي يتمثل في توجيه محركات النمو للعمل وفق خطة عمل موحدة لتطوير المدينة، وتقديم الدعم والمساندة، وذلك من خلال المفاهيم التالية:

أولاً: الشراكة في الأهداف، كمفهوم منظم وموثِّق للعلاقة بين الجهة التخطيطية والجهات التنفيذية، بما يضمن استيعاب مناهج عمل هذه المؤسسات، وإشراكها في تطوير الحلول، وبالتالي زيادة كفاءة تنفيذ الخطط، وتسهيل مهام التنسيق والمتابعة، ويعكس مجلس الهيئة هذا الإجراء، فمجلسها مشكل من 18 عضواً من الجهات الحكومية ذات العلاقة وممثلي القطاع الخاص والأهالي، كما تعمل تحت مظلة الهيئة لجان عليا تستوعب شركاء آخرين، مثل: اللجنة العليا لتطوير الدرعية، واللجنة العليا لتطوير متنزه الثمامة، واللجنة العليا للسلامة المرورية، واللجنة العليا لحماية البيئة.

ثانياً: صياغة رؤية مستقبلية للمدينة، انطلاقاً من المقومات الاستراتيجية التي تمتلكها، واعتباراً لاحتياجاتها المستقبلية، والفرص المتاحة. وقد أسهمت في بلورة هذه الرؤية جميع الجهات العاملة في المدينة، وعكست المشاركة الجماعية، والمفهوم الشامل للتطوير.

ثالثاً: وضع خطط موحدة عامة تمثل الأساس للجهات كافة في وضع خططها التفصيلية وتنفيذها. يتم تحديثها دورياً لاستيعاب المستجدات، فالمخطط الاستراتيجي الشامل لمدينة الرياض يشكل مظلة الأعمال التنمية والتطوير في المدينة.

يشتمل على مخططات هيكلية، وسياسات قطاعية، وإدارة حضرية، ويتضمن 58 برنامجاً تطويرياً تنفيذياً، شملت القطاعات التنموية كافة في مدينة الرياض، جرى تحويلها إلى خطط تنفيذية خمسية، يتم تنفيذها من قبل المؤسسات العاملة في المدينة، وتراجع وتحدث دورياً.

رابعاً: وضع القضايا الكلية في تطوير المدينة ضمن إطار شمولي، يستوعب جميع العوامل المؤثرة بشكل مباشر، وغير مباشر في منظومة الحل، وتحديد أدوار الجهات ذات العلاقة بالقضية بدقة، وضمن خطة عمل يقوم على تنفيذها الجميع، ومن ذلك على سبيل المثال: استراتيجية السلامة المرورية التي لا يقتصر حل مشكلتها في المدى البعيد على مجرد تطوير الأنظمة المرورية، وزيادة كفاءة أجهزتها فقط، وإنما يتجاوزه ليشمل الجوانب الطبية، والهندسية، والتربوية، والإعلامية.

والسلامة المرورية جزء من قضية الإدارة المرورية التي تقوم على توظيف مرافق النقل بكفاءة عالية، والمواءمة بين شبكة النقل وتصميمها وبين متطلبات تشغيلها وإدارتها، وكل هذه المتطلبات تتطلب برامج بعيدة المدى لتحقيق أهدافها.

خامساً: التنسيق، والمساندة بكل أشكالها: التخطيطية، والفنية، والإدارية، والمتابعة، وتقويم الأداء والمشاريع، وتحديث الخطط.

منهجية الأداء المؤسسي

أما على المستوى المؤسسي فإن أسلوب إدارة الأعمال والمشاريع يأخذ سماتٍ تركز على التكامل والتنسيق بين المهنيين العاملين في الهيئة بمختلف تخصصاتهمومرجعياتهمالإدارية، ومن أبرز هذه السمات:

  • تكوين الإدارات العضوية الأساسية التي تغطي جميع عناصر التخطيط الحضري، والقيام بالمشاريع الحضرية الكبرى، ويشمل ذلك: إدارة للتخطيط الحضري الاستراتيجي، وإدارة لتنفيذ المشاريع، وإدارة للتطوير العمراني والثقافي، وإدارة للبحوث والدراسات، وإدارة لتقنية المعلومات الحضرية، وإدارة لحماية البيئة، وإدارة للمنشآت الحضرية، وإدارة للتشغيل والصيانة، وغيرها. تقوم هذه الإدارات بمهام أساسية في مجال تخصصها، تجعلها مرجعية للمؤسسة في مجالها، بالإضافة إلى قيامها بمهام مشتركة في إدارة الأعمال والمشاريع.
  • الإدارة المشتركة للمشاريع، فكل مشروع يُكوَّن له فريق خاص بإدارته يتولى قيادته أقرب الكفاءات إلى الجوانب الأساسية في المشروع، وتمِدُّه بقية الإدارات بالكوادر اللازمة. كما يتاح للفريق الاستعانة بالكفاءات المناسبة والضرورية من خارج الهيئة، فمثلاً هناك فريق لإدارة مشروع التأهيل البيئي لوادي حنيفة، وآخر لتطوير طريق الملك عبدالله، وثالث لمشروع تطوير الدرعية التاريخية، وقد تتعدد مسؤولية الفرد الواحد ضمن أكثر من مشروع، ووَفْق مستويات إدارية مختلفة.
  • يتاح في إدارة المشاريع المشتركة بين الهيئة وشركائها من الجهات والمؤسسات الحكومية، لفرق العمل والإدارات المختلفة بالهيئة الاتصال المباشر بالإدارات المشابهة لها في المؤسسات المشاركة في المشروع، مستندين على صلاحيات مقنّنة في اتخاذ القرار بما يضمن انسيابية العمل في مراحل تطوير المشروع المختلفة.
  • الاستفادة من الخبرات المتخصصة من خارج الهيئة كلما دعت الحاجة، وإشراكها ضمن فرق العمل المختلفة، هذه الخبرات تعين على رفع مستوى الكوادر الوطنية، وتسهم في نقل أحدث الأفكار والتجارب العالمية.

إدارة المشاريع الإنشائية

تمثل إدارة المشاريع الإنشائية حالة مركزة من المنهجية المؤسسية في الهيئة، تتمثل أبرز جوانبها فيما يلي:

  • التعاطي مع المشاريع على اختلاف أنواعها يتم في إطار تحقيق متطلبات التطوير الشامل للمدينة، فعلى سبيل المثال: تحرص الهيئة عند تنفيذها للمشاريع الإنشائية على تحقيق متطلبات التطوير الأساسية في الجوار المحيط بالمشروع، والمدينة بشكل عام، ومن ذلك توفير مناطق مفتوحة عامة في كل مشروع بقدر الإمكان، كما تم في مشروع مركز الملك عبدالعزيز التاريخي، وحي السفارات، ومنطقة قصر الحكم، ومكتبة الملك فهد الوطنية، ومبنى المحكمة العامة، والمحكمة الجزائية، وحالياً في برنامج تطوير الدرعية.
  • تكوين فريق المشروع، واعتماد مفهوم المسؤولية التضامنية في إدارة المشروع، فالفريق بكامله مسؤول عن إنجاز المشروع بنجاح.
  • إدارة المقاولين لها بيئة متكاملة من الأطر النظامية والإجراءات الإدارية والهندسية، فالمشاريع يتم تنفيذها من خلال المقاولين على اختلاف تخصصاتهم.
  • وتتلخص أبرز مرتكزات التعامل مع المقاولين في إدارة المشاريع الإنشائية فيما يلي:
  • آلية متكاملة لتأهيل المقاولين وفرزهم حسب قدراتهم ومجالات تخصصهم، عبر مراجع متكاملة للمواصفات والمقاييس العامة والخاصة بالهيئة.
  • بحث قدرة المقاولين تبعاً لخبرة المقاول، وتخصصه، وتاريخه التنفيذي، ومستوى تكامل كوادره، وأدائه المؤسسي، وإمكاناته المالية.
  • ربط فريق العمل المكلف في الهيئة بالمشروع بجهاز التنفيذ الخاص بالمقاول، والمشاركة الفاعلة في تطوير الحلول، وتنفيذ الخطوات على المستويات التفصيلية الدقيقة، والمتابعة المستمرة، واستلام نواتج العمل مرحلياً.
  • التعامل المباشر مع جميع المقاولين في المشروع بما في ذلك المقاولين من الباطن، هذه المباشرة تتضمن: الموافقة على المقاولين من الباطن، والمشاركةالإشرافيةالكاملة على أعمالهم، مع بقاء مسؤولية المقاول الأساسي، الذي تتم من خلاله إجراءات المحاسبة والمطالبة والتصفية.

نموذج مشروع المركز التاريخي

تشكل تجربة الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض في إنشاء مركز الملك عبدالعزيز التاريخي، حالة تطبيقية لإدارة المشاريع التي تتولاها الهيئة، ففي أواخر العام 1416 هـ وجهت اللجنة العليا المنظمة للاحتفال بمرور مائة عام على تأسيس المملكة بتقديم مقترح للاحتفاء بهذه المناسبة الوطنية العزيزة. فقدمت الهيئة مقترحاً بإنشاء مؤسسة حضارية على المستوى الوطني تعكس قيمة المناسبة، من خلال مشروع وطني دائم يقدم خدمة حضارية للوطن بكامله، ثم تطورت فكرة المؤسسة لتصبح مركز الملك عبدالعزيز التاريخي.

وتقوم فكرة المركز على إنشاء مؤسسة وطنية على مستوى المملكة تُذكر بنعمة الله ومنِّه على هذه البلاد بالأمن والخير العميم، لتكون مركزاً ثقافياً وواجهة حضارية مشرفة تعكس تاريخ جزيرة العرب ورسالة الإسلام الخالدة. وتُعرّف بتاريخ المملكة العربية السعودية، ودورها التاريخي، والأسس التي قامت عليها.

وقد اعتمد في تصميم المركز – علاوة على دوره الوطني- أن يكون رئة ثقافية خضراء على مستوى المدينة، تتكامل مع برنامج تطوير منطقة قصر الحكم، ويشكل معها نواة للتطوير الشامل لوسط المدينة، بما يُعيد لوسط المدينة: جودة الحياة السكنية، وبيئتها الإنسانية، وتطوير اقتصادها، وتأهيل تراثها وقيمتها الوطنية في خدمة البلاد، وتحقيق جوانب مهمة من الرؤية المستقبلية لمدينة الرياض.

تحديات وحلول

واجهت جملة من التحديات العمل في مشروع مركز الملك عبدالعزيز التاريخي، لعل من أبرزها:

  • الوقت المحدود لإنجاز المشروع، نسبة إلى حجمه وتعدد محاوره، حيث لم يتجاوز الوقت المتاح للمشروع 33 شهراً شاملاً أعمال التخطيط والتصميم والإنشاء.
  • طبيعة المشروع كونه يتطلب إنشاء مؤسسةمتحفيةبمقاييس عالمية، إضافة إلى ما اشتمل عليه المشروع من أنماط متعددة من المنشآت، فضلاً عن الاعتبارات العمرانية للجوار المحيط، والمتطلبات التخطيطية لتطوير وسط المدينة. وكذلك تعدد الجهات التي ستتبع لها عناصر المشروع المختلفة.
  • إدارة العدد الكبير لفرق العمل التي اشتملت على مختصين في مجالات التخطيط العمراني والعمارة والتاريخ والآثار والمتاحف إلى جانب مقاولي التنفيذ.
  • تداخل الجداول الزمنية لفرق العمل المختلفة وارتباط بعضها بنواتج أعمال الفرق الأخرى.
  • انشغالاستشارييالتصميم ومقاولي التنفيذ للأعمالالمتحفيةبمشاريع في أنحاء العالم كافة ضمن الاستعدادات للألفية الثالثة.

وللقيام بالمهمة ضمن: الحدود الزمنية، والتكلفة المعتمدة، والأهداف المقررة، والعناصر المكونة للمشروع؛ اعتمدت الهيئة جملة من الإجراءات الإدارية، والسياسات للسيطرة على: الوقت، والجودة، والمتطلبات، وفريق العمل.

السيطرة على الوقت

المطلب الأول في عامل السيطرة على الوقت كان في الطبيعة المتوالية لمعظم الخطوات التنفيذية في المشروع.

فقد تضمن التسلسل الطبيعي لمهام المشروع البدء بالتخطيط الحضري للموقع، ثم تطوير المحتوى المتحفي وسيناريو العرض، وبناءً عليه تحدد المعروضات، وبناءً على كل هذا تنفذ التصاميم المعمارية للمباني، ومن هذه المرحلة يمكن العمل في خطوط متوازية في: التصاميم الهندسية، وتصاميم المعروضات بكل أنواعها.

كما يمكن العمل بعد ذلك بالتوازي في مختلف المراحل التنفيذية التالية، ووَفْق هذا المنهج فإن المشروع سيستغرق وقتاً أطول من المتاح.

من جانب آخر كان من الضروري إعطاء أطول مدى زمني ممكن لتطوير الأفكار الأساسية والمضامين والتصاميم، ولمواجهة هذا الوضع اعتمدت الهيئة عدداً من الإجراءات، منها:

  • التجهيز المبكر، واستباق القرارات، ففي الوقت الذي كانت اللجنة العليا للاحتفال تدرس مقترح الهيئة، تم القيام بمسح شامل للاستشاريين المصممين في مجالات تصميم المتاحف، ووضعت خطوط أولية للعمل قابلة للتعديل وفقاً للقرارات الصادرة، وجرى تقويم عدد من التجارب، وبدأت الاتصالات الأولية بالمكاتب الاستشارية المناسبة للمشروع، وفي كل مرحلة كان يتم تنفيذ جميع الأعمال التمهيدية قبل صدور القرارات وتوقيع العقود، وكانت الهيئة تتولى القيام بهذه المهام التحضيرية، ومنها: تجهيز المواقع للمقاولين.
  • إطلاق العمليات المتتالية في وقت واحد، وذلك من خلال وضع محددات أساسية لكل مهمة تجعل نواتجها ملائمة للمرحلة التي تليها؛ فطلب من فريق التصميم المعماري للمباني توفير مساحات بفراغات محددة لقاعات العرض المتحفي، أو ما يسمى (black boxes)، وتجهيزات هندسية قادرة على استيعاب أي عرض متحفي، وفْق سرد موضوعي للعناصرالمتحفية، وليس سرداً للمعروضاتالمتحفيةالتي لم تكن معروفة في تلك المرحلة، في المقابل بدأت عملية جمع كل المعروضات الممكنة، والقيام بكل الأعمال التحضيرية لها، من: بحث، وتوثيق، وترميم، بغض النظر عن سيناريو العرض المتحفي الذي ستوضع فيه، والفراغ المتحفي الذي سيحتويها. مما سمح بالبدء في أعمال السيناريو المتحفي والتصميم العمراني في وقت واحد، وكانت تتم عملية مواءمة مباشرة بين المهمتين بناءً على ما يستجد من قضايا مؤثرة. ومثل هذا الإجراء تم في إنجاز التصميم العمراني للموقع، والتصميم المعماري، وتنسيق المواقع (Landscape)، وكذلك في القيام بأعمال الإنشاء، وتركيب المعروضات، والت أثيث.
  • المساندة الكبيرة التي وجدتها الهيئة من اللجنة العليا المنظمة للاحتفال، والدعم المتواصل من سمو رئيس الهيئة والمسؤول الأول عن المناسبة، فقد كانت القرارات حاضرة، والتوجيهات آنية، ما وفر الكثير من الوقت والجهد.

إجراءات لضبط الجودة

المطلب الثاني للإجراءات الإدارية تمثل فيضبط الجودة، حيث اتخذت الإجراءات التالية:

  • السيطرة على التكاليف النهائية للمشروع من خلال التوصيف والتقييس الدقيق لتفصيلات العمل، وإشراك الشركات التنفيذية في تقويم التصاميم وقابليتها للتنفيذ، والعمل ضمن سقوف مالية لكل مرحلة، وعدم تجاوزها، وتشكيل فرق تنفيذية تعمل مباشرة من خلال الهيئة، وخفض التكاليف من خلال تكوين فرق من الأخصائيين لمهام محددة: كجمع المعروضات، ووضع السيناريو، والقيام بالدراسات البحثية.
  • للبدء في أعمال التنفيذ، تم الانتهاء من التصاميم المعمارية والهندسية خلال 5 أشهر من اعتماد الفكرة التصميمية للمشروع وطُرح في منافسة للتنفيذ. وحيث لم يكن من الممكن الانتهاء من تصميم التجهيزاتالمتحفية؛ فقد تم وضع مبلغ مقطوع (Provisional Sum) في عقود التنفيذ للتجهيزاتالمتحفية، والتي تم تنفيذ معظمها عبر مقاولين من الباطن للمقاول الرئيسي من المؤسسات المتخصصة في عناصر المشروع، وكان عددها كبيراً بالنسبة لمشروع واحد ومن دول مختلفة، شاركت الهيئة في مسح وترشيح هؤلاء المقاولين، وتوصيف مهامهم، والتعامل المباشر معهم في استلام المنتجات.
  • التقويم المرحلي والجزئي للأعمال، من خلال لجان مرجعية، حيث يضمن هذا الإجراء اكتشاف الأخطاء والإخفاقات في وقت مبكر، وتعديلها، ومنع انتقال الخطأ إلى مرحلة لاحقة، كتقويم التصميم العمراني قبل بدء تصميم المنشآت.

ضبط أهداف المشروع

المطلب الثالث يكمن في ضبط أهداف المشروع، والتأكد من تحقيقها من خلال كل عناصر المشروع ونواتجه، فالأهداف الحضرية المضمنة في المشروع من تقديم المرافق الحديثة للجوار المحيط بالمركز – على سبيل المثال – كان سيتم التنازل عنها في زحمة التفكير بتحقيق المتطلبات الوظيفية للمؤسسات المستفيدة من المشروع.

كما أن تحقيق هدف ربط المركز ببرنامج تطوير منطقة قصر الحكم، وجعلهما قطبي الرحى في تطوير المنطقة، كان يمكن أن يتلاشى في خضم معالجة الإشكالات والتحديات الموجودة في الموقع، من تنوع المرافق التراثية، واختلاف مناهج ترميمها وتوظيفها.

الجوانب الفكرية والأهداف السامية المتمثلة في قيام المركز بتجسيد الدور العالمي للمملكة، ومكانتها في العالم الإسلامي، والعمق التاريخي للمنطقة؛ كان هو الآخر مهدداً بالاختزال في ظل غياب المعروضات، وعدم معرفة ما يتوفر منها.

وللسيطرة على الأهداف وتحقيقها في واقع المشروع اعتمدت الهيئة إجراءين رئيسيين هما:

  • العمل في الجوانبالمتحفيةعلى أساس موضوعي، وسياق تاريخي، وعلى أساس هذا السيناريو الموضوعي، الذي يتسم بالعمق والشمول، فقد تم وضع سيناريو عرض متحفي يسمح باستيعاب ما يتوفر من معروضات لدعم القصة العامة للمتحف، ويعوض النقص من خلال المشبهات والمجسمات.
  • تحويل الأهداف والمضامين والقيم التي اعتمدت في تأسيس المركز إلى مستويات متتالية من الأهداف التنفيذية القابلة للضبط والسيطرة والقياس والتحكم، فعلى سبيل المثال: لتحقيق الهدف العام لتوفير خدمة للجوار المحيط بالمركز، كان أحد الأهداف التنفيذية لذلك يقضي بتداخل نسيج المركز ومنشآته مع الجوار المحيط، وذلك من خلال عدم سيطرة منشآت المركز على الجوار، والسماح بالحركة الراجلة في جميع الاتجاهات، وكذلك دمج شبكة الطرق المحلية في نطاق المركز وإبقاء وظيفتها الأساسية؛ ليصبح المركز جزءاً من الذاكرة اليومية لسكان المدينة، وتصميم المناطق المفتوحة في المركز لتشكل منطقة تماس بالأحياء المجاورة، لذلك جاء تصميم المركز بوصفه حديقة خضراء كبيرة تحيط بها الأحياء من كل جانب.

إدارة فرق العمل

جانب آخر يكمن في مستوى مباشرة الهيئة لفرق العمل، فالهيئة تتصل مباشرة، وتدير فرقاً متخصصة شكلتها من خارج الهيئة، كفرق المواضيعالمتحفيةللقاعات، وفرق جمع المعروضات، وتتعامل مع فرق عمل المقاول الرئيسي، ومع فرق عمل مقاولي الباطن، كفرق الأفلام الوثائقية، بالإضافة إلى فرق عمل من المؤسسات المشاركة، كفريق دارة الملك عبدالعزيز، ووكالة الآثار والمتاحف، ومكتبة الملك عبدالعزيز العامة. هذا التعامل لا يتم على مستوى استلام المنتجات فقط، وإنما يتسم بقدر كبير من التداخل، والمعالجة، والتقويم المرحلي، والمساندة، والمشاركة في تطوير الحلول بين فريق الهيئة وهذه الفرق.

لتسهيل هذه المهمة عمدت الهيئة إلى عدد من الإجراءات منها:

  • ضمان تجانس الفريق، حيث يشكل ذلك أحد المطالب المهمة لنجاح فرق العمل في أداء مهامها، وذلك بأن يقوم أحد أعضاء الفريق بقيادته، ويشكل في الوقت نفسه ضابط الاتصال بالفرق الأخرى والهيئة. ولدعم أداء الفرق المتخصصة قامت الهيئة بالاتصال في كثير من الأحيان بكل أعضاء الفريق لاستيعاب اختلاف وجهات النظر، وإشعار الجميع بالتقدير.
  • وضوح المهمة كان مطلباً أساسياً يعني: توصيف المهمة، وتحديد الجدول الزمني للنواتج، وكيفية الاتصال بالفرق الأخرى، والصلاحيات المتاحة، ومجال المناورة للفريق.
  • تولّي الهيئة وإشرافها على أعمال الاتصال بين الفرق، فكانت الهيئة تستلم منتجات كل فريق، وتطلب تعديلها، قبل تسليمها للفريق الآخر.
  • شكلت الهيئة من رؤساء فرق العمل غرفة عمليات لمتابعة دور مهم وهو: التأكد من سير العمل في أعماله التنفيذية لتحقيق الأهداف الأساسية لكل مرحلة، وإشراك الجميع في اتخاذ القرارات الأساسية، وإعادة ترتيب الأدوار، وتوجيه لإسناد للمهام المتعثرة والمتأخرة، والإفادة من رأي الجميع في تقويم نواتج كل مهمة، وحل الإشكالات التي ترد على أداء الفرق كتعثر الاتصال، وتأخر الإنجاز.

وبفضل الله أنجز المشروع في وقته المحدد، حيث كان لتكاتف الجهود والعمل بروح الفريق الواحد دور في تجاوز كل الصعاب المتوقعة.